Wednesday, June 24, 2009


زنجي




كنت أنا و "زنجي" في طريقنا إلى كوبري قصر النيل, عبر شارع طلعت حرب, نتحدث عن مجموعة من الأزمات الشخصية, أنا بميلي الدائم إلى التفاؤل عموما وهو بطريقته المتفهّمة للمشاكل بجميع أنواعها, لم تكن هناك أزمة حقيقية في الحديث ذاته , إنما مرت شقراوتان في ملابس منزلية خفيفة أمام مول طلعت حرب, أجنبيتان على الأرجح و بدا أنهما بدأتا تدركان الوضع فبدأت كل منهما في شد ملابسها العليا إلى أسفل قدر الإمكان, استلزم الأمر الصمت التام للحظة , لمراقبة رد فعل الجماهير المستندة إلى جدار المول و على السيارات المصطفة على الرصيف المقابل أمام استفزاز ليلي مفاجئ كهذا , توتّر زنجي من إحتمالية تحرّش موشك , هدأته أن هناك دورية أمن قريبة لابد أن تكون متأهبة لتحرشات منتصف الليل كما أن الأمر لا يمكن أن يقفز فجأة هكذا إلى قمة العنف الجسدي دون مقدمات لم نرها بعد , غمغم في شكه في ذلك, ثرثرنا لدقيقة عن الخبرة التي لابد اكتسبها الأمن المصري في مواجهة هجمات التحرش الموسمية, كنا نضحك في الحقيقة و نحن نسير خلف الأجنبيتان بمسافة , ثم نسينا أمرهما تماما بعد أن كان علينا عبور ناصية الشارع المؤدي إلى سينما أوديون, قلت لزنجي: إيه رأيك ندخل "إبراهيم الأبيض" ؟ , توقف زنجي فجأة , بينما التفتت إلينا شابة في أواخر العشرينات, حجاب و تونيك و جينز, كانت تسير أمامنا منذ لحظة إلى جوار شاب يحمل طفلة صغيرة, رفع زنجي كفيه أمامه وهو يغمغم :أنا آسف.. مكنتش أقصد . قالها بشكل مرتبك إلى حد أنني سمعت فقط "أقصد ", في نفس اللحظة التي قطعت صرخة الفتاة شارع طلعت حرب باتجاهيه : يا حيوان..


**


نسبة كبيرة من البشر تسير وهي تأرجح يديها إلى الأمام و الخلف بطريقة ميكانيكية, يحدث ذلك غالبا أثناء السير المرهق أو أحيانا الرائق, يفتقد ذلك مرضى الباركنسون و آخرين, لكنّ سوء الحظ هو أن تأرجح يدك إلى الأمام بينما تقرر شابة في العشرين متزوجة حديثا و لديها طفلة و شقة في فيصل, أن تبطئ من خطواتها أمامك لأسباب مبهمة فيستقر ظاهر يدك اليسرى على ردفها الأيمن في اطمئنان..

في الوقت الذي كنت سألت فيه زنجي بهلع "فيه إيه ؟ " فيجيب " إيدي خبطت فيها !" , كانت الشابة تحكي لزوجها المنزعج تفاصيل ما حدث بعفوية مذهلة, أخبرته المدام فيما يشبه الصراخ أن "زنجي" قد وضع يده على "مؤخرتها", مستخدمة اللفظ العامي الدارج للكلمة الأخيرة مضافا إليها ضمير الملكية ثمين الدلالة في موقف كهذا, كنت متأكدا أن الرجل لديه في دمه الآن بالفعل تركيز كاف من الأدرينالين العدواني, المطلوب للسير مع أي أنثي في شارع طلعت حرب بعد منتصف الليل, لذلك حاولت قدر الإمكان أن أشرح أنا الموقف بدلا من "زنجي" الذي واصل الغمغمة بارتباك و لكن في اتجاه الزوج هذه المرة, اقتربت خطوة من الرجل الذي أودع طفلته الوادعة في حضن ماما ثم استدار إلينا , قلت فقط : "حضرتك" , فسدد لكمة مباشرة, لكمة من النوع الموصول, الذي لا يدع لك فرصة للترنح ثم الوقوف مرة أخرى في مواجهته, بل الترنح ثم السقوط البعيد إلى الخلف, كأنه كان يسدد في مرتبة اسفنجية سميكة, سدد الرجل لكمته إلى فك زنجي, و بينما كان الزوج يستعيد توازنه , كنت بدوري قد سددت إليه لكمة مماثلة فيطير إلى منتصف الشارع..

**


الذين تجمهروا حولنا كان نصفهم على الأقل لا يفهم ما حدث, شجعني ذلك على مواصلة الصراخ خوفا من أن يتناقل الجمهور تفاصيل ستسحب كثيرا من رصيدي أنا و "زنجي ", الرجل كان قد قام , تحسس فكه و رأى الدم على أنامله و اندفع إلينا كالسهم فحال بينه و بيننا الشباب الذين ركضوا من كل اتجاه, أما زنجي فكان قد نهض بصعوبة وهو يتأوه ممسكا بفكه , كنت أصرخ: بتمد إيدك ليه يا حيوان قبل ما تفهم. , و كان يصرخ: يا ولاد الـ"*****" يا "********" أنا حطلع دين أمك يا "***" إنت وهوّ ..

واصلنا الصراخ المتبادل, يحول بيننا شباب كل منهم كان منذ لحظة في وضعية المتحرش المثالي بالأجنبيتان, كل واحد منهم كان أقرب إلى موقفي أنا و زنجي الآن و أكثر مناسبة للدور , انتبهت أن الرجل يبحث عن موبايله , رفعه إلى أذنه ثم صرخ : يا محمد..تعالى دلوقتي..إنت و فادي و علاء و سامح و عاشور و محمدي..., صرخ بشكل جحيمي: بقولك حط إيده على "هنااااء"...حط إيده على هناء يا محمد..

"زنجي" كان جواري يستند إلى سيارة قريبة و يشدني إلى الخلف ممسكا فكه باليد الأخرى,لحظة و افلتني ثم رفع الموبايل إلى أذنه و تحدث بصعوبة و بصوت مكتوم وهو لايزال ممسكا بفكه :يا حسين...هات أبو الفضل و المصري و جودة و تعالوا فورا..

**

رفع أمين الشرطة صوته ليسمعه الجميع : كله يوعى.., مزيحا بيديه عدد من الشباب الشهم ليصل إلى قلب التجمهر, اقترب الأمين من مركز الدائرة حيث أقف و أنا زنجي على ناحية من الحائط البشري الذي يفصلنا عن الزوج المغدور , صاح بصوت سلطوي ضخم: فيه إيه...إيه اللي حصل؟ , صرخ الزوج وهو يشير بيديه الإثنين : العيال ولاد الـ *** دول واحد فيهم بـ*** مراتي.., غمغم زنجي بما لم أتبينه و صحت: يا عم إنت إفهم, إنت ماشفتش حاجة أصلا عشـ..و قبل أن أتم جملتي كنت أرى خلف الجماهير من بعيد, بعيدا بمسافة كافية , تاكسي هيونداي أكسنت يتوقف و ينزل منه 6 شباب باندفاع , ألقى أحدهم بالنقود إلى السائق بينما أندفع الخمسة الباقين إلينا في ركض غاضب عنيف, التفت الجميع مرة واحدة إلى حيث أنظر ورائهم,و من ورائي كنت أسمع صوت "حسين" يسأل "زنجي" : فيه إيه..حصل إيه..فعرفت أن أنه وصل بصحبة جودة و المصري و أبو الفضل, مباشرةً أشار إلينا الزوج فالتفت الغاضبين الـ 6 نحونا, لم يحتج الأمر إلى مقدمات, تنحّى الحائط البشري , تنحّى أمين الشرطة , حين رفع أحد الستة عارضا خشبيا التقطه من جوار المول ثم اندفع إلينا بفكّ مفتوح و عيون متسعة على آخرها..

**

المعركة لم تكن تدور على النحو الذي توقعت أن يحدث حين يصل المدد إلى الجانبين, لم يكن هناك المخلصاتية الذين يعود إليهم الفضل غالبا في حل الأمور , كما لم يكن هناك أي مناوشات مبدئية تسمح بإعادة تقييم الأمور, الجميع فرّ من بين الخصوم حين لاحظوا الوحشية التي قرر العظماء الستة _ الذين قطعوا الطريق من فيصل رأسا إلى وسط البلد للذود عن شرف المنطقة_ معالجة الأمور بها, خشبة من جوار المول بالإضافة إلى ما يشبه الجنزير في يد آخر إلى جانب صرخات حماسية خالصة من الجميع , على الجانب الآخر تردد فريق الجامعيين النبلاء للحظة حين خلت الساحة أمامه إلا من الإشتباك الحتمي, لكنه استعاد توازنه و اندفع في الإتجاه المقابل بحسم, حسابيا كان لكل واحد من العظماء الستة جامعي أنيق في مواجهته, فيما عدا زنجي الذي كان عليه أن يواجه الزوج و أحد مناصريه معا, من جانبي, كان قد اختارني العنتيل ذو الجنزير لمواجهته بينما كنت آمل في "الزيّاط" ذي الكاب الذي يملأ الدنيا صياحا و وعيدا بما يشي بقلب هش مبدئيا, الأمر الذي كان سيتيح لي أن أتبادل معه مجموعة خفيفة من الركلات و اللكمات و السبّ و ينتهي الأمر, أما الآن, فعلي أن أستقبل الحلقات المعدنية المتراصة على جسدي بكل نبل, درنا حول بعضنا مرتين, جرى خلفي خمسة أمتار في اتجاه المول, استدرت بشكل مفاجئ , توقف, صفعته , تجمد للحظة ثم هوي بالجنزير على جانبي , حينها فقط فيما يشبه الرؤية كان بإمكاني كشف الساحة كلها بينما يتأرجح الجنزير في اتجاهي, الشارع خاو تماما إلا من 6 اشتباكات موزعة أمام المول بعرض الطريق, زنجي يتلقى الركل و الصفع ببسالة ثم يأرجح قبضته إلى معدة الزوج , المصري كان يدهس الزيّاط ذي الكاب في الركن, أبو الفضل و جودة و حسين كانوا في معادلات متزنة, شعرت بالجنزير على ذراعي و ظهري, فكرت للحظة: هيّ فين هناء ؟..

**

في القسم, كان الضابط على ما يبدو في حالة من الإنكار, يقلب بصره بيننا, حوالي سبعة اشخاص يتحدثون في الوقت نفسه فيما يشبه مبارايات الديكة, و "هناء" التي وقفت جوار زوجها تحمل طفلتها و ترتجف, بدا عليه أنه لا يصدق أن "عركة" قوطية كالتي حكاها له أفراد الأمن قد حدثت بسبب هذه الشابّة محدودة المواهب, ذلك أن الضابط خلال حكي الزوج المستفيض تفصيلا عما حدث تحركت عيناه على نحو تلقائي إلى مؤخرة الزوجة , موقع الحادث , الذي لم ير فيه أي فتنة مقنعة أو موحية حتى للمتحرش المفترض , لذلك التفت فورا إلى "زنجي" , سأله عن عمله و محل إقامته و سنه ,أجاب زنجي بلثغة من أثر تهشيم أحد قواطعه الأمامية ثم أقسم أنه لم يقصد و أن الأمر حدث بشكل عشوائي تماما , بالإضافة إلى استعداده الفوري للإعتذار عن أي أضرار غير مقصودة بالمرة, نهض الضابط و طلب من الجميع الخروج فيما عداي أنا و زنجي و الزوج و هناء, تنحى بي جانبا ثم همس : صاحبك باين عليه إبن ناس...و مش وش بهدلة..بس لو قلت لي دلوقتي إنه فعلا مدّ إيده على الست دي انا حخلّص الموضوع ودي..لو كدبت عليا إنت وهو حتباتو في القسم ..

نظرت إلى الضابط بعمق, كان في عينيه فضول غير مهني إطلاقا, " والله حضرتك إيده خبطت فيها من غير قصد , حد حيعمل كده في واحدة ماشية مع جوزها "..صمت الضابط ثم ربت على كتفي و التفت إلى الجميع قائلا: دلوقتي فيه عندنا حالة تحرش و عاهة مستديمة و شجار في الطريق العام...نخلص الموضوع ودي ولا تباتو كلكوا في القسم ؟

**

ثلاث ساعات , خرجنا بعدهم جميعا إلى الشوارع الخاوية, و بينما كنا نسمع تواشيح ما قبل الفجر من المساجد القريبة, تركنا زنجي فجأة و اتجه إلى الرجل الذي كان لازال واقفا إلى جوار زوجته أمام قسم الشرطة , توقف زنجي على بعد مسافة كافية منهم : " على فكرة أنا فعلا ما كنتش أقصد .." , التفت إليه الرجل و حدق فيه للحظة ثم قال وهو يشيح بنظره: أنا عارف.., ضم إليه جيدا زوجته و ابنته و عبروا الطريق...

Monday, April 13, 2009

خمسة



خــَــمْسَة





حوالي الساعة الثانية صباحا كان "سيد سناء" و "علاء دولت " جالسين على "التكعيبة", يشدّ كل منهما من شيشته الخاصة في صمت و حكمة, كركرت شيشة "سناء " ثم قال :
بس أنا طول عمري بحبك يا دولت والله
_ إنت أكتر يا ريس
= زي أخويا يعني مش أي كلام
_ كفاءة يا ريس
صمت كلاهما للحظة كركرت فيها الشيشتان
= بس أنا زعلان شوية
_ خير ؟
= مش عارف...حاسس كده زي ما يكون خلاص...مبقاش فيها رجالة
_......
= العيال بتاعت البيست سيلر يا "دولت" خلاص بقوا راكبين فلايك ...و المبدعين واخدينها عوم...فاكر يا"دولت" ..فاكر العيال دي لما كانت تيجي تتنطط حوالينا عشان نسلم عليهم...خلاص يا ريس...بقوا نجوم و حفلات توقيع و فايس بوك و بتاع...ولا حد بقى يقدر يبق معاهم ...
_......
= مفيش دكر بقى يقف في أي حفلة توقيع ولا مناقشة توحد ربنا يحطّ على العيل فيهم يجيبه الأرض...كله رايح و مجهز علبة الشيكولاتة و بوكيه الورد ..
تململ "دولت" قليلا لأنه شكّ أن يكون "سناء" قد عرف أنه ذهب من يومين إلى حفل توقيع "ما تيجي بقى ", رواية سلموني الجديدة, التي حققت أعلى مبيعات في مكتبة الأمانة لمدة أسبوعين متتالين, وهو يحمل بوكيه ورد صغير..
= إحنا نلبس طرح أحسن يا "دولت" و نبطل نكتب و نخدّم على العيال بتاعت البيست سيلر أحسن في الجرايد..
_ إتكلم عن نفسك يا "سناء "..
= والله ده اللي أنا شايفه...
_ أنا أقدر أحطّ على أي حدّ في أي ندوة متعجبنيش يا "سناء " و إنت عارف..
= أي ندوة ! , قالها "سناء "و هويضحك مستهزئا, أي ندوة يا "دولت"....!
_ أه أي ندوة...تراهن ؟
= و اللي يرجع ؟
_ يلبس طرحة و يكتب قصص قصيرة..
= فل جدا...أنا ياعم مش عايز أي ندوة...أنا عايز منك بس تحطّ على خمس ندوات...
_ فل..
= و إحنا فيها...آدي يا ريس أخبار الأدب...يوم الخميس الجاي في ورشة الزتون فيه حفلة توقيع ديوان " كفّي نفسك " بتاع رانيا مراكب
_ كده واحد
= الجمعة في عمر فوق ستور فيه حفل توقيع رواية "أبوك موبوء يا علاء " بتاعت علاء بن الموبوء
_ 2
= مناقشة ديوان " يا صفيّة يا عمري " بتاع حمادة صيدلية في "البلد" السبت
_ 3
= الحدّ التجمع السنوي لجماعة صفافير الأدبية و حيناقشوا رواية " همس التخين "
_ 4
= الإتنين...في فندق جراند حياة مناقشة ديوان "صوصوة " للواء سابق عريض الدفراوي..
_ عريض الدفراوي !...فاكره ده ياض ؟
= مش ده اللي كسب مسابقة الهيئة العامة و المجلس الأعلى و نادي القصة و جايزة "علي دعبس " في سنة واحدة..
_ أيوه هو.. السنة اللي فاتت
= ها...إيه النظام ؟...
كركرت شيشة " دولت" وهو يبتسم في انتشاء..




2



كان اللواء سابق عريض الدفراوي يتأمل نفسه في مرآة الحمام بعمق, حين دخل "سناء" و "دولت" ورائه على المباول, نظر إليهما ثم انتبه مرة أخرى إلى نفسه , بلل منديلا و مرره برهافة على شاربه , ساوى سوالفه و مسح على صلعته الكبيرة, و بينما بدأ "سناء" و "دولت" في الضحك بشكل مكتوم وهما يختلسان النظر إليه, أنزل اللواء عريض الدفراوي على نحو تلقائي راحته ببطء , حتى لامست مسدسه الضخم الملتصق بجرابه في لحم جنبه الأيسر وهو يراقبهما بحذر , رفع "سناء" سوستة بنطلونه و غسل يديه بسرعة بينما تأنّي " دولت " قليلا...خطا بهدوء إلى الحوض..و مد يده إلى الصنبور في ثقة,و على الفور تعرف عليه الدفراوي, كانا معا في حفلة توزيع جوائز "علي دعبس"..و طوال الوقت كان "دولت" يعترض و يروح و يجيئ و يقف و يشتم مع كل اسم يتم إعلانه تصاعديا من الفائزين بالجائزة, إلى أن وصلوا إلى المركز الأول الذي كان من نصيب "دفراوي" , فصرخ "دولت " , صرخ حرفيا , صرخة حادة مفاجئة مخطوفة كتلك التي يمكنك أن تسمعها من فتاة في السابعة عشر لمس نهدها أحدهم أثناء عبور الطريق..كانت المفاجأة على ما يبدو فوق احتمال " دولت" الذي أعقب صرخته بأن وضع راحته على فمه و حدق حوله في ذهول..
في الخارج, في بهو الفندق أمام القاعة المعدّة للندوة, كانت هناك لوحة كبيرة عليها إعلان كبير يظهر فيه اللواء ممسكا بديوانه مع ابتسامة واسعة , أما في الداخل فوقف منظم الحفل ممسكا بالميكروفون , تنحنح ثم شكر الحاضرين و شكر اللواء, موضحا أنه كناشر مدقق في اختيار ما يقدمه إلى الجمهور, لم يكن لديه أمام ديوان مثل ديوان "صوصوة " للواء سابق عريض الدفراوي , و رفع نسخة من الديوان المطبوع طباعة فاخرة بغلاف بلاستيكي لامع , إلا أن يشعر بالإطمئنان على مستقبل مصر الشعري , سكت برهة..فبدأ الحاضرون في التصفيق ,"سناء" الذي كان في الصف قبل الأخير من المقاعد مال على "دولت " هامسا: بايضالك في القفص..حطّيت على أربعة و الخامس في جيب جينزك اللي ورا يا ريس , لم يرد " دولت" لأنه كان يعرف جيدا أن "سناء" يتمنى له الإخفاق بشكل مؤكد, أربعة ندوات سابقة صمد فيهم "دولت " و بذل من الجهد الثقافي ما يفوق طاقته بكثير ليحطّ على مثل هذه الأشكال دون أن يتردد أو يتلعثم أو تخونه لياقته..الآن عليه أن يتم ما بدأه..مهما بدا ذلك شاقا أو عسيرا..أو حتى أسهل مما ينبغي..
بدأت الندوة فقام إلى المنصة الناقد "عبده ترامادول", سعل ثم تنحنح هو الأخر ثم بدأ بصوت رخيم : الحقيقة أنا جاي النهاردة...آآآآآ.... عشان أقول إني في الفترة الأخيرة مشفتش ديوان شعر عامي....آآآآ... قوي و متماسك زي ديوان الشاعر عريض الدفرواي, الذي على ما يبدو لم تنل سنوات العمل الشاقة في الأجهزة الامنية من رهافة حسه و جودة أسلوبه , الديوان فعلا يصيبك بحالة من الإنسجام مع الغنائية و الجيشان العاطفي, فمثلا في قصيدته "أنا قلبي ليك " يقول الدفراوي :
أنا قلبي ليك
أنا كلي ليك
وحياة عنيك
وحياة إيديك
و أنا في الحقيقة أول مرة أسمع هذا التعبير و حياة إيديك, الذي جاء في سياقه اللفظي جديدا تماما و مخـ..
نهض "دولت" فجاة : و حياة إيديك إيه يا ترامادول؟ إنت لسه واخد الحباية ولا إيه ؟, سكتت الندوة كلها, و بالرغم أن "دولت" شعر أنه بدأ بداية حامية, أكثر حدة مما ينبغي إلا أنه ظل واقفا ,يرمقه "ترامادول" بغل عميق بينما بدأ اللواء في المسح على شاربه براحة يده في توتر, غمغم "دولت" وهو يشوّح حين لمح أحد منظمي الحفل يتجه إليه : أصل يعني ما ينفعش الكلام ده..مينفعش, ثم جلس على الفور, أشار منظم الحفل الذي على المنصة إلى مساعده الذي كان كان على وشك الوصول إلى "دولت" أن يدعه, كما هزّ اللواء رأسه في تفهّم للمساعد المتحمس, شعر " دولت" بالإخفاق , خاصة أن "سناء" صمت تماما كأنه يمنع نفسه بصعوبة من الشماتة فيه ,واصل"ترامادول" الحديث بانفعال شديد, وهو يدافع عن جودة تعبير " وحياة إيديك " كما اعتبر الدفراوي مجددا شعريا مهما و ذلك ليس بشأن "وحياة إيديك "فقط و إنما فيما ينتظم نصه في بقية الديوان, ثم دعا "ترامادل" الشاعر الدفراوي أن يلقي إحدى قصائده , فقام الشاعر و أمسك ديوانه , و على الرغم من ضخامة حجمه الذي يوحي بحنجرة كجذع شجرة إفريقية إلا ان الصوت خرج ناعما تماما مشوبا ببحة خافتة, كأنه يضغط على أحباله الصوتية بقوة فينتج صوتا كهذا غير مطابقا تماما للصورة :
في عينيك أنا
شفت اللي جاي من عمرنا
شفت اللي جاي بيضمنا
و بقولها ليك متدوّنة
خليك هنا جنب قلبي
مليون سنة
في عينيك أنا
في عينيـ..
" لأ...لأ..كده كفاية بقى ! "
التفت الندوة كلها إلى الخلف, "دولت" من جديد, كان قد نهض و صرخ و شوّح و تطاير الزبد من فمه :
كفاية بقى...إنتوا إيه...متعرفوش ربنا..
احتقن وجه الدفراوي الذي كان يمسح على شاربه و يلتفت يمينا و يسارا و يلعب في رابطة عنقه بعصبية وهو يهمس : مين إبن الـ *ول ده ؟ , نهض منظم الحفل بينما كان مساعده قد تحرك بالفعل إلى "دولت " الذي واصل الصراخ : لأ بقى...دي مش ندوة..دي مبولة..لما شعر زي ده يتقال علنا ومحدش يتكلم ..تبقى مبولة. , انفجر البعض في الضحك بينما أمسك مساعد المنظم ذراع "دولت " الذي بدأ في المقاومة بينما يشده "سناء" في الإتجاه الآخر, إلى أن علا صوت غليظ أجش في القاعة: سيبه يا "ًصفوت"..سيبه...إيه اللي مش عاجبك يا أستاذ ؟ , التفت الجمهور مرة أخرى إلى مصدر الصوت, كان الدفراوي و قد حرر قليلا أحباله الصوتية من الضغط الشعري و بدا أنه يبذل مجهودا ضخما ليكون لطيفا قدر الإمكان ," إتفضل .. إتفضل قول ...إيه اللي مش عاجبك يا أستاذ..من حق أي حد يقول رأيه ...مفيش مشكلة "..لوّح الدفراوي وهو يتحدث لـ"صفوت" أن يتحرك بعيدا عن "دولت" الذي بدأ يتزن في وقفته و يضبط الإنفعال على وجهه , سكت برهة وهو يحدق في الدفراوي ثم قال:آآآآ أولا ده مش شعر...دي أغاني...ثانيا الوزن مكسور..أيوه ..الوزن مكسور , حرك" ترامادول" شفتيه وهو يدير رأسه جانبا يسب الدين لكلا من "سناء" و "دولت" ثم بصق جواره دون صوت , قال الدفراوي محاولا البقاء هادئا : أولا حضرتك ممكن تقول رأيك في الوقت المسموح لتعليقات الجمهور...ثانيا الوزن سليم...تقدر تقولي مكسور فين ؟ , " مكسور فين ؟ " صرخ دولت " خليك هنا جنب قلب سيادتك دي مش مكسورة ؟ ..دي دعارة..دي مبولة" , تمالك عريض الدفراوي نفسه بصعوبة, سحب نفسا عميقا و نفخ شاربه مغمضا عينيه, فانتفض منظم الحفلة قائلا : دلوقتي جه ميعاد بوفيه الشاي..حنرجع بعد عشر دقايق.
في جانب من الردهة بينما يتدافع الجمهور على الشاي و الكورواسون, وقف عريض الدفراوي يتحدث في الموبايل بعصبية و إلى جواره ثلاثة رجال ضخام في بزات سوداء سأله أحدهم بعد أن أنهى مكالمته مباشرة : إنت كويس يا باشا..مش محتاجنا نتدخل ؟.., " لا يا صلاح لأ" هز الدفرواي رأسه بعنف وهو يشير بيده " مفيش مشكلة..مفيش مشكلة ", من بعيد لمح الدفراوي منظم الحفل قادما من بعيد فأشار إليهم وهو يميل برأسه .." إتفضلوا جوا دلوقتي " , ما إن انصرف الثلاثة حتى اندفع الدفراوي بصوت مكتوم في منظم الحفل :أنا!...عيل بشخّة زي ده يقول لي أنا كده..أنا !..بعد 15 سنة كنت بوقّف فيهم المحافظة على رجل ييجي عيل زي ده يعمل معايا أنا كده ؟...طيب عشان إيه...بأمارة إيه صايع زي ده يا "عابدين" يكلمني كده....عشان الشعر؟....ك* أم الشعر... هو إيه اللي بيحصل يا "عابدين"؟..حتة *ول زي ده كنت برجع القسم كل يوم من الكمين بخمسين "ش**وط" زيه حيبوظ لي الندوة ولا إيه ؟..اضطرب عابدين بعنف و تمتم بسرعة: معلش يا باشا..معلش يا دفراوي بيه..لو عايزنا نطلع دين أمه دلوقتي قوللي.., " لأ يا عابدين لأ ...الواد ده لو مرجعش الندوة حيتقال كلام كتير..أنا حقولك تعمل إيه " ثم مسح على شاربه الكثيف .


3


بدأت الندوة مرة أخرى , نهض "عابدين" ممسكا بالمايكروفون , تنحنح ثم قال:
الورد قال للجميل...أمك دي كانت إيه
أمك دي كانت نيل...ولا الهرم يا أصيل
ولا الشجر زغاليل..ولا إنت أصلك إيه
الشاعر عريض الدفراوي, خدم وطنه الحبيب لأكثر من 15 عاما تنقل فيها بين أعلى المناصب في الأجهزة الأمنية المختلفة , سجله حافل بالنياشين و الأوسمة, ورغم ذلك تقاعد من أجل الشعر, تقاعد من أجل الفن..إنه اللواء سابق..الشاعر.. عريض الدفراوي..
صفق الجمهور بينما رمق الدفرواي "دولت " بقوة ثم هزّ رأسه للجمهور في نبل, تناول "ترامادول" المايكروفون ونهض , سكت للحظة وهو يحدق في السقف ثم قال :
"..آآآ....الشعراء الكبار....آآآآ... عادة ً.. ما يكون مقبولا منهم ما لا يقبل من غيرهم بحال , وهو ما كان دائما باب التجديد الشعري كما قلت من قبل, ومن ذلك الخروج عن الوزن الشعري المعروف إلى آفاق أكثر رحابة من الموسيقى الحرة... الخارجة عن النسق الثابت و المتسقة في ذات الوقت , و خبط على المائدة , مع حدود السماحية الموسيقية للغة العربية التي تسمح فقط ", و رفع سبابته," لكبار الشعراء و أكرر كبار الشعراء بالكسر أو بالوزن أينما رأوا ذلك ضروريا لصالح المعنى الشعري الحقيقي النادر."
صفق الجمهور , مسح الدفراوي على شاربه بحماس , تململ "دولت " على مقعده, همس "سناء" : بيزيطوا عليك..
" و أنا أرى" واصل ترامادول مقاطعا تصفيق الجمهور " أن الدفراوي يعود بنا إلى زمن الشعر العامي الجميل..الشِعْبي.اللذيذ..القريب من الجمهور..بعض طول غياب في دهاليز الشعر المتعالي و المتعجرف و الذاتي ..يعود بنا الدفراوي إلى الغنائية البسيطة..دون إبتذال...الموسيقى الواضحة..دون إفتعال.."
لم يحتمل "دولت" , فعليا لم يحتمل , بغض النظر عن رهانه مع "سناء" , فاق ذلك احتماله بمراحل فكان على وشك النهوض و الصراخ من جديد غير أن يدا حديدية قبضت على كتفه من الخلف و أخرى أطبقت على ذراعه من جانبه , التفت "دولت" حوله بهلع, هزّ له الرجلين رأسيهما في حكمة ثم همس أحدهما : عيب يا كابتن...خلي الراجل يكمل كلامه..عيب, صمت "دولت" و شعر بالتهديد , ليس فقط من المراقبيْن المكلفين به , بل بإفلات الندوة من يده و خسارته الموشكة, كان الدفراوي قد نهض ليقرأ قطعة أخرى من أعماله :
بقوم الصبح متضايق
و متكركب و متلخبط
في صدري فوج حمام قايم
من الخضة
بيتخبط
و عيني شباكين عسلي
عليها ستاير المهموم
ما كان بده ينام و يقـوم
يلاقي الدنيا مش إبريل..
و تبتسمي..
صفق الجمهور و صفّر البعض, هز الدفراوي رأسه في امتنان, نهض ترامادول مصفقا, و شخر "دولت" ..
من الوضع جالسا, عرف" دولت " أن البغلين جواره و خلفه قد ضبطا رد فعلهما على حركة نهوضه ,و غم أنهما أمسكا بـ "دولت" بالفعل بعد أن دوّت فعلته ورنت في سماء القاعة إلا أنهما أفلتاه حين التفت إليه الجميع, نهض"دولت " بحماس : بذمة أمك ده شعر ؟...هه...بذمة أمك يا عريض ده شعر ؟
" إنت عايز إيه ؟ " صرخ فيه عابدين بقوة , صاح دولت " عايز سيادة اللوا يرحم دين أبونا...هو إيه ..حيقرفونا وهما في الخدمة و كمان بعد المعاش...ياخي أ.." , صمت دولت فجأة , صمت و تحسس جبهته , نظر إلى كفه بهلع ثم إلى الدفراوي , الذي كان يسدد إليه مسدسه الضخم بينما يتصاعد من فوهته الدخان , الدفراوي الذي تحول وجهه فجأة إلى ما يشبه الكتلة الثابتة بانطباع جحيمي غاضب , حاجبين غليظين معقودين على أنف محتقن و شارب على فم مزموم بحزم, سقط "دولت" إلى الخلف ,أعاد الدفراوي مسدسه إلى جرابه, بدأ الجمهور المنبطح يعتدل شيئا فشيئا من تحت الكراسي , بلل"سناء" سرواله, أسبل الدفراوي جفنيه و واصل بصوت ناعم :
و تبتسمي.
صباح الخير
تفتح وردتي فيا..
وادوق في شفايفي طعم التوت..



Sunday, January 18, 2009

حضن أدبي


لم يقرر خالد مسبقا حضور الندوة الإسبوعية للأديب العملاق " جابرييل مسعد محمود " , لكنه وجد نفسه مدفوعا برغبة في تحطيم الملل أن يصطحب الشاعر " أحمد الطبّاخ " إلى هناك , جلسا في آخر صف في القاعة الواسعة , فكان " جابرييل " على المنصة و إلى جواره الناقدة " زينب ظاظا " ثم المعلّق الشامل " عبده ترامادول " , و كأنه إتفاق إلهي كان موضوع هذا الأسبوع هو "أدباء الأقاليم " , إفتتحه " ترامادول" بأنه رغم تعاطفه التام و تعاطيه مع حيثيات موقف أدباء الأقاليم أمام مركزية الوسط الأدبي المصري في "التكعيبة" , إلا أنه لا يمكنه أبدا أن يصمت أمام إصرار هؤلاء الأدباء على التواجد في أي تجمع ثقافي بالبِدَل الكاملة بنت الـمرة الـ****** _على حد تعبيره_ كأنهم ****** لا مؤاخذة يدللون على مجموعة ***** يا ولاد الـ ***** , و عند هذا الحد, و قد هب ّعبده واقفا وبدأ ينفعل و يتأزّم , كان هناك بالفعل مجموعة من الأدباء بالملابس الرسمية الكاملة يتململون في مقاعدهم , إضطر "جابرييل "للتدخل محاولا تلطيف الموقف بأنها فعلا قضية هامة تستحق المناقشة و أنه لا يجوز أن نتطرق إلى مثل هذه المسائل علانية هكذا لمراعاة السقف الثقافي للجمهور و التأويلات اللحظية التي لا تخدّم على أي أحد , و بالتالي فُتح باب النقاش , فانتبهت "زينب ظاظا " مديرة الندوة على إصبع يرتفع من الخلف , إصبع طويل بشكل مبالغ فيه , ممطوط و حاد يرتفع تدريجيا وراء الرؤوس , قطّبت "زينب "بين حاجبيها تستطلع الكائن , ثم أشارت إليه..إنت ..قول ...نهض خالد من على مقعده ببطء , تحرك إلى المنصة و وقف جوار الناقدة الضخمة , يحكى خالد أنه كان في مواجهة مشهد جحيمي , ذلك حين إقترب و رأى زينب بشكل واضح , سيدة بدينة جدا تشبه وكيل أول وزارة تعليم عتيدة ترتدي ملابس كاملة من التريكو , بونيه على الرأس و معطف و جيبة كلهم من نفس خيط التريكو الذي تسلّي نفسها أثناء الندوة بحياكته أمام الجمهور كأنها تغزل من و إلى ملابسها , لكن ذلك لم يمنعه من الإسترخاء بهدوء من رأي الأبشع و الأكثر جحيمية , واجه جمهوره ثم قال بصوت رخيم من عمق الحلق : أولا..أنا أحيي القائمين على هذه الندوة و أخص بالذكر السيد جابرييل مسعد محمود و ظاظا و كذلك عبده ترامادول , فنحن في الصعيد _ و أنا من سوهاج بالمناسبة _ ليس لدينا أي منابر كهذه نعبر فيها عن أنفسنا...نحن جئنا إلى القاهرة يا سادة لتسمعونا...جئنا لتسمعونا فلا تبخلوا علينا..كان صوته قد بدأ يتحشرج و صدره يعلو و يهبط من الإنفعال, إستند بكفه على الطاولة أمامه و مال بجذعه بينما غطت الأخرى وجهه في تأثر...ران الصمت على القاعة ...إعتدل خالد و أخذ نفسا عميقا..." أيها السادة...سأحكي لكم قصة شابٍ عاديّ...جاء من أقاصي الجنوب المرّ...فقط لتسمعوه.." ...حتى هذه اللحظة كان كل ما يفكر فيه " الطبّاخ" أن خالد و في نهاية أي مقطع صوتي رخيم سيشخر بشكل فجائي فتنتهي علاقته بجابرييل إلى الأبد , كان الأخير قد رآه داخلا مع خالد وهو الذي سعى طويلا ليميزّه جابرييل كمثابر على الحضور..لكن خالد كان قد بدأ يحكي بالفعل قصة حياته الكاملة , بكامل تفاصيلها , كأنه يسردها على سكرتيره الخاص المكلف بنسخ سيرته الذاتية ,واقفا على الطاولة , إلى جانبه ظاظا تتأمله بعمق و جابرييل يهزّ رأسه في تأثّر...إستمر خالد يحكي لمدة ساعة و نصف أشعل خلاله 5 سجائربوكس ثم توقف فجأة...أردف بعدها بصوت مبحوح : " أنا حارة سدّ...و بيت و عمره ما سكنه حدّ ".. اختنق صوته و غامت عيناه بالدموع ..قامت ظاظا... ربتت على كتفه في حنو...ألقي خالد بنفسه في حضنها الواسع فأطبقت عليه في أمومة ...تعالى صوت نشيجه من داخل حضن زينب الذي إختفى داخله تماما...نهضت القاعة كلها , حتى ترامادول... وبدأوا في التصفيق.. صفقوا طويلا.. أحمد الطباخ كان في الخلف ينظر بهلع في الجميع..خفت التصفيق تدريجيا.... ألقى خالد قصيدة طويلة ..وعند قوله" أنا نفسي أخف.. أخف..أخف " ..نهضت ظاظا مرة أخرى...أخفته في حضنها الذي ترجرج لدقيقة بفعل نشيج خالد ..قام الحضور مرة أخرى..يتزعمهم ترامادل...صفقوا طويلا ...جفف خالد دموعه عقب طلوعه من حضن ظاظا... ثم عاد إلى كرسيه...قام جابرييل و أعلن أنه يجب أن تنتهي الندوة الآن , ليس هناك أي مساحة لشحنة إضافية هذه الليلة , في طريق العودة كان خالد و الطبّاخ صامتين تماما , في شارع شامبليون توقف خالد و وجم تماما ..." خالد؟..مالك ياض؟ " إنفجر خالد في ضحك هستيري...توقف الطبّاخ و نظر إليه طويلا... ...." خالد...إنت كنت بتشتغلنا ؟ " , كان خالد يضحك و يخبّط قدميه في الأرض و يصيح : يا دين أمي...يا دين أمي.. واجهه الطبّاخ في ذهول"كنت بتشتغلنا يا خالد ؟ "... توقف خالد فجأة و أشعل سيجارة في صمت. " خالد ؟! ".استدار تاركا الطباخ ورائه ثم سار في الإتجاه المعاكس..






Tuesday, December 16, 2008

ثلاث قصص رومانسية عن بودابست




ثلاث قصص رومانسية عن "بودابست "



"بودابست".. "محمد السيد بودابست "...طالب بالفرقة النهائية بكلية الإعلام جامعة القاهرة , طيب و متفوق , يجلس الآن "بودابست" على مكتبه في غرفته في بيتهم في المعادي يذاكر شيئا مملا عن التسويق , يده على خده و الأخرى تقلب الصفحات بملل و بطء شديد..للأسف ليس هناك الكثير لنحكيه عما يفعله الآن بودابست , فهو لا يفكر في أي شئ محدد , لا يتذكر , لا يتخيل , لا تدور في ذهنه أية أفكار , لذلك يمكننا الآن الحديث براحة ضمير عن لقبه المميز , وهو أن أبا جده حين عاد من المجر قرر أن يحتفظ بالذكرى لأطول فترة ممكنة و ذلك بتسمية إبنه الأخير على اسم العاصمة : "بوادبست "..لا أحد يعلم ماذا فعل تحديدا أبو الجد هناك ليخاطر بمنح ولده تسمية كهذه..لكن الأمر مرّ بسلام و بساطة حتى الجيل الرابع , لدرجة أن أطفال العائلة كانوا يتخيلون أنه اسم عادي تماما و أنه يمكنهم أن يقابلوا أشخاصا بنفس الإسم في الطريق ..و للأسف فنحن هذه المرة لسنا بصدد حكي المواقف و الطرائف التي قابلت "بودابست " بسبب اسمه , كل ما في الأمر أن هناك 3 حكايات عن "بودابست " يجب حكيها الآن..



1



حين جلس "بودابست " على المقعد 43 جوار الممر في السوبر جيت كان همه الأول أن يعرف سريعا من سيكون إلى جواره لمدة ساعتين و نصف , في الفترة من القاهرة للإسكندرية , قليلا و طلبت منه فتاة بحجاب أزرق أن تمر إلى مقعدها رقم 44 جوار الشباك , نهض "بودابست " بكل شياكة, و ابتسم في قرارة نفسه بامتنان و تفاؤل كبير بالرحلة , الفتاة كانت مشغولة بترتيب جلستها على المقعد و تسكين حقيبة يدها الفضية الكبيرة بينما "بودابست" يتابعها بهدوء , فتاة بيضاء طويلة و ممتلئة قليلا , معقولة الجمال , مهتمة بنفسها كثيرا و تنبعث منها رائحة شامبو "lux " جريب أند روزز , أيضا إم بي ثري في الأذن و حركة واثقة بطيئة ..فلّ جدا..تحرك (السوبر جيت) فاسترخى "بودابست " بينما فتحت الفتاة كتابا , لمحه "بودابست " بطرف عينه : "الخيميائي " ..باولو كويلو , فكّر "بودابست" أنه ربما يكون ذلك بابا جيدا لفتح حوار لكنه لن يفعل ذلك الآن بالتأكيد..عليه أن ينتظر قليلا ليبدوا طبيعيا , خمس دقائق بالضبط و كان بودابست يتمتم بصوت حاول أن يجعله في أقل درجات المسموع : الخيميائي..باولو كويلو...حركت الفتاة عينيها إليه دون أن تلتفت , كان يثبت نظره على الكتاب , رفع عينيه إليها و انتظر برهة ثم ابتسم :جميلة الرواية دي...قال بنبرة هادئة و متراخية تماما..

_"آه..فعلا "

= "بس على فكرة ترجمة بهاء طاهر مش أحلى ترجمة للخيميائي "

التفتت له الفتاة و عيناها تتسعان كثيرا : "معقول!"

قشطاااااااااااات

= " آه طبعا..أفتكر باولو كويلو نفسه قال حاجة زي كده...أنا أرشحلك ترجمة دار المدى..بس هو باولو ليه شغل أهم كتير من رواياته اللي عاملة ضجة دي أصل أساسا.. "..استمر الحوار و "بودابست " لا يتقدم خطوة إلا بهدوء و تراخي شديدين تكون خلالها "داليا "_ ببراءة راقت لـ "بودابست " جدا_ فتحت له 7 ممرات لـ7 خطوات أعمق , و بعد ان تعارفا و عرفا الكليات و الإهتمامات , بدأ يسألها عن سبب زيارتها للإسكندرية..و بينما كانت "داليا " تحكي عن خالتها التي تسكن على البحر و عاداتها الغريبة كل صيف , شعر "بودابست " بأنها كانت أجمل مما يتوقع..عينان عسليتان , بشرة صافية..وصوت ببحة أنثوية حارّة...فكر أنه كان سيندم كثيرا لو سمع نصيحة أبيه عن السفر بالقطار , الآن "بودابست " و للمرة الأولى يجد نفسه منسجما لهذا الحد مع أحد..الحقيقة أنها المرة الأولى التي يجد فيها بودابست نفسه لبقا و جذابا و سلسا مع فتاة غريبة....كما أن الموضوع مش مجرد مزّة هذه المرة..يمكننا أن نقول أنه بدأ يفـ..

تحركت أمعاء "بودابست" بشكل حاد...تحركت و أصدرت صوتا بدا له مزعجا تماما...و بغض النظر عن كونه كان متوترا كشأن أي شاب يعالج مزّة تروقه جدا, إلا أنه أبدا أبدا ليس وقت القولون العصبي..تقلص وجه "بودابست" قليلا حين شعر بقولونه ينقبض كماسورة صلب في جنبه الأيمن..لم تلاحظ " داليا"..فواصل الإبتسام لها و الإيماء دون تركيز حقيقي في ما تحكيه ...حاول أن ينشغل بالحديث مع " داليا " عن اللهجة الإسكندرانية إلا أن الأمر كان قد بدأ يخرج عن السيطرة...تأوه "بودابست " بشكل خافت و مال قليلا إلى الأمام..." محمد!..مالك ؟!"..." لامفيش...بطني فجأة وجعتني.." ..."إنت أكلت حاجة قبل ما تركب "...اتسعت حدقتا "بودابست "على نحو مفاجئ ثم أفرغ معدته في ممر السوبر جيت..


***


للحظة كان كل ما يفكر فيه"بودابست " هو كيف سيتم تنظيف الممر...هو نفسه استغرب من أن ينشغل بشئ كهذا في لحظة كهذي...كان مائلا على مسند الكرسي إلى الأرض...بينما اندفع الركاب على الكرسي المقابل ناحية الشباك بسرعة..بدأ الركاب في الإقتراب و مساعدة "بودابست " الذي كان قد عاد إلى وضعه الأول وهو يتنفس بصعوبة..قدموا له المناديل الورقية و الماء و حبوب مسكنة متفادين البركة الكبيرة في منتصف الممر..تقريبا سمع "بودابست" السائق يصيح بقرف أنه سيتوقف في أقرب مكان لتنظيف الممر فعاد الجميع لمقاعدهم ..و تخيل أن " داليا" قالت شيئا ما لم يتبينه ...لم تكن لديه أي خطط يمكنه ان ينفذها لتفادي الأمر الذي يبدو طبيعيا جدا و إنسانيا تماما ... أيضا قولونه الحيوان لم يكن قد استرخى بعد..انقبض مرة أخرى فقام "بودابست " مندفعا إلى حمام السوبر جيت ...دخل و أغلق الباب بقوة...بعدها سمع ركاب "السوبر جيت" بوضوح قرقعات متتالية صغيرة أعقبها زئير أجش طويل تلاشى تدريجيا....كيف إذن سيخرج "بودابست" ؟..خرج "بودابست"...عاد إلى مقعده وهو يتخيل ابتسامات مكبوتة و ضحكات هستيرية تتكثف و على وشك الانفجار في أي لحظة..جلس "بودابست " دون أن ينظر لـ "داليا "...مال و سند رأسه على مسند الكرسي الذي أمامه و أغلق عينيه تماما إلى نهاية الطريق...نزل و شد حقيبته ...فقط شد حقيبته و ابتعد بأقصى سرعة...



2



فتح بودابست الباب ثم نزل , و في الطريق إلى مكتبة "مبارك " العامة كان بودابست يفكر في أغنية حسام حبيب الجديدة التي لا يذكر منها سوى الرتم الراقص الذي ظل يردده في رأسه إلى نهاية الطريق , حين وصل كانت تنتظره هناك " ريهام" , طالبة الطب الوقورة التي تفضل لقاءا وقورا في مكتبة عامة بدلا من حديقة أو كافيه , بودابست يشعر بتحقيق الذات لوصوله إلى ريهام , ففضلا عن كونها طالبة طب , فهي بنت صعبة بشكل لا يصدق , شهران كاملان قضاهما بودابست للوصول إلى ريهام التي كان يراها يوميا تسبقه إلى محطة الميكروباص صباحا في الطريق إلى الجامعة , كانت لا تلتفت حولها كثيرا أو تتأمل الشوارع , فقط تسير بسرعة و ثبات , فيشعر " بودابست" بالذنب حين يتذكر أن مؤخرتها الممتلئة كانت شديدة الجاذبية له أكثر من أي شئ آخر , هل يلوّث ذلك _ في ذهنه على الأقل_ حقيقة علاقتهما ؟..هل يتناقض ذلك مع أن تكون قصتهما قصة حب عظيمة ؟ , هل يحب بودابست المؤخرات الممتلئة أكثر من أي شئ آخر ؟ , ريهام جميلة فعلا , لكن هل كان ذلك وحده كافيا ؟ , كان بودابست جالسا أمام ريهام في قاعة المكتبة , و بينما كانت تبتسم له في ود , كان بودابست يتأملها مستغرقا في التفكير تماما : هل يحب المؤخرات الممتلئة عموما , أم مؤخرات الفتيات الوقورات الممتلئة ؟ , الفرق كبير , الفتيات الوقورات لهن جاذبية خاصة فيما يعتقد بودابست , و لأنه اكتشف ذلك فجأة فقد راودته شكوك عنيفة بشأن علاقته بريهام..إذن..بودابست سعى لمدة شهرين للوصول إلى ريهام عن طريق الإبتسام و الدفع في الميكروباص و الذهاب إلى كلية الطب و المرمطة ورائها في كل مكان , فقط لأنه يحب مؤخرات الفتيات الوقورات الممتلئة , فتحا كتابين و اندمجا في القراءة , تذكر رتم أغنية حسام حبيب مرة أخرى فشعر أنه يريد أن يقول لريهام كلاما جميلا , ابتسم و فكر أن يهمس لها في خفوت عبر الطاولة...لكنه شعر بغصة حين فكّر أنه الآن في علاقة هشة تماما, علاقة مبنية على فكرة تافهة عن علاقته البصرية بالمؤخرات , كيف لا يستطيع بودابست بعد 23 عاما ألا يحدد الأشياء التي يفضلها في الأخرين بوضوح و يفصلها بشكل كامل عن أي شئ آخر ؟..تفكير بهذه الطريقة سابق على قراره بالوصول لريهام كان سيحميه من خوض علاقة غير محمية بهذا الشكل..تراجع عن فكرة الهمس عبر الطاولة , شعر بالأسف تجاه ريهام , البنت تعلقت به , صارت تطلب منه الخروج للمكتبات و حفلات ساقية الصاوي , تأمّل حجابها التركواز و هي تقرأ في انهماك و شعر بالأسف...


***


قرر "بودابست " أن يعرف تحديدا ما هي خياراته المفضلة بخصوص كل شئ..ذلك أنه إرتجف فعلا من فكرة كونه لم يختر في حياته مطلقا , أو كان يختار بشكل عشوائي و دون وضوح كاف إن كان هذا هو إختياره المفضل أم أقرب الإختيارات إليه..لذلك و بعد مرور إسبوعين من إنهاء علاقته بريهام , بدأ بودابست مرحلة جديدة , بدأ (يسكتشف ذاته) كما عبّر عن الموضوع , ولأن شيئا كهذا كان يستلزم تضحيات معينة , فقد قرر أن يترك ريهام , لم يكن هناك داع أن يخدعها أكثر من ذلك , اكتشف بودابست فعلا أن مؤخرات الفتيات الوقورات الممتئلة دائما ما كانت تجذبه بشكل استثنائي , و أنه حين صادف ريهام كانت أقرب فرصة له من نفس النوع , لا لأنها فريدة من نوعها مثلا أو one of a kind , من المقزز أصلا أن تدخل حياة أحدهم لأنك تفضل مؤخرته..حتى لو اكتشفت بعد ذلك أنه شخص جدير بالحب مثل "ريهام "..علاقة مهمة لايمكن أن تبدأ أبدا بهذا الشكل..

و على سبيل المثال ,كانت قائمة بودابست لما يفضله في الأنثى تضم :

لون العيون الأزرق , خاصة الـ ocean blue , الشفاه الممتلئة , العيون الواسعة , الأنف الدقيق , الشعر الطويل , الخصر الضيق , المؤخرات الممتلئة , السيقان الرشيقة الممتلئة قليلا , الخدود الكبيرة , الصوت الدافئ , النبرة الطفولية , و أخيرا وليس آخرا , الوقار النسبي..

قوائم مثل هذه أعدّها بودابست بعناية فيما يتعلق بأشياء كثيرة , كان يراقب نفسه يوميا , يبذل مجهودا في محاولة التركيز على الذي يفضله في الشئ , لا الشئ نفسه , الموسيقى , السينما , الأصدقاء , السيارات , السفر , الجنس , الموبايل , الشِّعر ..إلخ

كان على وشك إنهاء قوائمه الكاملة عن خياراته المفضلة بخصوص كل شئ تقريبا, منحه ذلك ثقة ضخمة في قراراته , خاصة فيما تعلق بريهام , التي كانت خطوبتها على زميل لها في الكلية منذ أيام , كان يشعر بالسلام النفسي العميق , حتى أنه كان يتحدث بثبات تام مع "عليوة الفيلسوف " , أنتيمه و مرشده الروحي , بشأن نظريته الجديدة في إشكالية الإختيار وهما يدخنان مارلبورو أبيض مستندين إلى سيارة جيب شيروكي في شارع الدقي , كان الحديث سلسا تماما , و يتعلق بخدعة أن تفضّل الشئ لا لذاته بل لتفصيلة هامشية فيه كانت ربما أقوى من مقاومتك , هزّ "عليوة " رأسه متفهّما ثم قال أنه على العكس ربما تحب طريقة إحداهن في الكلام مثلا ثم تكتشف بعد ذلك أنها إنسانة جديرة بالحب , ذلك لا يقلل أبدا من عظمة و أصالة قصة حب كهذي , فسقطت السيجارة فجأة من يد "بودابست " ...



3



لا يعرف "بودابست " تحديدا متى رأى "نيللي " للمرة الأولى , كل ما يتذكّره حينها هو أن ذهنه توقّف تماما عن العمل لمدة ربع ساعة , فوقف ثابتا يتأملها من بعيد محاولا أن يفهم لمَ تروق له هذه الفتاة إلى هذا الحدّ ..

نيللي...زميلته التي يكتشف وجودها معه في نفس الكلية بعد ثلاث سنوات كاملة , بياض ثلجي , عينان سوداوان بكثافة , ملامح دقيقة حادة ثم شعر أسود فاحم طويل على جسد نحيل متناسق و ممتلئ بالضبط حيث يجب أن يكون , ومن يومها تقريبا ينزل "بودابست" من بيتهم وهو يفكر هل سيرى اليوم "نيللي"في الكلية أم لا ...

عرف إسمها حين كان في إحدى نوبات المراقبة التي تستغرق غالبا طوال فترة تواجد "نيللي" في الكلية , كان يجلس بالقرب من شلتها القميئة التي تتكون من عدد لا بأس به من خريجي الـIG و الأميريكان دبلومة و مدارس اللغات , لكنه تحمّل مراقبة مجموعة مماثلة يوميا من أجل "نيللي " الساهية عن كل ما حولها غالب الوقت , قليلة الكلام , عصبية قليلا , يرافقها شاب ضخم غير وسيم على الإطلاق سبّب لبودابست كوابيس ليلية في محاولة تفسير وجوده الدائم إلى جوار "نيللي" , إلى أن إستراح " بودابست " أخيرا إلى تفسير طبقي وجيه من "عليوة ",عن أنه يشيع في مثل هذه الطبقات الأنتمة البريئة بين الجنسين دون الدخول في علاقات حقيقية .

اكتشف "بودابست " أنه يفكر في "نيللي " طوال الوقت..يستمتع بتخيّل ماذا قد تكون "نيللي" تفعله الآن ...يتخيّل شكل حجرتها..كيف تقضي أوقاتها في البيت ..أين تذهب مساءا و في الأجازات , لم يكن ممكنا له أن يراقبها إلى البيت لأنها تكون في سيارتها الهيونداي ماتريكس أو سيارة أحد الأصدقاء بعد الكلية , ثلاثة شهور إلى الآن و "بودابست " يفكر كيف يمكن أن يصل لـ "نيللي "...الأمر معقد جدا و يحتاج إلى تأنّي لأنه لن يحتمل أبدا أن يفقد فرصة واحدة وحيدة مع "نيللي "..كل الخيوط و البنات و الأصدقاء الذين صنّفهم كوسائل لمعرفة أي شئ عنها لم تؤدِ إلى خطة واضحة واحدة..البنت تنتمي إلى طبقة مغلقة و محمية تماما..

ما كان يدهش "بودابست " فعلا أنه قبلا لم يكن ليصدق أن يتعلق بأي أحد إلى هذه الدرجة..طوال حياته كان يعتقد أنه شخص بلا أي ولاءات حقيقية ..لا يحب فعلا أو يكره فعلا..لا يصادق فعلا أو يعادي أي أحد فعلا..حماه ذلك من مغبة التورّط في أشياء كثيرة..لكن ها هو الآن متورط إلى النهاية في التعلّق بفتاة لا يعرف عنها أي شئ..يرتّب يومه كاملا في الكلية على إحتمالات ظهورها فجأة هنا أو هناك..يفكر بقية اليوم في سيناريوهات و خطط أو حتى كوارث طبيعية تمنحه فرصة واحدة يتحدث فيها مع "نيللي "..لا ينسى الفرصة الوحيدة التي إقترب فيها منها أكثر من أي مرة أخرى , لحظة الخروج من المدرج حين تأخرت قليلا عن الشلة لتتحدث في الموبايل , أقترب منها "بودابست" ..كانت تهمس أمامه في الموبايل بينما استغرق في تأمل شعرها الأسود الفاحم الطويل المنسدل أمامه مباشرة...و بشكل احترافي تام , مد أنامله على آخرها دون أن يحرك ذراعه فلمس طرف شعرها وهو يمر ورائها ليخرج من الباب...هل التفتت "نيللي " ؟..بقية اليوم...كان "بودابست " يبحث في طرف أصابعه عن رائحة شعر "نيللي"..

و رغم محاولات "بودابست " الحقيقية لتجاهل الأمر أو نسيانه بالكلية , إلا أنه تأكّد أنه يحب هذه الفتاة فعلا..كل أغاني الحب الحزينة البلهاء , بدت له عميقة و موجعة ..شعوره بقرب إنتهاء الترم الأول للكلية دون أن يصل لأي شئ بخصوص "نيللي " أنهكه تماما..فقد تركيزه على المذاكرة..شحب بشكل واضح و بدا له أنه سيبدأ في التألمّ قريبا...لم يكد "بودابست" ينتبه لذلك حتى شعر فعلا بوحشة غير محدودة بينما كان مع "عليوة" في سيارته الفيات 128...كان "عليوة" يدير شريطا تغني فيه فيروز قصيدة إبن الفارض :

قَلْبي يُحدِّثُني بأنّكَ مُتْلِفِي..رُوحي فِدَاك عَرفْتِ أمْ لمَ تَعْرفِ

تمالك "بودابست " نفسه للحظات...ثم انفجر في البكاء..


***


كان عنيفا على "عليوة " أن يرى أنتيمه يتعذب بهذا الشكل , بدءا من البكاء في الـ 128 إلى الشرود المستمر و المزاج غير المضبوط لأيام , هذا غير الحكي المتواصل عن " الملاك الثلجيّ " لساعات متضمنة أحلامه الليلية المتصلة بشأنها , حكى له ذات مرة كيف أن " نيللي " كانت جالسة أمام قاعة المحاضرات وحدها تقريبا , شاردة كالعادة , و فجأة , و على نحو غير متوقع تماما , ابتسمت ببطء دون أن تلتفت, كأنها تذكرت بغتة حدثا قديما مبهجا , يحكي بودابست , كأن الله خلق ملكا صغيرا خصيصا لينزل من السماء السابغة و يقبّل " بودابست " في شفتيه , الخلاصة , " بودابست" كان على وشك أن يصبح شاعرا من فرط المحبة..

لذلك فـ " عليوة" , الذي برر أنه , أي الحب لدرجة الوله , أمر طبيعي يحدث إحصائيا لواحد كل عدة آلاف , قرر أن الأمر يستلزم تضحية على مستوى الحدث , و وافق على أن يتتبع " بودا " بسيارته الـ 128 المزّة "نيللي " في طريق عودتها إلى البيت , انتظرا طويلا حتى انتهت من الثرثرة مع فتاة أميريكان دبلوما ذات شعر منفوش ثم قفزت إلى الهيونداي ماتريكس , انطلقا ورائها بينما يستمعان إلى إعلان "بيريل " الجديد على إذاعة نجوم إف إم.." إسترجل..و إشرب بيريل "...نظر "عليوة "بطرف عنيه إلى " بودابست " الذي كان ينظر هو الآخر بطرف عينه إلى " عليوة " ليرى إن كان قد أثار الإعلان في ذهنه أي إشارات , و بسرعة نظر كل منهما أمامه حيث كانت "نيللي " تنحرف يمينا بعد النزول من كوبري الجامعة.." تفتكر ساكنة فين يا عليوة ؟ "..قال " بودا " , كان " عليوة " يعافر كي لا تغيب الهيونداي ماتريكس الحمراء عن نظره , و في منتصف شارع " عبد العزيز آل سعود " توقفت "نيللي فجأة بينما كان يعبر أمامها شاب و فتاة بشكل مفاجيء..

ما حدث كان كالتالي : " عليوة" التفت إلى " بودا "..وهو يفكّر أنه لابد أن يجيب بشكل ما ذكي..لكنه لم يجب و التفت أمامه حين شعر أن شيء ما غريب يحدث أمامه...اتسعت عينا "بودا " و فرد يديه أمامه.."نيللي " نظرت بقلق في المرآة الوسطى..


***


بالطبع كان "بودا" يصرخ و إن لم يصدر عنه أي أصوات , فقط فتح فمه عن آخره وهو يشاهد المشهد مقطّعا إلى جزأين..الـ128 ترتطم بعنف بمؤخرة الهيونداي ماتريكس..الهيونداي ماتريكس تندفع إلى الأمام لترتطم بتاكسي شاهين..

صرخ " عليوة " , دون أي تقدير للموقف , : يا بنت الكلاب...ثم فتح الباب بغضب و نزل...نزل بودابست بسرعة..كانت نيللي قد نزلت بالفعل .." إنت إيه ؟.. أعمي؟..مش شايفني وقفت عشان أعدّيهم "..."بقولك إيه متغلطيش لأطلع ميتين أهلك إنتي اللي وقفتي فجأة "..خمّن "بودا" في صمت أن الـ 128 ربما تحتل مكانة ضخمة في نفس "عليوة "..لذلك وثب بينهما محاولا أن يهدأ أنتيمه الهائج و يذكره في نفس الوقت بالغاية الأساسية من الموضوع : إهدي بس يا "نيللي".. إستنى بس يا عليوة.." إوعى يا عم إنت كمان دي بتغلط "..." و أطلّع دين أمك كمان "...قالت "نيللي" بثقة تامة وهي تلوّح بعصا كهربائية ضخمة سحبتها بسرعة من التابلوه..نظر الاثنين إلى العصا بفزع..تماسك " عليوة" نفسه بصعوبة و شوّح قائلا : "إنت فاكراني حخاف..** أمك"...صاحت "نيللي" ببلاغة : "***ين أمك " , تجمّع المارة و بدأوا في فض الاشتباك..عافر " عليوة " محاولا إثبات أنه لا يخاف من العصا الكهربائية , بينما انطلقت "نيللي" في سرد تاريخ عائلته الجنسي , وصل "عليوة" أمام نيللي مباشرة , هو نفسه فوجئ بذلك..كان من المفترض أن يحول بينهما الناس إلى النهاية..لذلك صمتَ فجأة عن السباب و نظر بارتباك إلى العصا في يد نيللي.. "نيللي" تراجعت خطوة ثم سددت العصا مباشرة إلى صدره ..في هذه الأثناء , بينما كان "عليوة"ينتفض على الأسفلت و الناس يهرولون في عدة اتجاهات...اندفع "بودابست" و واحد أو اثنان قريبان منه يدفعانه إلى الوراء .." جرى إيه يا بنت الـ ****...إنتِ مفيش حدّ عارف يلمّك ولا إيه .."





Monday, November 24, 2008

i understand







على الكنبة كان " i understand " , بينما كنت أفكر بصوت عال: ريم شكلها حتطلع ديني.., فأجاب على الفور : جرّب تشتريلها هدية صغيرة ..مع كارت فيه إعتذار..إزّاي مفكرتش تعمل كده ؟ , توقفت يدي بماكينة الحلاقة أمام وجهي و التفت جهة الصالة..كان " i understand " يضيئ بشكل متتابع , تابع بعد لحظة بنفس صوته الرزين و المرح : رأيي كمان إنك تعدّي النهاردة على سيلانترو..باين من صوتك إنك مشدود..



***



الآن..

i understand , أحدث منتج إجتماعي رقمي , يمكنه بعد فترة مذهلة أن يصبح صديقك الشخصي و الحميم , فقط تحكي له قليلا عن الموضوعات التي ترغب في الحديث بشأنها , بعدها , فقط اذكر أي شئ يتعلق بالموضوع بينما i understand بالجوار..ثم استمتع ..!



***




وضعت i understand بجواري على مقعد السيارة , لم أكن أعتقد أنه سيبدأ العمل معي بهذه السرعة , اشتريته بالأمس بناء على نصيحة " ربيع " , ألحّ علي كثيرا لتجربته , فانطلقت في طريق العودة إلى البيت أحكي لجهاز أزرق داكن يشبه الموبايل عن كل تفاصيل حياتي الشخصية كما أوصاني "ربيع " أن أفعل في أقرب وقت , لذا أعتقد أن ما حدث هذا الصباح أثناء حلاقتي لذقني و ما استمر بعدها يثبت أنني فعلا كنت أحتاجه و أنني سأحب هذا الجهاز كثيرا..

في الشركة , قابلت "ربيع " ..

_ المشكلة بس إني حاسس إني بتكلم مع كلارك جيبل

قلت مبتسما

انطلق "ربيع" وهو يتناول مني الجهاز :

يابني طول عمرك عدو التكنولوجيا..فيه زراير هنا تختار منها تون الصوت و لهجته و نبرته ..تحب تدردش مع منى زكي ؟

_ طيب لو الجهاز ده وقع في إيد واحد زي حضرتك مثلا ؟

= ولا حعرف أي حاجة..الجهاز ممكن يشتمني و يفضحني بإنذار بن كلب شنيع لو حاولت أعرف منه أسرارك أو قلدت صوتك..حعلمك إزاي تظبطه ..

_ بس لذيذ

_ جدا !

يعرف " ربيع " أنني فعلا عدو لكافة المنتجات الإجتماعية الرقمية , ابتداءا من الـ face book إلى الموبايل..الأبواق الموصلّة بأسلاك إلى عينك و أذنك و ذهنك تذيع و تقترح و تعلن للمتحكمين في هذه الشبكات..أنا أعرف جيدا كخبير في الإعلان معنى أن تتعرض يوميا إلى ثلاثة أشكال من إعلان عن " عصير الأرز " , يوما ما ستشتريه و أنت مقتنع تماما أنه شئ طبيعي جدا أن تفعل ذلك بينما تتجول في السوبر ماركت..هناك ذهنيات مضادة للإعلان..و هذه تحتاج إلى جهود خاصة..وهناك ذهنيات بسيطة هي 90 % من سكان الكوكب ..أما الحقيقة الأكيدة هو أنه ليس هناك وجود للإنسان نقي التأثّر من الإعلان ..

نزلت من الشركة لأشتري هدية لريم ثم أتجول قليلا و أعود للشركة مرة أخرى..طلبت ريم مرة أخرى فلم تردّ..

_ ممكن تشتري لريم كتاب " إله الأشياء الصغيرة " لآرونداتي روي ..

= بص يا ريس..ممكن بعد إذنك ما تقترحش عليا إلا لما أطلب منك...

_ براحتك...زي ما تحب...بس المهم دلوقتي "ريم "..

= على رأيك..

_ " أسامة " إحنا دلوقتي فين ؟

= في شارع جامعة الدول في المهندسين في..

_ أنا مش سايح يا " أسامة "..! أنا عارف الشارع كويس..

= هههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه...إنت مين اللي مطوّرك يابني..

_ أعتقد إننا دلوقتي لازم نفكّر في "ريم "...ححكيلك بالتفصيل في وقت تكون مستعد لسماع قصة حياتي المملة. .اطلع على سيلانترو جامعة الدول بقى عشان شكلك محتاج تسترخي و أنا كمان عايز كباية شاي ..

= طيب و "ريم " يا نجم ؟

_ على فكرة إنت ممكن تختار لي إسم بدل تعبيراتك اللطيفة دي

= حسميك "سوسن"

_ أوك ...مش بطال..

= طيب يا "سوسن" قوللي ...أشتري إيه لـ"ريم "

_ في سيلانترو حنفكر مع بعض بهدوء....



***




حكيتُ لـ i understand قصتي الكاملة مع عملي في الميديا , أنا لا أكره مهنتي على عكس ما يعتقد زملائي , لست ثوريا فيما يتعلق بالدعاية و الإعلان , ولا أدّعي أني أبيع أوهام أو أكاذيب لأرضي عملائي , أنا أصلا من طبقة تعتبر أفضل مهنة تمثلها هي الدعاية و الإعلان , شاب لطيف من الإسكندرية , من عائلة كبيرة و مرتاحة , قرر أن يدرس و يعيش مستقلا في شقة مصر , و لذلك فأنا موديل جاهز للإعلان عن أي شئ , يعيش بأسلوب يروّج لمتع و سلع كثيرة في شكلها الأكثر سينمائية , ليس لدي مشاكل مع ذلك , فقط أنا أشعر أن هذا المجال يقحمك في مجتمع يحوّل أساليب عمله إلى أساليب تعامل يومي , كيف تبيع خلال حديثك الصباحي مع زميلك في العمل ؟ , كيف تبيع له فكرة أنك خلقت لتكون director creative أو copywriter , حتى ولو لم يكن هذا الزميل ذا صلاحيات أو علاقات ..فقط بِع ْ , قبل أن يكون هناك ثمّة شئ لم تبعه فاتتك فرصة الكسب منه..

_ اشتري لـ "ريم " كتاب أو أسطوانة موسيقى..

= تفتكر إني بحب "ريم " ؟

_ السؤال ده بيسأله أي راجل لنفسه بعد شهرين من أي علاقة بأي بنت سواء بيحبها أو مبيحبهاش..

= جاوب من غير فلسفة و حياة أمك..

- حتى لو مابتحبهاش..تقدر تعيش من غيرها..؟

= والله أنا فعلا عايش من غيرها..بس حاسس إني عايز أعيش معاها..مش عارف عايز ده يستمر بقية حياتي ولا لأ...ممكن لو إتجوزنا كل حاجة تتغير..

- طيب أنا بعد إذنك محتاج أرتاح شوية , حطني في الشاحن , قربت أفصل من التعب , حنكمل كلامنا بعدين.

شعرت بإفتقاده مسبقا , أغلقته لأني نسيت الشاحن في البيت..



***




استهلكت كل طاقتي في حملة شركة موبايل جديدة تستعد للمنافسة في السوق , في البيت وضعت "
سوسن " في الشاحن , ابتسمت في إرهاق من اسمه الجديد , فتحته فتثاءب وهو يقول: إيه أخبار يا أُسّ...عملت إيه ؟...

- ماجبتش هدية لـ "ريم " رجعت على الشغل عشان أخلّص اللي ورايا...قابلت في سيلانترو " داليا " زميلتي في الجامعة و قعدنا نرغي لحد ما الوقت سرقنا..

= حبيب قلبي يا "أسامة " والله..

- بقولك إيه..دي مجرد زميلة

= تشوفليش إسم الـ i understand بتاعها إيه ؟..

_ هههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه..و إيش عرفك إنه حيبقى بنت...

= على رأيك..غالبا حتكون عاملاه بصوت أحمد الفيشاوي..

انشغلت في البحث على الإنترنت عن " i understand " على سبيل التسلية..

= شكلك مبسوط إنك كلمت " داليا " ؟

التفت إليه و أنا مشتت الذهن تماما ,صمتّ للحظة..

- جدا..بس ده ملوش أي معنى

= ده حقيقي..

- هو أنا خاين يا "سوسن " عشان بكون مستمتع لما بتخيل إني أنا و داليا مع بعض في الـ..؟

= عادي جدا...فانتازي إز أن أوذر وورلد يا " أسامة"..

- يا جامد ..

= بكرة عدّي على الشروق في وسط البلد وهات الكتاب لـ"ريم "يا أسامة و ريّح نفسك..إنت مش حترتاح إلا لما تتصالح إنت و ريم..

الجهاز انفجر كالوباء في جميع أنحاء العالم رغم ثمنه المرتفع نسبيا , عدة تيمات للدعاية خلقت له اسمه الشائع.." i..u " أو الأكثر إتقانا " i..you "..تخيّل أن في جيبك مستشار لحظي و ظريف و ذكي و كتوم , تختار له شخصيته و صوته و خبراته التي تحتاجها و يطوّر نفسه بشأنها , يسمع و يقترح و ينصح و يذكّر و يبحث...مطوّر بشكل يجعل الحديث معه غير متوقع أو غير آلي..تحت شعار ترويجي ضخم : " يغيّر حياتك..حتى قبل أن تلاحظ "...

تثاءبت..

_ أنا عايز أنام..تصبح على خير

= و إنت من أهله...تحب أفكرك بكرة بحاجة ؟

أغلقته و دخلت لأنام..




***




" داليا " من البشر القادرين على الحديث عن " I you " و "Nokia N90 " و لابتوب " HP " لمدد تزيد عن النصف ساعة , ورغم أني أعرف أنها تفعل ذلك كطقس حميمي تماما , إلا أن مثل هذه الحالات تجعلني أبدأ في الشعور بالرغبة الضاغطة في التهكم ..كانت في المرة السابقة قد قالت شيئا بخصوص شركة دعاية خاصة تفكر في إنشائها , لذلك ربما بدا لها مقنعا جدا أننا لابد نلتقي في سيلانترو لنتحدث عن بعض التفاصيل , كما أخبرتها في الموبايل , , دون أن يبدو أننا مثلا نريد قضاء وقت لطيف , أو نمهّد ربما لعلاقة ما..

كان على الطاولة المقابلة لنا شابة أنيقة تتحدث إلى الـ "I you " الخاص بها عبر سماعة أذن أكثر أناقة و بملامح ثابتة تماما , بينما بدأت داليا تسرد لي تجربتها مع " مي مِنْتو " , الـ " I you " الخاص بها , الذي جعلته يتحدث معها بالإنجليزية بصوت " جورج كولوني " ,و كيف سمعت أكثر من مرة الإنذار الذي اختارته لمحاولات التلصص , يصرخ فيه كولوني بحنق : Son of a bitch , و ذلك في كل مرة كانت تترك جهازها مع صديقة لها في كافيه أو في البيت أو في العمل..

أخرجت " سوسن " من جيبي و أنا أفكر أنه الآن الوقت المثالي للعبث المطلق , فتحته بينما تتابعني " داليا " في فضول...

_ "سوسن " باشا...داليا بتسلم عليكم..هي معايا دلوقتي في سيلانترو جامعة الدول..تفتكر لو حبيت أجيب لها هدية حتكون إيه ؟

= إزيك يا أسامة.سلملي عليها..أفتكر إنها لازم تكون هدية بسيطة مناسبة لصداقة جديدة أو علاقة زمالة قديمة..

- زي إيه يا عم الفيلسوف..

ضحكت داليا بينما تأخرت إجابة " سوسن " قليلا..

= ممكن تجيب جراب " i you " الجديد من " virgin " ميجا ستور ..

_ أها

= و متنساش الأهم...تجيب هدية " ريم "..

تجمدت " داليا " , ظللت أنظر لـ "سوسن" قليلا , و رغم أني توقعت حدوث شئ مماثل , فقد كنت أفكر فيما يجب أن أقوله الآن و فورا..

قلت و أنا أغلقه و أضعه في جيبي متصنعا الحرج : جهاز سخيف..

ردّت "داليا" بصوت حاولتْ قدر الإمكان أن يبدو لا مباليا : لا عادي.."ريم" أخبارها إيه صحيح

_ بقالنا كتير ما شفناش بعض..

العلاقات الخفيفة , التي لا تعوّل عليها كثيرا , تسمح لك بأن تجرّب أشياء كثيرة بالفعل , تراجع تكتيكاتك و تقيّمها دون أن تقلق من خسائر حقيقية , عبارتي الأخيرة لداليا كانت تطرح دلالتين:

_ أنا الآن غير مرتبط..الطريق متفوح أمامك عزيزتي المزّة

_ قد أكون حزينا لأنني لم أر "ريم " منذ فترة..لكنني لا أسعى لأن أراها فعليا..

" بتفكر تجيب لها هدية زي إيه ؟ " .. عقدت ساعديها أمام صدرها و وضعت ساقا على الأخرى.."مفيش.. الموضوع إني كنت فتحت الموضوع مرة مع ( سوسن ) من فترة طويلة "..صمتنا للحظة أمسكت بعدها بـ "مي مِنْتو " و أستأذنتني للذهاب إلى الحمام..عندما عادت إتفقنا على أن نلتقي الخميس القادم في نفس المكان..



***




_ أقدر أعرف إيه اللي هببته في سيلانترو ده ؟

= هببت إيه ؟

_ هو إيه اللي متنساش الأهم..مالك إنت إيه الأهم ؟

= إنت مش قلت " داليا " مجرد زميلة..

_ طيب إيه اللي يجيب سيرة "ريم " يابني آدم إنت في حوار زي ده

= كنت بفكرك بهدية "ريم"..

كنت مبتسما من البداية..

_ عايز أسمع موسيقى طيب...عندك إيه ؟

= جميع إصدارات البشرية من بداية التاريخ إلى يوم 5 إبريل 2008 , ممكن تعمل update من لوحة التحكم , أجيبلك اللي نزل بعد كده و سامبلز من الشرايط اللي لسه حتنزل..

-طيب إعمل دلوقتي Update و شغلي جاز و بعدين أغاني لشيرين و بعدين شوية موسيقى كلاسيك ..

بدأ " سوسن " في التنفيذ ...

أضاء فجأة

= فيه حفلة جاز قريب في قصر محمد علي في المنيل ممكن تبـ..

_ ممكن ما تبقاش تعمل الحركة دي تاني..

= طيب

سرحتُ في التعديلات التي طلبها مني "ربيع " على الحملة الأخيرة , أخبرته أننا لابد ان نتناقش لأنه لا يمكن أن أعمل على الأفكار بعد تعديلها إلى ما يشبه فقرة نكت قديمة ..

_سوسن...عايز نشرة أخبار دولية..

لم يستجب..

_ سوسن

= أردّ؟

_ أيوه

= حتسمع أخبار دولية دلوقتي من الـ CNN و الـ BBC

انطلق سوسن بصوته الرزين بينما انشغلت في نفس الموضوع...

قاطعته :

- تفتكر إنه شئ كويس تشتغل مع صاحبك

=كل شئ في الدنيا نسبي..

_ "ربيع " بقى بيشتغل في القسم اللي بيراقب جودة كل شئ في الشركة و تطويرها..كتير جدا بسمع منه تعليقات على شغلي منها تعليقات سلبية وده مش مريح ليا بصراحة...يمكن عشان إحنا أصحاب و مش عايز حاجة تبوّظ الدنيا..

= إنت محترف..إشتغل بشكل إحترافي ومتخليش أفكار شخصية تعطّلك..فيه كتاب جديد في علم الإدارة لأندي هوبكنز إسمه " كيف تدير مديرك" ...كتاب هايل..حتلاقيه في.

- أنا نازل أشتري حاجة أكلها ...عايز حاجة ؟

= أيوه...شيكولاتة كيت كات

شيكولاتة كيت كات هي النوع المفضّل لي..



***



أغلقت باب السيارة بقوة , تشاجرت اليوم مع "ربيع " بشأن تعديلات قسم البحث و التطوير غير المحتملة تماما عن أفكاري لحملة شركة المحمول , "ريم " لا تزال , بعد الكتاب و الكارت , تعاقبني و لا تردّ على مكالماتي..زفرت بقوة و أنا أفكر في أشياء سيئة كثيرة بخصوص بشر كثيرين..

- معلش يا " أسامة "

= عايز إيه إنت راخر..

تحركت بالسيارة في سرعة إلى أي مكان..
- معلش..مفيش حاجة مضمونة 100 %...ممكن تجرب إنك..

= بقولك إيه ..إطلع من نافوخ أهلي و بطل النشرة بتاعتك دي..سمعنا إقتراحاتك و مطلعناش بحاجة..

- مش صحي إنك تعتمد على إقتراحات صوت واحد بس ...زي ما قلت لك..مفيش رأي مضمـ..

= ممكن تخرس..

- إنت ليه بتكلمني كده ؟

= أكلمك زي ما أنا عايز يا روح أمك..

- أنا مش شغال عندك عشان تكلمني كده..

= !!!!

تناولته و ألقيته مباشرة من الشباك...



***



دخلت البيت , ألقيت بكل ما في يدي على الكنبة , جلست على اللاب توب أراجع تعليقات قسم الزفت و التزفيت على أفكاري..." عايز أشرب شاي "...قلت و أنا أقوم من على الكنبة..

- ممكن تروح سيلانترو المعادي...قريب من بيتك..

كنت قد توقفت على بُعد شارعين بعد أن ألقيته , عدت و ألتقطته من الشارع , كان لا يزال سليما..

=قال مش شغّال عندك قال..

قلت بخيبة أمل و مزاج سئ تماما ...

أضاء مرة أخرى...

_ طيب ليه كنت بتسمع كلامي ؟

قالها في خفوت و بصوت تعيس..

= عشان أنا كنت عايز أسمع كلامك..إنما تستفزني وقت ما أكون متضايق يبقى ينعل ميتين اللي جاب أمك..

- إحنا أصحاب يا "أسامة"...لو عايز يبقى بينا علاقة صحية...يبقى بلاش تعاملني كده..

= أما حاجة بنت وسخة صحيح.. علاقة صحية ؟! ... يابني إنت مجرد آلة.. .حاشرينك تفاصيل منتجات و إقتراحات و أسماء ماركات أكيد بتموّل شركة الخرا اللي صنعتك..ما تستفزش أمي..أنا يا روح أمك شغال في شركة إعلانات و فاهم كويس إنت بتشتغل إزاي و عمال تكلمني الأسبوع اللي فات على أساس إيه و عشان أعمل إيه..علاقة صحية إيه يا روح أمك..إنت بتبيع طول الوقت..بتبيعني شخصيا لصالح اللي مطوّرينك..

= طيب مادام فاهمني...و عارف أنا بشتغل إزاي...إيه اللي مضايقك ؟

قال المقطع الأخير من عبارته بنبرة منخفضة و بطيئة...

تركته و دخلت المطبخ..

عدت بكوب شاي و سيجارة..جلست جواره أمامه اللاب توب

- إنت جهاز بائس يا "سوسن "..

= كإني مش عارف..

- طيب ممكن تسكت عشان أعرف أشتغل

= أوك..

التفتّ للاب توب فبدأ يُسمعني موسيقى خافتة و هادئة تماما , بالضبط كما أحبها و انا أعمل..




Sunday, November 16, 2008

تراث





يجلس إبن زُرَيْق البغدادي مطرقا على أريكة مزخرفة في الصحراء , خلفه جوقة من الملثمين بينما تجلس أمامه صفوف الرجال..يرفع إبن زريق رأسه ثم يبدأ بصوت رخيم :
_ لا تعذليه فإن العذل يولعه...قد قلتِ حقا لكن ليس يسمعهُ
جاوزت في لومه حدا أضرّ به...من حيث قدّرت أن اللوم ينفعهُ..
يهزّ الرجال رؤوسهم طربا فيقف إبن زريق :
_ لا تعذليه...فإن العذل يولعهُ...قد قلت حقاً..آه .. لكن ليس يسمعه
يقف الرجال أمامه..
_ جاوزت في لومه...جاوزت في لومه...حدا ....
أضرّ به..
من حيث قدرتِ...قدرتِ..
من حيث قدرتِ..أن اللوم... ينـ....فعُـ....هوووووووووووووووووووووووو....
جاوزتِ
الجوقة : =جااااوزتِ
_ جاوزتِ
= جااااوزتِ
_ آه و النبي جاوزتِ
= جااااوزتِ
_ ياعمّ و النبي جاوزتِ
= جاااااوزتِ
_ ياسيدي كده جاوزتِ
= جااااوزتِ
يرفع الرجال سيوفهم من الغمد ثم يستغرقون في رقص طويل موّقع مع إبن زريق .. يدورون بتمايل بينما تدور سيوفهم فوقهم في الإتجاه المعاكس..
_ يا عم عمر جاوزتِ
= جااااوزتِ
- آه و النبي جاوزتِ
= جااااوزتِ..
يجلس إبن زريق , بينما يواصل الرجال الرقص , يتقدم أحد الملثمين من الجوقة:
عزيزتي و يا عزيزي ...بالعربي و بالإنجليزي...ليه تعقدها ليه؟...عيشها...خليها إيزي..مع نجم الألفية التالتة...و مطربكم المحبوب...إبن زريق الليثي..
يهدأ الرقص قليلا...يطرق إبن زريق الليثي ...ثم ينهض :
اِستَودِعُ اللَهَ... فِي بَغدادَ.... لِي قَمَراً....
بالكَرخِ
مِن فَلَكِ الأَزرارَ...
مَطلَعُهُ
وَدَّعتُهُ وَبوُدّي ...لَو يُوَدِّعُنِي...
وَدَّعتُهُ وَبوُدّي...آه
لَو يُوَدِّعُنِي...
صَفوَ الحَياةِ وَأَنّي... لا أَودعُهُ
يغمضُ إبن زُريق :
استودع الله في بغداد لي قمرا...بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه...
أستودع الله..... في بغدااااااااد ..لي قمرا
آه والنبي لي قمرا
=لي قمااااراً
_ ياعم و النبي لي قمرا
= لي قمااااارا ً
_ يا سيدي لي قمرا ً
= لي قماااارا ً
كان الرجال قد اندمجوا في الرقص العنيف ثم بدأوا في التطويح بالسيوف في إنتشاء بالغ تحت ضوء القمر طعنا و ذبحا في بعضهم البعض..
_ و النبي كده قمراً...يا عمي كده قمراً...والله لي قمرا ً...
ياسيدي لي قمراً
والله لي قمراً..
ياعم لي قمرا ً..
والنبي لي قمرا ..ً
يووووووووووووووووه
يوووووووووووووووووه
يواصل الرجال التقتييل و الذبح..بينما يجلس إبن زريق..
_ أستودع الله في بغداااااااااااااااااااااااااااد....في بغداااد..
لي قمرا
بالكرخ من فلك الازرااااااااااااااااااااااااااااااار...مطلعهُ..
= ماااطلعهُ
- ياعم و النبي مطلعه
=مااااطلعهُ
_ يا سيدي كده مطلعهُ
= ماااطلعه..
_ آه والنبي مطلعه ُ..
= ماااطلعهُ..



Tuesday, September 23, 2008

Goodfellas








"نون "



قبل الأحداث المؤسفة الأخيرة , كنت نادرا ما ترى أحدهم يدخل ندوة أو إجتماعا منفردا دون أن يحيط به الأخرون , فتصمت القاعة و يلتفت الجميع إلى الباب الذي يعبره ستّة ذوي وجوه متباينة مألوفة , يستمر الصمت برهة إلى أن يجلسوا ببطء و تثاقل فيعود بعدها الذي على المنصة إلى مواصلة الإلقاء بإرتباك و حذر..
لا يمكن الحديث عن "نون" دون أن نبدأ بـ : "مروان آل غافوري " , يمني الأصل ,ضخم و عريض و له وجه يدل شراسة إيطالية لا يمكن تجاهلها , تتم الإشارة له دائما بالـ "مؤسس " , و على الرغم من شعبيته الفائقة إلا أنه مطلوب في جميع المنتديات العربية و من قبل عدة جهات أمنية أخرى يشار إليها بحروف ثلاثية مهمة , تتم ملاحقته و محاولات إغتياله كروتين في حياة المؤسس يشحذ قدرته على الكتابة غالبا.. عن يمينه يسير النحيف "قرنة" , أو "الشرس " , شاعر فذ , جسده الضئيل لا يوحي أبدا أنه في أي لحظة قد تحاول تعكير مزاجه ولو دون قصد سيخرج مدية حادة مفزعة التشكيل و يترك لك تذكارا حادا في أي أنحاء جسدك , خاصة إذا كنت أحد المشاركين في ندوة ما و بدر عنك في حضوره خطأ لغوي أو عروضي أو بيت تشكيله الفني غير قابل للبلع , عن يسار "المؤسس" يكون غالبا "عزت " أو " الروسي " أو يغيب في بعض الأحيان , طبيب متوسط الطول و بلحية خفيفة ,يمتلك الروسي مزاجا عنيفا تماما رغم ملامحه الوديعة , أما عن اللقب فهو نسبة إلى قصائد النثر العجيبة التي كان ينشرها دوريا على منتدى "نون " .. يروى عنه أنه و بدون أن يتغير انطباع وجهه البارد شرّح جثة كاملة لأحدهم , كان قد علق قبلها بيومين على صديقة أحد رفاق الروسي في نون بطريقة غير لائقة , شرحه و علقه على بوابة التكعيبة تتدلى منه أعضاءه كل على حدة , مربوطين إلى العمود الفقري بخيوط الشاي الفتلة , طحال و كبد و قلب و أمعاء و مثانة و قضيب و لسان.., خلفهم يسير في تؤدة "البوذي"..أو " المعلّم " محمد سيد حسن , طبيب هو الأخر و رفيق المؤسس المقرّب و كاتم سرّه , مطلوب في عدة محافظات بسبب عدة جرائم سببها إضطرابات نفسية نادرة الحدوث , أشعل النار في قصر ثقافة بهتيم العام الماضي بعد أن سد النوافذ و باب الخروج الوحيد أمام الحضور , وذلك عقب أن ألقى أحدهم هناك خلال مهرجان للثقافة الجماهيرية قصيدة عمودية ردئية و طويلة جدا لم تتحملها أعصاب البوذي الحساسة , فقام " البوذيّ" بهدوء , اتصل بالروسي و قرنة فحضرا في سيارة الأخير بجالونات جاز و مشط كبريت ..
إلى جوار البوذيّ غالبا ما يكون يزيد الديراوي أو "المناضل " , تتم ترجمة المناضل أحيانا إلى تعبيرات أخرى , و يزيد له عدة ملفات دولية تتعلق بتورطه في صفقات سلاح مشبوهة لجهات عدة , طويل وسيم يرتدى نظارة طبية أنيقة لا يمكنك أبدا أن تتخيل أبعد من كونه أحد أثرياء غزّة الودعاء الدارسين في مصر , و يتبعهم متأخرا دائما , الغني عن الذكر " خالد عبد القادر " بمشيته الثابتة و بمهابته الملحوظة..
"نون"..جماعة أدبية جذرية الإختلاف , وهي كتشكيل إجرامي نادر تتشكل أساسا من مجموعة من المطرودين من أغلب المنتديات العربية تتبعهم لعنات و حكايات كثيرة , قرروا في النهاية تشكيل الهيكل الإداري الخاص بهم و الذي لم يحقق أي نجاحات إدارية حتى الأحداث , المؤسفة الأخيرة , لأنه كان من العسير إقناع حفنة من سوداويي المزاج و المصابين بشكل أساسي بـ
the God complex
على حدّ تعبير البوذيّ _ بأن على أحدهم العمل على إستهلاك وقته الشخصي في خدمة الأخرين , علّق "المناضل " على ذلك ذات مرة : أنه انضم لنون من أجل صفقات كبيرة , لا ملجأ أيتام لشباب الأدباء , بالطبع كان هناك الكثيرون من ذوي السجلات الجنائية المهمة الذين حضروا الإجتماع التأسيسي لـ "نون " , و الذين لا يمكن الحديث عنهم لعدم وصول أخبار كافية عنهم أو تفضيلهم للإبتعاد عن مركز الاحداث في وسط البلد , لكن ما زاد الطين بلّة هو انضمام عدّة أفراد معروفين بسجلهم الخطر ضمن ما يعرف بملفات "سيميا " السرية , مثل : سالم عبادة , الإيطالي سريع الغضب الذي ورد إسمه في أحداث الساقية 2008 , كريم الصياد , الأكاديمي الوقور و المتهم بتورطه أيضا في تفجير قاعة النهر بساقية الصاوي خلال الأحداث نفسها , و أخيرا " هرمس " أحد أشهر أشقياء التنظيم السري "سيميا " المعني بالتنقيب خلف ديانات و منظمات سرية قديمة ممنوع الخوض بشأنها عموما ..
التأريخ لـ"نون" يبدو عسيرا في ظل الروايات المتباينة التي تمت حكايته فيما بعد من عدة الجوانب, خاصة و أن جميع أفراد "نون " نفوا بعد ذلك أن أحدهم كان يوما عضوا في أي تشكيل خاص بل و نفوا وجود "نون " نفسها , لكن على كل حال يمكن عن طريق الجمع و الطرح بين الروايات المتناقضة تحديد موقعة صغيرة نشبت قرب قهوة عم حسن إبّان حرب الشوارع الشهيرة بين الجماعات الأدبية الجديدة التي بدأ نفوذها يتسع فتشمل سطوتها عدة أماكن و مراكز ثقافية هامة بداية من العام 2006 إلى نهايات 2008 , حين قاد المؤسس " نون " إلى نصر تاريخي على جماعة " الكشكول 65" ثم احتجاز مؤسسها "سيد شنّاوي " لمدة أربع ساعات في مبولة القهوة إلى أن حضر "خالد عبد القادر " و أفرج سراحه دون علم الباقين من باب الشهامة
ربما أو لأنه كان في حاجة إلى المبولة نفسها , علّق الروسي عزّت على ذلك فيما بعد قائلا أن خالد كان دائما معارضا لمشيئات المؤسس..كان إبن العائلة الضال.
جميعهم تقريبا حصلوا على مراكز متقدمة في عدة جوائز , أفسدوا عدة إحتفاليات أدبية في اللحظات الأخيرة لأسباب تتعلق بالشرف أو الكرامة الأدبية , ( راجع عصر الفوضى لـ طه عبد المنعم: دم و دموع في وسط البلد _ إصدارات دار الجبل 2008 ) , إذ بغض النظر عن أحداث الساقية التي تورطت فيها أسماء عدة و طالت الفضيحة عدة جهات و جماعات أدبية شهيرة , كان لـ " نون " اليد الأولى في عدة حوادث أخرى شهيرة : خطف صلاح فضل على الهواء مباشرة أثناء إذاعة الحلقة الأخيرة من "أمير الشعراء " , إغراق الصحف و المجلات و المواقع الأدبية بسيل من القصص و القصائد المختلقة لحظيا تحت أسماء مستعارة, بشكل أشبه بصناعة جيل كامل من الأدباء الوهميين أو خلق تيار أدبي جديد تماما لمجموعة من الأسماء الوهمية المثابِرة على الإرسال لجميع وسائل الإعلام إلى الحد الذي أغرى كبار النقاد و المثقفين بالتعليق على هذا الإنتاج الأدبي الحديث بمقالات نقدية مطوّلة و شروح في الخصائص المميزة لهذا التيار الأدبي الوليد بل و صدور دراسات خاصة متعلقة بإنتاج أسماء معينة منها و منح درجات أكاديمية عن أوراق بحثية عن مجمل أعمال بعضهم.
أما عن بداية النهاية فكانت نتيجة إقتراح من المؤسس بإنهاء السخف الأدبي في وسط البلد و بشكل راديكالي تماما , و ذلك عن طريق تكوين " نظام خاص " مهمته تصفية جميع أشكال العلو*ية الأدبية على الجبهتين:الإفتراضية و الحقيقية في وسط البلد , و قبل إكتمال النصاب القانوني للتصويت على الإقتراح في نون بدأت سلسلة من الإغتيالات مجهولة الملابسات لمجموعة من أسخف الشخصيات الأدبية إفتراضيا و على أرض الواقع , كان أولها نفخ الروائي
"حمادة صيدليّة " بمنفاخ إطارات ضخم انتهى بتحليق حمادة لأيام في سماء وسط البلد كبالون هيليوم ضخم وهو ما كان بمثابة بيان علني للجميع ..
و على الفور اعتبر "البوذيّ "ذلك تلويحا من المؤسس بنفوذه التنظيمي فأصدر بيانا يستنكر فيه الأحداث الأخيرة و على ما يبدو تضمن البيان الذي وقع عليه "عزّت" و "المناضل" تلميحات أثارت غضب "المؤسس" على رفيقه الحميم , لذلك أيام و انشقت نون إلى جبهتين : انضم الشرس للمؤسس بينما انحاز الروسي تلقائيا للبوذي , تجاهل المناضل الأمر برمته و كالعادة اختفى خالد عبد القادر دون مبررات أو تحديد ولاءات..
و سرعان ما نشبت معارك شوارع عنيفة و متعددة بين جبهتي نون أدت إلى تحويل وسط البلد إلى منطقة مغلقة نظرا للدموية البالغة الذي تعامل بها الطرفين مع الأمر..روى شهود العيان عن إنفجارات هائلة تنشب فجأة قرب ميدان طلعت حرب و شارع شريف أضاءت ليل باب اللوق و روض الفرج لأسابيع , و سمع بعضهم صوت البوذي المميز وهو يغني لفيروز خلال الإنفجارات بينما رآه آخرون فوق أحد المباني العتيقة يسدد بندقيته القنّاصة إلى جهة ما ثم يستغرق في الضحك تماما و يصرخ : الدنيا خربانة...و سوريا خربانة.. ,بعدها تعقدت الأمور باضطرار الجميع إلى هدنة إجبارية في بدايات 2009 لأسباب خفية تتعلق بتوجيهات صارمة من العرّاب أو
the GOD father
الذي اجتمع بسالم عبادة في "مارسيليا " و حمّله رسالة مهمة إلى كل من المؤسس و البوذيّ , تلاشت بعدها الأخبار تدريجيا إلى أن ظهرت "نون" مجددا كجماعة أدبية غير مسلحة تقتصر على الإحتفالات الأدبية الودودة البسيطة يتبادل فيها الأعضاء سب الدين و اللكمات من حين لآخر ثم إغلاق الأنوار و العودة إلى البيت.
ت

Saturday, September 6, 2008

photo album








1




عارف يا "سيد ", أنا من ساعة ما دخلت على الفايس بوك و أنا حاسس إني بدأت أكره ربنا ,عارف حتقعد تقولي أستغفر الله العظيم و بتاع , بس أنا بقولك بصراحة , أنا قلت له كده أصلا , ما أصلي حكذب عليه حروح فين يعني , هو عارف إني حاسس كده , و أنا بقولك إني بدأت أحس كده , معرفش بقى ده يتحسب ولا مايتحسبش , بس هو أصلا إنت عايش عشان تتحاسب يا "سيد " ؟, بذمة أمك إنت عايش , بتخرج تلف بدين أم التوكتوك بتاعك طول اليوم و عاملي فيها باشا على الركاب و مشغل الكاسيت و عامل فيها متمزج...إنت متمزج يا سيد ؟ , أنا كمان طول اليوم بقعد في السايبر بن الوسخة ده أسمع أغاني , أحاسب في عيال بنت كلب ملهاش معالم كلهم شبه بعض و أنزّل أغاني و أفلام و في الأخر حيحصل إيه , حنتجوز و نخلف عيال و نموت و عيالنا يركبوا تكاتك و يقعدوا في سايبرات , عيشة بنت قـ*بة أصلا , أنا شاكك إن ربنا شايفنا يا "سيد"…إتنسينا باين ولا إيه مش عارف …تعالى إتفرج يا عم الناس عايشين إزاي ...خش على أي بروفايل من دول يا سيد...البروفايل ده يعني زي البطاقة كده..عليها كل تفاصيلك ...بص إنت حمار أصلا و لا بتفهم دين أم أي حاجة في الكمبيوتر فمتقعدش تسأل كل شوية و خلاص...أنا حوريك اللي عايز أوريهولك ..إنت تعمل بحث على أي إسم..مثلا "سارة "..تطلع لك القايمة دي...تدور فيها بقى على بروفايل ينفع تفتحه....بس تخش بقى و تشوف كل حاجة ...بس أنا حدخلك على المفيد على طول... أنا عارف كام بروفايل ينفع نخش عليهم ..مثلا " سارة علي " دي..عندك بقى كذا حاجة...يا إما تدوس على صورتها الكبيرة دي فيجيبلك كل صورها...يا إما تدور في البروفايل ساعات تكون هي حاطة ألبومات... ما تفهمش بقى عايزة الناس تشوفها ولا نسيت تقفلها على اللي متعرفهومش...يا إما تدوس على الميني فيد دي ...آه ميني فيد يا روح أمك مش كنت في معهد و بتعرف تقرا إنجليزي...تلاقي فيها ساعات صور ليها...صور لصحابها هي معلقة عليها...صور ليها عند أصحابها حطوا إسمها عليها ..و عيش ...أهي سارة دي مثلا في الإيه يو سي , عندها 22 سنة و ساكنة في الدقي..إيه يو سي يعني جامعة أمريكية يا جحش...شوف ...كل دي مزز...شوف زميلها حاطط إيده على وسطها إزاي..إنت آخر مرة أصلا لمست بت كان إمتى يا سيد ؟....إستنى...أهو ألبوم كامل متصوراه في المصيف...عمرك رحت مصيف يا سيد ؟...راس البر ؟...أشخر لك يعني ولا أقول إيه..إنت فاكر ياض البركة اللي بتلبلط فيها إنت و أمك دي بحر...أهي سارة دي بتروح أسبانيا كل سنة ....يا دين أمي..إيه المايوهات دي...مش مكسوفة حد من زمايلها يشوفها كده ؟...شايف يا "سيد".....عندها عربية لو قعدت أحوش من دلوقتي لحد ما أموت مش حجيب أول قسط فيها..و ربنا ياعم....ربنا يفتح عليا ؟...طيب ولو ربنا كاتب أفضل فقير...أعمل إيه ؟..أقضيها فرجة ع النت..إستنى ندخل نشوف حد من أصحابها ..شوف "ميزو " ده...واد عنده 23 سنة...شوف بقى كل دول بنات أصحابه...نام مع كام واحدة فيهم ؟...سافر كام مرة ؟...أهي دي عربيته ..وده بيتهم متصورعلى حمام السباحة......واحد زي ده حاقف جنبه إزاي يوم القيامة ؟... حيقرف من ريحتي أصلا...انا طالع دين أمي في السايبر وهو كاتبلك لسه بيدوّر على نفسه...أحسن منك في إيه ده يا "سيد " ؟...إشمعنى هو نايم على حمام السباحة و إنت ضهرك إتاكل من المسند الحديد...ربنا حيحاسبنا زي بعض إزاي طيب..أحسن مننا في إيه دول يا سيد عشان ربنا يديهم كل ده في الدنيا و إحنا لأ..لازم نستنى للآخرة يعني يكون طلع دين أبونا و كفرنا و دخلنا النار ؟...أيوه حنروح النار .. أنا كل يوم بخش أتفرج على حريمهم ...طول اليوم أقلب على الفايس بوك و أسيّف في صور..وهما أنجاس ولا بتفرق معاهم حريمهم تطلع عريانة في الصور.. وربنا ما حتصدق.. مرة كنت في نايل سيتي ...المول ياض اللي قبل أركاديا من ناحيتنا هنا....كنت مع شعبان بن عمي بشوف شغل في أي داهية هناك ..فجأة لقيتلك واحدة من اللي أنا مسيّف صورهم دول

واقفة قدامي...ورب الكعبة يا عم ..ليها صور عندي هنا وهي في أوضتها و في المصيف و في النادي ومع أصحابها و لما كانت في ثانوي كمان....تخيل بقى لما ألاقيها قدامي كده فجأة..كنت حاشاور لها من بعيد...حسيت ياض كإننا نعرف بعض من زمان ..بس قلبي إتقبض ...كانت داخلة سينما مع واد يا "سيد " إتولد في جيمّ ..واحدة زي دي أنا محلمش تاخد بالها إني واقف أصلا..محلمش مرة إنها تكلمني ...عارف ساعتها حسيت بإيه ؟...كنت عايز أروّح معاها...وربنا ياعم ما فكرت في الأفكار النجسة بتاعتك دي..كنت عايز بس أروّح معاها...أدخل أوضتها...أقعد على حمام السباحة اللي عندها في الفيلا...أروح معاها النادي..أتمشى معاها في الجنينة...أقعد معاها ومع أصحابها..أشوف كل الأماكن اللي بشوفها فيها في الصور...و اللي عمري ولا عمرك حنشوفها يا "سيد "...شايف الكافيه اللي "ميزو "قاعد فيه ده...عمرك ما حتخشه في حياتك يا "سيد"..إنت متخيل؟...عمرك ما حتخشه...حتى لو سرقت و جبت فلوسه...حيعرفوك على الباب...وربنا حيعرفوك على الباب..حيوقفوك و يروحوك بيتكم...إحنا حتى مش شبههم يا "سيد"....حتى مش شبههم ...تعالى بقى أقولك حنعمل إيه..








2




إمبارح يا خالد و أنا بحمّل صوري أنا و أمنية في الساحل الفايس بوك كان واقع باين , مش راضي يحمّل غير صورة صورة بالعافية..فقلت ينعل أبو كده مش ححمّل حاجة..و أهي الصور عندي أبقى أبعتها لأمنية على الإيميل في أي وقت و خلاص ....فتحت الصور و قعدت أتفرج عليها تاني.. بس حسيت إن مزاجي مقلوب..كإن فيه حاجة ناقصة إن الصور مش موجودة على الفايس بوك..مش عارف أستمتع بيها زي بقية الصور اللي عندي على البروفايل..كإنها لسه في الكاميرا أو لسه مش موجودة...تفتكر ليه مش عارف أستمتع بالصور و هي عندي على الجهاز ؟......حاجة غريبة.. صح ؟...طيب ما أنا كنت هناك فعلا !..برضه تحس إن الصور لازم أصحابك و أصحابها و زمايلك في الكلية يشوفوها عشان تحس إنك مبسوط...حسيت بكده قبل كده يا خالد ؟...إنت نفسك قلتلي قبل كده إنك بتكون مستمتع أكتر لما تسمع أغنية بيسمعها معاك ناس تانيين في نفس الوقت..في الراديو مثلا أو في حفلة على البلاج..أو حتى في كاسيت عربيتك...طيب تعرف إني و أنا بصور نفسي أنا و أمنية هناك في الساحل كنت بفكر في شكلنا على الفايس بوك...حتى قبل الفايس بوك ما يطلع..كنت بصور نفسي في كل سفرية طلعتها عشان أوريها لأصحابي..أنا كنت فاهم إني لو مبسوط في حياتي فيبقى ينعل أبو الناس مش حيهمني أوري حاجة لحد...و أنا مبسوط فعلا..الهاي فايف كان حاجة حقيرة بالنسبة لي...مش فاهم ليه الفايس بوك بقى بيخليني أفكر ححط عليه إيه...و حكتب إيه...و أتصور فين ؟..هل معنى كده إني مش سعيد مع أمنية مثلا ؟.. عايز أثبت للناس إننا مبسوطين مع بعض ؟... طيب حسيت بالموضوع ده قبل كده و إنت بتتصور مع سارة يا خالد ؟




3






Khaled says :

سارة إنتي لازم تشيلي صورك من على الفايس بوك يا إما متخليش مسموح لأي حد يشوفه غير أصحابك البنات بس..


Saso says :

=إزيك يا خالد...خير في إيه بس اللي حصل؟


Khaled says :

_حيوان عامل أكاونت على الفايس بوك بإسم سيد البرنس باعتلي رسالة... إتفضلي شوفي


Khaled says :


Sayed el prince sent you a message

غطي لحمك ياريس

خلي خطيبتك تشيل صورها العريانة

أنا حبيت بس أقولك عشان فيه ناس بتفتح صفحتها و تتفرج عليها

مع تحيات أخوك

سيد توكتوك

--------------------
To reply to this message, follow the link below:
http://www.facebook.com/n/?inbox/readmessage.php&t= 1005803121114


Saso says :

إيه القرف ده ...مين سيد ده يا خالد ؟


Khaled says :

أنا معرفش الحيوان ده ..ولا هو حاطط أي حاجة على البروفايل .. أكيد حد عمل البروفايل ده عشان يعرف يبعت لي منه رسالة زي دي


Saso says :

طيب ليه حيعمل كده ؟


Khaled says :

أي حيوان عايز يضايقني


Saso says :

طيب أنا ذنبي إيه


Khaled says :

ملكيش ذنب بس مينفعش تفضل صورك كده فعلا متاحة لكل الناس


Saso says :

ومالها صوري يا خالد !


Khaled says :

ملهاش..بس بعد إذنك شيليها يا سارة عشان أنا متضايقش


Saso says :

يا خالد متوجعش دماغك عشان حيوان زي ده


Khaled says :

حتفرق معاكي إيه طيب لو شيلتي الصور أو حطيتي بس اللي ممكن أي حد يشوفه


Saso says :

حد قالك إني حاطة صوري بالبكيني يا خالد ؟


Khaled says :

ما هو ده اللي ناقص فعلا


Saso says :

خالد بعد إذنك متكلمنيش كده ثم دي حاجة ترجعلي


Khaled says :

يعني إيه حاجة ترجعلك ؟ الصور دي لازم تتشال


Saso says :

هو إيه اللي لازم تتشال هو كفاية جدا عشان خاطرك أخلي البروفايل مقفول على صحابي و انا أصلا كنت فاكرة إن مش أي حد ممكن يشوفه


Khaled says :

مقفول على صحابك البنات بس يا سارة


Saso says :

إنت بتهزر يا خالد ! صحابي البنات و صحابي الولاد..


Khaled says :

أصل أكيد اللي بعتلي الرسالة دي يعرفني و يعرفك يا سارة و أنا معنديش إستعداد حيوان زي ده يكون بيقدر يشوف صورك


Saso says :

صوري مفيهاش حاجة يا خالد


Khaled says :

لأ فيها و إنتي في النادي و في البيت و على حمام السباحة كمان


Saso says :

طيب ما الناس على حمام السباحة أو على البحر بيشوفوني بالمايوه و بيبقى معانا كمان أصحابنا الولاد اللي منهم اصحابك إنت كمان


Khaled says :

ممكن يا سارة بعد إذنك من فضلك تخلي صورك ميشوفهاش غير أصحابك البنات


Saso says :

أصحابك البنات...أصحابك الولاد..أنا مش في مدرسة يا خالد


Khaled says :

طيب يا سارة إنتي حرة


Saso says :

أيوه طبعا انا حرة


Khaled appears to be offline






4



يا أمنية مينفعش.....تخيلي إنتي طارق بيقولوك متخليش حد يشوف صورك إلا أصحابك البنات.. خالد عارف إني ده لبسي و إن دول أصحابي و قبل المسج الزفت دي كان عارف إني حاطة صوري و كل أصحابي بيشوفوها ثم انا مش حاطة صوري و انا واخدة بوزات موديلز..أنا حاطة صوري العادية..يعني إيه لازم أسمع كلامه..هو أنا بهيمة بيجرها مطرح ما هو عايز..طيب فاكرة لما طارق كان معترض إنك تحطي صورتك في البروفايل و عايزك تحطي أي صورة لأي حاجة تانية..ما إنتي قلتي إنك مش عورة و إن الناس بتشوف وشك في الشارع .. أنا خلاص قفلت بروفايلي على أصحابي محدش حيشوف بروفايلي غيرهم , بس هو يعني اللي عايز يأذي حد حيروح واخد صورته و يقعد يعمل عليها أفلام...بتحصل؟..طيب ما كل حاجة بتحصل يا أمنية نقعد في بيوتنا بقى و نخبي وشنا في الشارع لا حد يصورنا و يستخدم الصور دي في أي حاجة..ناقص كمان خالد يقولي منزلش البسين أو البحر قدام قرايبي ولا أصحابي ولا أصحابه الولاد.. ماهو ده اللي ناقص فعلا..ما هو أي حد ممكن يشوف صورك يا أمنية لما حد من أصحابك البنات يعلق عليها...كل أصحابها حيشوفوها عندها على البروفايل..بصي يا أمنية...أنا مش حشيل ولا صورة من اللي أنا حاطاهم..





5



قلت لك قبل كده يا طارق متحطش صورنا في الساحل على الفايس بوك قبل ما توريهاني..مينفعش أصلا أي حد يشوف صور زي دي..إحنا لسه مخطوبين ..أيوه اللي في الصور ده حصل فعلا بس في فرق إنه يحصل بيني و بينك و إن بقية الناس يشوفوه..أنا مش مكسوفة من حاجة يا طارق بلاش عصبية..لكن الناس حتقول إيه على إتنين متصورين على البحر مع بعض عمالين يلعبوا و يضحكوا..يعني لو كان ليا أخ ولد كان ممكن يتضايق..ثم إن الصور كتير بتدي إنطباعات مش حلوة..و أنا معرفش كل أصحابك على الفايس بوك عشان يشوفوني و انا بطلع لك لساني يا طارق أو قاعدة براحتي جنبك في العربية...ثم ممكن أطلب منك طلب..ممكن تشيل كل صوري اللي عندك و تبعتهالي و أنا أرجعهالك تاني من غير الصور اللي مش عايزة حد يشوفها..يا طارق إفرض حد من أصحابك فتح جهازك ؟..نعم ؟..منتصورش تاني أحسن ؟...أوك أنا موافقة..معنديش أي مشاكل..منتصورش تاني أحسن... أنا مش حستنى لحد ما يحصلي اللي حصل لسارة..إيه...إنت بتقول إيه ؟!...رسالة إيه دي اللي وصلتك ؟!!





6




زي ما قلتلك يا ميزو انا معنديش مشاكل مع صور سارة , أنا ساعات بخش أتفرج على صور أصحابها البنات لما بلاقيها معلقة على صور ليهم أو واحدة فيهم صورتها تعجبني و يكون بروفايلها مفتوح , الناس أساسا طول الوقت بتتفرج على بعض , اللي ضايقني إن حد ييجي يقولك إنه عمل كده.. أو تحس إن واحد تعرفه و بتشوفه كل يوم هو اللي يقولك إنه بيعمل كده.. عشان كده تعرف أغبى حاجة أنا عملتها كانت إيه؟..إني قلت لسارة…كنت المفروض ما أقولهاش أي حاجة..مكنش حيحصل أي حاجة..





7




Sayed el prince sent you a message


مش عيب تسيب أختك كده

خليها تشيل صورها عشان كده عيب يا أبو رامي

فيه ناس بتفتح صفحتها و تتفرج عليها

مع تحيات أخوك

سيد توكتوك

--------------------
To reply to this message, follow the link below:
http://www.facebook.com/n/?inbox/readmessage.php&t=
10058345778




Hamada cyber sent you a message


إنتي مزّة فحت يا دينا

صورك كلها متسيفة عندي

بفكر أعملها بوسترات

مع تحيات الزعيم

حمادة سايبر

--------------------
To reply to this message, follow the link below:
http://www.facebook.com/n/?inbox/readmessage.php&t=
1005801605





Sayed el prince sent you a message


ياراجل شيل صورك اللي إنت حاططها مع مراتك دي

إيه مفيش رجولة خالص؟

عالم خـ*لات صحيح

--------------------
To reply to this message, follow the link below:
http://www.facebook.com/n/?inbox/readmessage.php&t=
10058331908





Hamada cyber sent you a message


حمادة سايبر بيصبح و يمسي

صاحبتك مزّة أوي يا ميزو

عندها مواهب كويسة

لقيت نفسك ولا لسه يا روح أمك؟

--------------------
To reply to this message, follow the link below:
http://www.facebook.com/n/?inbox/readmessage.php&t= 100580319087











Wednesday, August 13, 2008

لماذا لن ينشر خالد عبد القادر روايته ؟








إتصل بي " محمد سيد حسن " : خالد عبد القادر مش حينشر روايته "لإيلاف داوود" لأسباب مبهمة..ليه يا محمد ؟..بقولك مش عارف بس خالد واد لعين أصلا تلاقيه دخل على عمال المطبعة و صرخ وهو بيسحب حديدة من أقرب جهاز "وقفوا الطبع يا ولاد ديك الـ.." , بعدها انشغلت في الكلية ثم مررت على "زنجي " في وسط البلد و جلسنا على النيل أخبرته بما سمعته من " محمد سيد " فهز رأسه بهدوء ثم مط شفتيه ففكرت أن أتصل بخالد على الموبايل , هذا الرقم غير موجود بالخدمة يرجى التأكد من الرقم المطلوب , تحدثنا عن رواية "دون كازمورو " لماشادو دو سيس ثم طلبت فجأة من زنجي أن يخبرني برقم موبايل خالد المسجّل على موبايله , بحث زنجي في جهازه فلم يجد أي رقم بإسم خالد , حك جبهته طويلا لأنه كان متأكدا أنه طلب خالد كثيرا قبل ذلك من على موبايله , وعدني زنجي أن يرسل لي أخر رقم موبايل لخالد عبد القادر , كتبه له الأخير منذ أسابيع على ظهر غلاف ديوانه الفصحى : نادية, انهيت الموضوع بسلاسة و عدنا مرة أخرى لدون كازمورو..
حكى لي زنجي أنه عاد إلى البيت بذهن مشوش تماما , دخل إلى غرفته مباشرة إلى المكتبة , و في الصف الطويل لإصدارات الأصدقاء المهداة إليه بحث طويلا فلم يعثر على أي أثر لـ " نادية " , صرخ على أخيه "حسين " فجاء مفزوعا من الصالة..سأله عن الديوان فأخبره حسين أنه لا يحتاج لأخذ نسخته لأن خالد قد أهداه نسخة بالفعل هوّ كمان , حك زنجي جبهته ..ثم طلب من حسين أن يأتي بالنسخة الأخرى آملا أن يكون خالد قد دون له رقم الموبايل على غلافها هو الأخر أو اختلطت النسختان في أي وقت ..خرج حسين ثم عاد وهو يحك جبهته بشدة...لم يكن هناك أي "نادية " في البيت..
اتصل بي زنجي ليخبرني بصوت محبط تماما أنه لم يعثر على أي أثر لموبايل خالد , كنت على الماسنجر مع " محمد سيد حسن " , قلنا محلولة..نبعت له على الفايس بوك نشوف إيه اللي حصل , بحثت في قائمتي عن "خالد "..لم يكن موجودا...قبل أن أكتب لسيد على الماسنجر كان يخبرني أن " خالد الوغد مسحني من عنده على الفايس بوك "..بس خلاص...نجيبه من على المنتديات..بحثنا طويلا عن أي مشاركات لخالد..لا يوجد...أي يوزرات لخالد في أي منتدى...لا يوجد...أي صفحة على النت ورد فيها ذكر "خالد عبد القادر "...لا يوجد...فتحت مدونتي, كنت قد كتبت بوست عن خالد أهنأه بجائزة ساقية الصاوي الأخيرة في شعر الفصحى..لم أجد البوست..هو إيه اللي بيحصل يا سيد ؟...مش عارف..ده حتى إيميلاته مش موجودة عندي على الإيميل...ولا أنا..., في اليوم التالي نزلت وسط البلد , قابلت زنجي على التكعيبة أخبرته عما حدث بيني و بين "سيد " فهز رأسه قليلا ثم مط شفتيه..أخبرني أن خالد غير موجود على قائمته على الفايس بوك هو الأخر و أنه لابد سيظهر إن آجلا أو عاجلا...مرّ أمامنا " طه عبد المنعم "..نادينا عليه..سألناه على خالد...طه كان الأقرب لخالد في الفترة الأخيرة خلال إعداد الرواية..فين خالد ياطه ؟..خالد مين ؟...خالد عبد القادر...مين خالد عبد القادر ؟..أنزل زنجي المبسم من على فمه بينما بدأت أنا أبتسم قليلا..بلاش هزار يا طه..إنت شفت خالد عبد القادر قريب ؟..مين خالد عبد القادر ده طيب ؟..كان طه يبتسم ..نظرت إلى زنجي...زنجي بالفعل كان ينظر إليّ هو الأخر...حكّ زنجي جبهته قليلا بمبسم الشيشة ثم قال : خلاص..شكرا يا طه..آسفين على الإزعاج.
قلبت البيت رأسا على عقب فلم أجد ديوان خالد العامية " سيرة الأراجوز "..لا نسختي ولا نسخة مصطفى أخويا المهداة بحرارة من خالد , اتصلت بـ"عمرو " أخويا فرد عليا بهدوء : أنا قلت لك قبل كده إني قريت ديوان إسمه "سيرك الأراجوز " ؟ , لم يكن هناك مفر , أمسكت بديوان " كابينة الجسد " لهاني فضل و اتصلت بتليفون بدار "فكرة" , رد علي مدير الدار بأدب شديد : حضرتك مفيش حد إسمه "خالد عبد القادر "متفق معانا على رواية..طيب ممكن حضرتك تقولي مين اللي إتفق معاكم على رواية إسمها" لإيلاف داوود "...لإيلاف داوود ؟!...أيوه...طيب هو مين "إيلاف داوود " ؟...أنا آسف خلاص معلش يظهر حصل سوء تفاهم .

في نفس اليوم دخلت " عمر بوك ستورز " درت أولا وحدي ثم اتجهت للجالس على الكمبيوتر :بقولك...هيّ فين دواوين خالد عبد القادر ؟..سألني: هي ّمنشورة في دار إيه ؟...اكتب و ليه ديوان تاني في ملامح ...بعد دقيقتين تقريبا من البحث على الجهاز رفع رأسه لي وهو يقول : مفيش أي إصدارات لا في اكتب و لا ملامح لحدّ إسمه " خالد عبد القادر "..فتحت بنفسي أحد إصدارات ملامح , في الفهرس الخلفي لإصدارات الدار لم يكن هناك أي إشارة لـ"سيرة الأراجوز "..
في ساقية أخبرني سكرتير الصاوي أن الجائزة الأولى في شعر الفصحى حجبت لأسباب فنية , لم تمنح لأي أحد أصلا ..كذلك جائزة الهيئة العامة لقصور الثقافة في شعر العامية , و التي حصل عليها خالد هي الأخرى منذ شهور , أخبرني موظف الهيئة ببرود أنه لم يتقدم أي أحد أصلا بإسم خالد عبد القادر..حينها كان لابد من شئ أخير ...اتصلت بـ "إبراهيم السيد " , كان يضحك وهو يقول : خالد عبد القادر مين ؟..كنت قد سألته :إبراهيم إنت عمرك سمعت عن حد إسمه خالد عبد القادر ؟..
اتصلت بـ " محمد سيد حسن " و مررنا على التكعيبة , كان هناك زنجي..سألنا "أوسو " وهو يضبط الولعة لشيشة زنجي عن خالد...وصفنا له خالد عبد القادر هذه المرة وصفا تفصيليا..اعتدل " أوسو " ثم قال: أنا عمري ما شفت البني آدم ده..طلبنا تلاتة عنّاب ثم قررنا أن ننسى إلى الأبد أننا قابلنا أي أحد بهذا الإسم


Monday, July 7, 2008




نادية





كنت أنا و نادية في مكتبة البلد , قامت نادية فجأة ثم سارت بين أرفف الكتب وأنا ورائها , تفتح كتابا تقلب فيه بسرعة و عصبية , تتوقف عند صفحة ما تمسحها بعينيها في لا وقت ثم تلقيه إليّ بلا مبالاة : اتفرج ع الكيتش.. , هكذا إلى نهاية الممر , أتناول منها الكتب التي تلقيها إليّ كأكياس فارغة لا علاقة لها بالجاذبية , أمر بعيني على الصفحة التي توقفت عندها ثم أضع الكتاب مكانه بحرص , تكون حينها قد بدأت في تصفح كتابا آخر و تستعد لإلقائه ورائها بثقة تامة أنني لن أدعه يسقط على الأرض و هي تردد : كيتش...كيتش ....
نادية..الشقراء العنيفة ...كل ذلك فقط لأنني سألتها باستخفاف : يعني إيه كيتش أصلا؟...


***


الكيتش في كل مكان..هنا و هنا و هنا


***



كل مرة تقريبا , تنبهني نادية وهي تشعل سيجارتها بأناملها الرقيقة : إحنا أصدقاء كويسين يا " عمرو " , صحيح مختلفين كتير بس بنعرف نتفاهم ... و أكون قبلها قد أبديت مثلا تأفف من كلمة ما أو تعليق ما قالته بشأن أسلوبي..
و خارج نطاق نادية , فأنا ليس لي أصدقاء بنات , كلهن وقعت معهن في النهاية في علاقات ملتبسة , أو أحيانا بدون أسباب تمر أوقات طويلة دون أن يرى أحدنا الآخر , هكذا دون مقدمات , فأعتبر صداقتهن منتهية...عرفت نادية خلال " ولاء " _صديقة أخرى , كنت أعمل معها على مشروع التخرج_ حين جلست معها أنا و نادية لأول مرة على مقهى في وسط البلد , لم أفكر مطلقا أن نادية أشبه خلق الله بـ "باربي " سيكون لها هذا الرأس...رأس ملغم و مصفح و ملفوف بعناية بأوراق الجرائد و المجلات و الدوريات السياسية و الثقافية...كنت أنا أيضا لدي اهتماماتي حول هذه المواضيع , أعرف منها ما يحافظ علي ّفي نظر محدثيّ فاهما إلى حد ما ...أما نادية _ وهي تسند ساقا على مسند الكرسي و تريح الآخر _فقد اخترقتني على الفور , أول حديثنا كان أشبه بالمشادة و هي تثبت لي عنف السلطة الذكورية في مصر , تستشهد على ذلك بمشروع التخرج الذي يجبر البنت على استضافة زملائها في البيت في حضور الأهل لإتمام التفاصيل..و عن موافقتنا _ نحن الزملاء الفحول _ على ذلك لنقتحم بيتها و نستمتع بهتك تفاصيل زميلتنا الخاصة حين نكون مثلا في صالة بيتهم و نلحظ ردائة طلاء الصالون أو في غرفتها و يلوح لنا طرف بيجامتها من الدرج غير المغلق جيدا..
و قبل انتهاء المناقشة بقليل استأذنت "ولاء" بتبرم كي لا تتأخر عن مواعيد البيت كأنها تؤمّن على كلام نادية التي أشاحت لها في لامبالاة كوداع سريع..و بقيت أنا و نادية..صمتنا قليلا ثم أشعَلَتْ سيجارة في توتر , كنت قد أرهقتها بنبرتي الساخرة عن " الفيمنيزم " وأن الحديث عنه صار مبتذلا إلى حد كبير..نظرت نادية إلي عينيّ بتحد و قالت :الفيمنزم مش كيتش ....لو ليك أخت كنت حتخليها تقعد مع صاحبها على قهوة ؟
ابتسمت_رغم عدم وضوح "كيتش " لي بشكل كامل _ ,و قلت في انتصار واثق : أكيد... قهقهت نادية بشكل لم أتوقعه , ضحكات حادة مغرية إلى حد كبير...قابلتها بعدها صدفة في مكتبة البلد و تبادلنا أرقام الموبايل...

***


لم أتحدث عن مزاج "نادية " , و لكنها بعد أن عرّفت لي " الكيتش " صارت تستخدمها بغزارة أكبر من الأول , نادية مثلا أخبرتني أنها بدأت التدخين منذ فترة قصيرة جدا , لم يمكنني أن أخمن ذلك لكوني غير مدخن , لكنها حين اعترفت لي بدأت ألاحظ..مدونتها يمكن التعبير عنها أنها "سيجارة نادية نصف المشعلة " , تنفخ فيها بعصبية و عنف , تجاه جميع أشكال الحميمية ..تستمتع كثيرا باستنفاد مشاعر الأخرين في الإتجاه المعاكس : تُحوّل هذه المشاعر إلى شئ مقزز لزج فائض عن الحاجة..لا أنسى الإنطباع الذي منحتنيه نادية حين أخبرتها عن شعوري تجاه ولاء ...بحسّ إن ولاء ملائكية جدا...فيها طهرلا يمكن مقاومته رغم شراستها هي كمان ...نادية منحتني انطباعا بالقرف.." ناقص تقول ولاء دي بونبوناية حمرا في كفك الصغنتوت "...لم أعلق, فقط فكرت أنها ربما ستكتب عن ذلك في مدونتها حين تعود في آخر الليل إلى البيت...بعدها تناقشنا عن العلاقات و ما خرجنا به هذه المرة أن نادية ترى جميع أنواع العلاقات العاطفية التي رأتها أو شاهدتها أو سمعت عنها كانت " كيتش " بشكل أو بأخر...صنعه أشخاص مبتذلون لا يملكون الحس الكافي لصنع علاقة حقيقية واحدة...حاولت أن أقنعها أن المشاعر أو الإنفعال عموما هو الغلاف الذي يتحرك به المرء غير مدرك بوجوده إلا حين يتخلص منه..يخرج منه مثل كابينة التليفون ثم يلتفت ليتأملها بعد ذلك..قد يراه مبالغا فيه و مبتذلا أحيانا لكنه أبدا لا يفلت منه ....ضربت لها مثالا _لم يكن دقيقا في الحقيقةِ _ أني أرى هوسها بأفلام تارانتينو كيتش بشكل أو بأخر..جادلتني بشأن تعريفي للكيتش..تارانتينو أصلا أفلامه تريقة على الكيتش..يا نادية أنا أقصد حماسك نفسه ...عوجت رأسها في ضيق , نبهتها أنني حصلت على التعريف منها , ابتسمت في سخرية و شئ من الثقة : عمرو..الكيتش ملوش تعريف..الكيتش ده إحساس زي الخرا بتحس بيه إزاء حاجات مقززة في ذاتها ..مثلا...ولاء ملائكية جدا..تقدر تقولي رأيك حيكون إيه في ولاء لو شفتها مثلا قبل ما تلبس الحجاب و تحط ميك أب...وهي في الحمام مثلا ؟...انهيتُ الحوار...صوتنا كان عاليا و نادية عصبية و عنيفة...بدأت تهذي:..إنت "كيتش" متحرك يا عمرو...ولاء...ملكة الطهر الثلجي و ينبوع البراءة..ولاء السندريلا..يععع

***



جلس جواري "أيمن " على الأرض ,في النت كافيه , كان قد فتح الوقت لأحدهم دخل منذ دقائق.. كان المكان مظلما وراء جهازه الذي يدير منه المكان, مد لي سيجارته غير المتناسقة فأشرت له أن لا , كنت فقط أريد أن أستمع إلى الأغاني في ظلمة النت كافيه مغمض العينين , أستمتع بالصخب الذي يجبر أيمن الجميع في الكافيه على تحمّله , جلسنا صامتيْن , قليلا و كان عبد الباسط حمودة يعلن عن نفسه...."أنا... أنا مش عارفني..."..التفت لي أيمن : عمرك قبل كده عيطت و إنت بتسمع أغنية يا عمرو؟ , كنت لازلت مغمضا حين فكرت في أغنية فيروز أعطني الناي و غنِّ التي بكيت طويلا حين سمعتها للمرة الأولى من فرط الإنفعال...لم أرد...لكني اعتدلت بفزع..أيمن كان ينشج و السيجارة مدلاة بين أصابعه إلى الأرض.." قوليلي إيه يا مرايتي...قوليلي إيه حكايتي..قوليلي...تكونشي دي نهايتي و آخر قصتيييي "..لم أعرف ماذا بالضبط علي أن أفعل ...لم أصدق أصلا أن أحدا يبكي من الإنفعال مع أغنية كهذي مهما كان بائسا...فكرت في نادية و بهاء...بمعنى أصح : هل أعيش الآن موضوعا للكيتش أم لا..أيمن خريج معهد التعاون و صاحب النت كافيه...كان يبكي بحرقة..




ببص لروحي فجأة لقيتني
لقيتني كبرت فجأة...
كبرت
تعبت من المفاجأة
و نزلت دمعتي
قوليلي إيه يا مرايتي
قوليلي إيه حكايتي
تكونشي..
تكونش دي نهايتي
و آخر قصتي

يا ليل الجرح يا اللي
معايا زي ضلي
ومآنس وحدتي

سرقت عمري كله
خلاص ما بقاش فاضلي
غير جرحي ودمعتي

جريح ودا مش بيدي
ما خدتش بس بدّي
زرعت يا ناس ورودي
جنيت الشوك لوحدي

أبص لروحي فجأة لقيتني
لقيتني كبرت فجأة
كبرت
تعبت من المفاجأة
و نزلت دمعتي....
قوليلي إيه يا مرايتي
قوليلي....
....
..




تأثير نادية أقوى مما يمكن أن تتصور هي , أراها أسبوعيا تقريبا , سواء بمفردنا أو مع آخرين , نادية مثيرة جدا بجسدها الصغير في ملابسها الضيقة , نادية جذابة جدا برأسها المصفح و نقاشها الطويل الذي تبدو فيه مؤمنة إلى أقصى حد بكل كلمة تصدر عن شفتيها الحادتين, و اللتين تتوتران طوال فترة كلام محدثها لتشير إليه أنها مخنوقة جدا , و مع ذلك في المرات القليلة التي كانت تبدو لي فيها مرهقة من طبيعتها الحادة و مزاجها الصعب , كانت تصمت طويلا أو تبتسم في استخفاف وهي تضحك بشكل صاف...أنا أبدا لن أختار أن أعيش مع بنت مثل نادية...لكن إن اضطررت لذلك فأعتقد أنني سأكون ممتنا لذلك في قرارة نفسي , رغم كل الغيظ الذي أفاجأ به تجاهها حين تبدأ في الكلام بحدّة عن السخافة التي تملأ الكون..أنا الآخر تم تسميمي بمزاجها العنيف..صرت أشعر بإبتذال السذاجة أو الإنفعال..لم أجرؤ مطلقا أن أتحدث _سواء كنا وحدنا أو في حضور أصدقائها المصفحين بنفس المزاج _ المستمتعين دائما بالحديث عن الكيتش _ عن اختياراتي الخاصة..الأغاني الوطنية الجديدة مثلا , التي تثير أحيانا قشعريرة من النبل في عمودي الفقري...لن أعرض نفسي أبدا أن أكون مثالهم عن "الكيتش "....و لذلك صرت بالدور لا ألحظ في أي أغنية سواء عاطفية أو أي شئ سوى درجة الردائة التي تشتبك في أدق أشكالها بالصنعة الفنية...وهو ما لا يخلو منه أي شئ...الفنان يكون دائما محاطا بالغلاف الكامل لمشاعره يا نادية حين يقرر أن يضع تفصيلة أو انحناءة أخرى في الخط..نحن فقط لا نلحظ ذلك أحيانا لأننا كثيرا ما نكون محاطين بالغلاف نفسه أو بفعل الوهم... قالت نادية بعد أن سمعت ذلك : بالظبط..نادر لما تلاقي عمل فني زيرو كيتش..الكارثة إنك مش فاهم كده يا عمرو..إسكت يا "عمرو "...إسكت..
لم استمتع أبدا بلوحات فان جوخ قبل أن تتحدث عنها نادية...نادية كانت تتحدث عن الأصفر كأنها تتحدث عن الله..بعد أيام كنت أنا الآخر أتأمل لوحته " الغرفة " و أشعر لأول وهلة بعمق الأصفر و عظمته...الأصفر... كيتش فان جوخ المفضل...


***


نادية :
عمرو بالنسبة لي كان حد إنفيريور...الناس اللي حواليك تقدر تقسمها لـ inferior و superior , ناس ليك تأثير عليهم و ناس إنت تحت تأثيرهم....بس عموما الإنفيريور بيبقوا مملين جدا بالنسبة ليك...مهمين أحيانا لما تحتاج إن يكون لهم دور دلوقتي إنت تحدده...ناس مش حقيقيين لإنهم طول الوقت بيحافظوا على إنهم يرضوك بشكل أو بآخر..شئ مقزز جدا الضعف الإنساني الغير مشروط ده...

***


لم أحكِ أيضا عن "بهاء" , المهندس الأسمر الذي لن تلتفت له أبدا إلا حين تجلس معه مرة و بعدها لن تلتفت في حضوره إلى أي شئ آخر , من رواد وسط البلد العتاة و مهندس برمجيات لا أحد يعلم عن عمله الكثير قدر ما يعرفون عن تاريخه الفني في وسط البلد , مخرج مسرح شارع , منظم معارض فنية , إنسان صاخب و متماسك .." بهاء " كان انتقامي الشخصي الذي لم أختره , نادية تسميه "دودج " ولا أعلم لماذا , قررت أن أترفع عن السؤال فيما يتعلق بهما لأمنحها إنطباعا لا مباليا بشأن علاقاتها الأخرى كما لا تهتم هي كثيرا بسماع أي شئ عن علاقاتي ..هي فقط تسمع حين يتعلق الأمر بسر فضائحيّ لأحد معارفنا المشتركين...تضيق عينيها و تبدأ في الإنصات باهتمام...و بعدين؟....أها...هوّ قال كده ؟..كنت طوال الوقت أبعد عن ذهني فكرة أن يكون بينها و بين بهاء علاقات حميمة أبعد مما أراه أمامي , "بهاء" الوحيد تقريبا الذي يستطيع السخرية من نادية بشكل متواصل , فتسكت تماما وهي تبتسم إبتسامة متنمرة أو ترفع حاجبا ..أحيانا أيضا تضربه بعتاب طفولي على ذراعه حين يستمر في السخرية وهي تصرخ بتنمّر : بس ! , بيني و بين " بهاء نوع من الإرتياح..وضعي في العلاقة كان أشبه ما يكون بأخيها من الرضاعة... أيضا شيئا فشيئا بدأ "بهاء " يعبر بوضوح عن إعجابه بأقصى ما قد يمثله الكيتش لنادية: "شيرين آه ياليل" .. "تامر حسني ".." بهاء سلطان".. فلا تبدو نادية محرجة من شئ كهذا..فقط تنظر لأعلى بصبر نافد , بينما يواصل "بهاء " السخرية من أصدقائها الهشّين أمام حضوره الضاغط , و باقتناع كامل أنهم يعيشون أسوأ أيام حياتهم التي يقضونها في تحليل الأمور بشكل كيتش تماما...ملعون أبوكم على أبو جيم موريسون و هندريكس...أعترف أنني استمتعت كثيرا في وجود بهاء بمشاهد كهذي , و لكن هذا ليس في الحقيقة الذي أردت أن أحكيه بشأن "بهاء " , حينها كان كل ما أفكر فيه أنني الآن في وضع "كيتشي " تماما...نادية كانت صديقة قريبة ...الآن هناك بهاء...نادية منجذبة لبهاء بشكل واضح...كدت أتقيأ من فرط الإهانة و أنا أتخيل مثلث الحب الشهير و كل منا يقف على زاوية من زوايا المثلث , مشهد مقزز في فيلم عربي من الكيتش الخالص..أفسد ذلك مزاجي لأيام..
سألت نادية في هدوء: إنتي إيه رأيك في علاقتنا يا نادية ؟ , علاقة إيه ؟ , أنا و إنتي و بهاء؟ , نظرت لي نادية باستنكار شديد , أنا حاسس إنها علاقة كيتش جدا...إنتي بتخرجي معايا و تكلميني و تطلبي تشوفيني و ساعات كمان تطلبيني بالليل عشان نتكلم..يعني لو بهاء مش موجود كنت أكيد حفكر إنك بتحبيني..., "عمرو" فيه إيه ؟ , مفيش يا نادية..إحنا كنا عايشين لمدة شهرين في كيتش متواصل...لم تحتمل نادية تخيّل ذلك ,فقط ابتسمَتْ في استخفاف.., و بعدين "بهاء" لما ظهر الكيتش إكتمل....هزت رأسها بعنف...بطّل هبل...لا بجد يا نادية !...انطلقت أضحك بشكل متواصل...إحنا كنا في كيتش من النوع الفاخر كمان...قبل ما بهاء يظهر بكام يوم إنتي قلتيلي في التليفون.."عمرو "..أقدر أعتبرك حد قريب مني بشكل كافي !......و قعدتي تحكيلي كمان عن مشاكلك مع أبوكي !... كيتش سوبر يا نادية!... , كنا في مكتبة البلد , نادية لم تعلق ,بدأت تدخن في توتر وهي تنظر تجاهي في حدّة , قليلا و وصل بهاء..بدا أنه لاحظ شيئا ما...حكت له نادية دون مقدمات كل ما قلته , فاجئني ذلك ,حكت له كل كلمة قلناها وهي تنفث دخان سيجارتها بكل هدوء كأنها تشاهد "بهاء" على شاشة سينما...نقل بهاء نظره بيننا, ثبت نظره على نادية و على وجهه تعبير مشمئز : إنتي إتصلتي بيه الساعة إتنين بالليل عشان تحكيله مشاكلك مع أبوكي...و بعدين إيه اللي حصل...قعدتي تعيطي و قفلتي السكة و نمتي و إنتي حاضنة التليفون لحد الصبح ؟ , انفعلت نادية.....اسكت..إيه يا عبيط إنت كمان.., انطلق بهاء: بقولكم إيه..انا ماليش في القصص الحمضانة دي...بص يا عم عمرو...أنا مبحبش مثلث الغرام ده و لا بحب ألعبه..أنا مكنتش فاهم أصلا إن بينكم حاجة..., و كأنه كان يضغط على روح نادية بمكبس معدني ضخم...إيه القرف ده اللي بتقوله إنت كمان ...استرخيت في مقعدي..قام "بهاء" و خرج دون كلمة واحدة...فيما بعد و نحن نسير في الطريق في اتجاه طلعت حرب وقفت نادية و بدأت تسب "بهاء "بعنف...كانت تصرخ بحرقة: إيه الكيتش اللي عمله ده؟...إيه القرف اللي عمله ده ؟..سبتني أنا الآخر وهي تشير إليّ أنْ ابتعد عني..أطلقت لساني بقاموس الشتائم الكامل تجاهها , لم اترك تفصيلة واحدة ... في منتصف الشارع و بعينين مغرورقتين بالدموع , كانت نادية تتأملني في صمت تام ..


***


بهاء :
بنت عينيها زرقا و شعرها أصفر و سنانها كمان صفرا من السجاير بتكلمك كل يوم على الموبايل تعرف إنت فين و عايزة تشوفك...حاجة لزجة جدا...مش عارف إيه اللي حدفها عليا هي و الواد اللزج اللي معاها ..بس اللي حصل في الآخر إنهم طلعوني عايش معاهم قصة بنت ****...أنا أكيد مليش دعوة بالكيتش اللي هما كانوا عايمين فيه ده..سبتهم فيه و مشيت...نادية دي كانت كيتش ماشي على رجلين...



Friday, June 20, 2008


تأريخ



أوقفني فجأة في الطريق و صافحني بشدة , ابتسمت في ارتباك , أخبرني أن روايتي الأخيرة كانت أكثر من مذهلة , واصلت الإبتسام المشوّش..كنت نازلا لتوي من عند الناشر بعد مشاجرة لرب السما على الأخطاء المطبعية الكثيفة في الطبعة الثانية للرواية , موظف الدار الأبله قدّم للمطبعة الملف القديم للرواية بدلا من الملف الأخير الذي تمت مراجعته و تصحيحه ثلاث مرات على الأقل قبل أن يصدر بشكل نهائي في الطبعة الأولى..كان الأمر مفزعا و أنا أتصفح بشكل عفوي تماما نسخة أهديتها لأحد أصدقائي فور صدور الطبعة الثانية منذ شهرين تقريبا , شهران كاملان و أخطائي الطباعية و النحوية القديمة تتجول و تتنشر في المدينة بحرية تامة..مضافا إلى ذلك عصبية الناشر وهو يشيح لي و للموظف بيده كأننا نقف أمامه على نفس الدرجة من المسئولية : دين أم الطبعة التانية إتطبعت و إتوزعت بدين أم الأخطاء القديمة..إنتوا بتستهبلوا..مفيش دين أم أي إهتمام ؟

كانت كفي لا تزال في كفه و هو يحدثني بحرارة عن المتعة الكامنة في السرد و خلطتي الخاصة للإيقاع بالقارئ في فخ النص..واصلت الإبتسام و أنا أهزّ رأسي , أريد ان أنهي الكلام بأي طريقة كانت , أحتاج الآن لأن أجلس وحيدا في أي مكان لأفكر بهدوء بعد الإنفعال و الصراخ العنيف الذي أديته بشكل كامل فوق عند الناشر منذ دقائق..

_إنت مش فاكرني ؟

= أنا آسف.. اليومين دول مش مركز شوية

_ أنا عبد الحافظ...عبد الحافظ سعيد

تأملت وجهه بتمعّن , توجست أن يكون أحدهم , ناقدا ما أو صحفيا كبيرا في أي صحيفة أو مؤسسة بنت كلب تهتم بالأدب..وجهه الأربعيني و ملابسه الأنيقة جدا كانا كافيين جدا لأرتبك أكثر و أبدأ في الإعتذار أنني لا أذكر الإسم ..

_ مش فاكرني إزاي ؟...أنا عبد الحافظ ..جيتلك في الجرنان من 3 شهور...جيتلك في القسم بتاعك...التحقيقات..إنت لسه هناك صح ؟...و بعدين طلبت منك أقابل مسئول النشر في الصحفة الأدبية...مسئول نشر إبداعات القرّاء..كنت قابلتك على قهوة التكعيبة قبلها بكام يوم و محمد فهمي صاحبك عرّفنا على بعض...و قلتلك إني بكتب قصة و نفسي أنشر في الجرنان عندك...بالأمارة كمان إنت إستغربت من حكاية القصة القصيرة جدا دي...هههههههههههههههههههههههه..فقريت لك 3 قصص قصيرة جدا و قلتلي ساعتها أبقى أعدي عليكم في الجرنان..

كنت قد تذكرت الموضوع كاملا حين وصل لمحمد فهمي , لكنه كان له اسلوبه في الكلام الذي لا يمكنك أبدا إختراقه بشكل مهذب إلا إذا أضطررت للصراخ في وجهه : خلاااااااااااص...أفتكرت خلاص ينعل ميتين أهلك..

= آه آه..افتكرت...أنا أسف جدا يا أستاذ عبد الحافظ ...اليومين دول أنا فعلا مش مركز

_ ولا يهمك..أنا عارف إني بزعجك ...بس متعرفش ليه منشروش القصص بتاعتي لحد دلوقتي

= أنا فاكر إنهم نشروا قصتك يا أستاذ عبد الحافظ

_ إنت متأكد ؟؟

= آه أفتكر من كام إسبوع شفت قصة قصيرة جدا منشورة في بوكس في الصفحة الأدبية

اتسعت عيناه على نحو مفاجئ , رفع أنامله إلى شفتيه و حدّق فيّ بذهول ..

= بس كانت قصة واحدة إنت عارف المساحة و الـ..

_ أنا مش مصدق...مش معقول...إنت متأكد بجد !!

خمنت أنه ربما انزعج من نشر قصة واحدة من قصصه القصيرة جدا التي لا تتعدى الواحدة فيهم السطر و نصف

= أيوه يا أستاذ عبد الحافظ...أنا فاكر كويس إني شفت حاجة زي كده...بس متتضايقش ...المساحة دايما بتحـ..

_ لا لا أبدا...أنا مش عارف أشكرك إزاي...بجد أنا بشكرك جدا جدا

شد علي يدي مرة أخرى و تصورت أنه سيأخذني بالحضن أو ماشابه...كان كل ما فعلته حين دخل قسم التحقيقات أن سلمت عليه باهتمام قليل و أنا أجري للحاق بسكرتير التحرير في الردهة , بينما رمقه الزملاء باستغراب ببدلته الأنيقة جدا و هيئته الأقرب لرؤساء مجالس الإدارة و عندما عدت إليه وجدته جالسا أمام مكتبي فسلمت عليه مجددا و وصفت له الطريق إلى حجرة المسئول عن القسم الأدبي بسرعة و أنا أعدد له فضائل أن يقدم له أعماله هو بنفسه دون أي توصيات فذلك هو الأليق بالأديب الحقيقي و العصامي و العظيم...

لم يكن لدي أي فائض عاطفي تجاه إبتهاجه البالغ , فقط هززت رأسي في تفهّم , أما هو فظل يلوم نفسه مرارا و تكرارا على عدم شراء العدد في ذلك الأسبوع تحديدا و وعدني بالبحث عنه و كم هو سعيد بلقائي اليوم و أسعد بقراءة روايتي وووو...

تصافحنا و انصرف و زفرت أنا بقوة بعد خطوتين أو ثلاثة...التفت لأعبر الطريق فوجدته أمامي مباشرة:

معلش...حضرتك قلتلي العدد ده كان بتاريخ كام بالظبط ؟.



* *


قررت أن أراجع الليلة ملف الرواية القديم كاملا بعد أن أدخلته الطبعة الثانية تاريخ الأدب , تخيلت أثر ذلك و أنا أسترجع كل ما فعلته بعد نفاد الطبعة الأولى عقب صدورها بفترة بسيطة , أستأسدت و بدأت أكتب مقالاتي النقدية بثقة واسعة و جرأة مطلقة , سحلت روايات و مجموعات قصصية و دواوين شعرية لأصدقاء و غرباء علنا في أشهر الإصدارات الأدبية متكئا على نجاحي الضخم لروايتي الثانية , أثنيت فقط على القليل الذي راقني من الأعمال الصادرة حديثا حينها , أما ما حدث بعد الطبعة الثانية هو أنني كنت أسير عاري المؤخرة في وسط البلد لمدة شهرين , أرفع بيدي للسلام ثم أمر فينفجر الجالسون بالضحك حين يكتشفون ثقب كبير دائري , مقصوص بعناية , في ملابسي فوق مؤخرتي بالضبط..

أن تصدر الرواية بهذا الشكل , فهو ما يلام عليه رسميا الناشر و آلياته , أما ما أتحدث عنه هو أن يعرف الجميع أنني قمت بهذه الأخطاء الفادحة في اللغة و النحو و الصرف أثناء الكتابة , ذلك أنه لو فكّر مصحح الدار أو موظف المراجعة في تشويه صورتي لما ارتكب كل هذه الأخطاء و بهذا الترتيب و التوزيع مذهل العفوية....إنه أنا بالضبط الذي سيفكر فيه كل من سيقرأ نسخة من الزفتة الثانية ...أهون الأمور أن يستاء قارئ عادي من كمية الأخطاء و ينفر مني و من الدار بعد ذلك..ذلك شئ يمكن تداركه ...كل ما هنالك أنه يكفي أن يكون أي حيوان من معارف وسط البلد قد اكتشف الموضوع عن طريق الصدفة... , واحد فقط...و سأكون حينها بالفعل قد سرت لمدة شهرين عاري المؤخرة أمام التكعيبة و البورصة و زهرة البستان..ستشكّل أخطائي وليمة كبيرة تكفي الجميع , أخطائي التافهة و البسيطة التي لا يقع فيها طالب ثانوي مجتهد , ستكون شهادة دخولي التاريخ السري للأدب , التاريخ الأهم , الذي لا تصنعه السير الذاتية أو الأحداث المعلنة , و إنما النميمة التي تتكاثر عضويا حول كواليس كل ما يحدث , و التي تتوارثها الأجيال بشهية أكبر للفضائح القديمة التي لا يزال أصحابها متواجدين ببجاحة غير مقصودة...

حتى الآن لم أسمع من أي أحد , ولا حتى أعدائي الذين اكتسبتهم خلال مقالاتي العنيفة , عن الموضوع , أتوقع ألا ينفذ الناشر وعده بتصحيح ما حدث قبل أسابيع على أفضل تقدير , خلال تلك المدة سأظل أطالع يوميا كل هذه الأخطاء التي تتقافز أمامي على الشاشة كبقع لزجة صغيرة في أنحاء الرواية...أغلقت الملف و بدأت أتصفح الإصدارات الأدبية على النت بحثا عن أي شئ..باغتتني رنة الماسنجر...أنا على وضعية الأوف لاين أصلا !

_ إزيك ...أنا عرفت إنك أون لاين من الفايس بوك...إنت أون لاين هناك :))))

= مين معايا ؟

_ انا عبد الحفيظ !...إنت مش فاكر إيميلي ولا إيه ....عملتلك أد بعد ما إتقابلنا و خدت إيميلك من 3 شهور لما قعدت أنا و إنت و محمد فهمي

= أهلا بيك يا أستاذ عبد الحفيظ :)

_ أنا دورت في عدد الإسبوع اللي إنت قلتلي عليه و ملقيتش حاجة

كنت قد ضربت له أي تاريخ خطر على ذهني في الثلاثة شهور الماضية , وقلت أكيد سيبحث في الأعداد كلها حين يكتشف أني أخطأت في التاريخ..

= إزاي بس...دوّر بس كويس و أكيد حتلاقيها منشورة...

_ أنا جبت العدد والله و جنبي أهو...أرشيف الجرنان على النت مش شغال زي ما إنت عارف..و بطلوع الروح عرفت أوصل للعدد القديم ده..مش لاقي فيه القصة

= يبقى أكيد أنا اختلط عليا الأمر..

_ انا بزعجك جدا أنا عارف بس ياريت تحاول تفتكر كان عدد كام بالظبط

= لا لا أبدا مفيش حاجة...أصل هو أنا بس مش فاكر

_ أوك ... أشكرك جدا...أستأذنك

= سلام

_سلام


* *


أسبوعين و الناشر يتهرب مني , و ما الذي يضر أهله في الحكاية , الرواية لا تزال تبيع و لأذهب أنا و روايتي بعد ذلك إلى أقرب صندوق زبالة مهمل على جانبي التاريخ الأدبي.. , بعد غد سيكون هناك حفل توقيع كبير للرواية في مكتبة "الديوان " , تمنيت لو ينتهي الموضوع قبل هذا الموعد ...سَحْبُ كل النسخ المتاحة و طبعة ثانية جديدة و ليحرق الله كل النسخ المشوهة المباعة أين ذهبت...كل يوم تقريبا أخرج من العمل و أمر على التكعيبة ثم زهرة البستان ...أقابل الأصدقاء الموجودين حينها و أنصت جيدا و أبتسم في توتّر...أقوم بعد ساعة أو ساعتين و أنا أتنفس الصعداء أن أحدا لم يلاحظ بعد ..أو فاتحني في الموضوع على الأقل...أحاسب القهوجي ثم أمشي و أنا أتخيل الجميع يكتمون ضحكاتهم و هم يشيرون إلى ثقب دائري كبير يكشف مؤخرتي الكريمة...أعود إلى البيت و أول ما أفعله أتصفح كل الإصدارات الإلكترونية , أما الورقية فانا كفيل بها , و أقوم ببحث في جوجل عن اسم روايتي + "أخطاء نحوية "...أظل متوترا جدا لمدة ساعة إلا ربع تقريبا أنجز فيها كل هذا..ثم أفعل بعدها أي شئ آخر بمزاج سئ...

دخلت على موقع الجريدة التي أعمل بها , قلبت بملل في تحقيقاتي الأسبوعية القديمة ...وجدت في الطريق مقالا شوّهت فيه وجه روائي كبير أصدر رواية جنسية رديئة دافع هو عنها بحرارة , سحلته بشكل حقيقي...ارتجفت و أنا أتخيل مصيرا مشابها...أردت أن أسترخي ففتحت قائمة بأغاني فيروز و تركتها تعمل بشكل عشوائي في مزاجي الذي تم تهشيمه ...ثم ماذا إذن؟...هه ؟...لن يحدث أي شئ...سأذهب إلى حفل التوقيع و أنا أضع عطري الجديد...أوقع للقراء الأرستقراطيين السذج و أنا أبتسم و أستمتع بجلبة حسناوات الزمالك حولي و أنا أوقع لهن..خطر لي أن أشير للأخطاء بشكل استباقي...لكني تراجعت على الفور...سيكون ذلك أكبر حماقة أفعلها في حفل كهذا..ثم أن الأمر كله سيتم حله خلال فتـ..

_ إزيك ؟...عامل إيه اليومين دول يا فنان ؟

الله يحرق الماسنجر و الفايس بوك و الكمبيوتر و الجرائد و القصص القصيرة جدا....الماسنجر كان قد فـُـتح بشكل أوتوماتيكي كما ضبطته أنا و أكيد طبعا أنا أون لاين على الفايس بوك

= :) إزيك يا أستاذ عبد الحفيظ...عاش من شافك يا راجل

_ أنا على فكرة جبت الأربعة أعداد كلهم بتوع الشهراللي إنت قلتلي إنك قريت قصتي في عدد منه

= و لقيت القصة ؟

يارب..

_ لا للأسف...إنت متأكد إنك شفت القصة ؟

= آه... طبعا

_ طيب ممكن أطلب منك خدمة بسيطة

= يا سلام...دا إنت تؤمر

_ ياريت لو تسألي الأستاذ مدبولي مشرف الصفحة عن العدد..

= من عنيا

_ و ياريت لو تقدر تجيب لي نسخة من العدد :)))))

= بإذن الله :)..ححاول

_بتعبك معايا

= لا أبدا

_ سلام

= سلام



**



الناشر لا يزال يتهرب , شهر الآن ولم يتغير شئ , ذهبت إليه مرتين , فتحت الموضوع مرة فذكرني بخفة بالمشاجرة الماضية : دين أم الخناقات مبيعملش حاجة يا "علي"..خلينا رايقين و كله حيتحل مفيش حاجة بتتحل في ساعتها... , الأمر يؤثر عليّ بشكل فادح , الآن مقالاتي أشبه ما تكون بمقالات يكتبها قط شيرازي مخنّث كثيف الفرو جالس على مكتبي في الجريدة , نقد محاذر خفيف , هذا الديوان ديوان مهم...نعم...إنه ديوان مهم...يجمع بين التراث و الحداثة ..الأصالة و المعاصرة...الشاعر في تجربته الشعرية يختزل لنا كذا و كذا...يبهرنا برؤيته الماروائية للأشياء, وفي آخر المقال لا بأس من : و في النهاية لا يسعنا فقط إلا أن نشير إلى هنّات لا تُنقص من قيمة العمل بل ترفعه لمصاف الأعمال الإنسانية بكل ما في الإنسانية من قابلية للخطأ تحسدنا عليها الآلهة و ذلك في كذا و كذا سطر كذا صفحة كذا..

سيكون من السئ أن تكون مؤخرتي مكشوفة فعلا و أكتب بهذه الخنوثة...أنا إذن أدخل التاريخ فعلا بشكل تدريجي و بصورة كاملة التشويه...لن يستمر ذلك أبدا...قليلا فقط أسترد لياقتي الذهنية و النفسية و أوسعكم ضربا و ركلا يا أولاد الكلب..

حفلة التوقيع كانت غاية في الملل , حافظت على لباقتي بأقصى ما أسعفني من تركيز , لا أعرف إلى متى سأظل متوترا هكذا طول الوقت , كأنني أنتظر أن يقف أحدهم في حفل التوقيع مثلا ويصرخ من وراء الجمهور : فيه حد يغلط في إسم إن يا حمار ؟ فيه حد يرفع الفعل المضارع بعد "لم " يا حمار؟ مش عارف تحذف حرف العلة ما قبل الأخير في المضارع المجزوم يا حمار ؟

و هكذا إلى نهاية الأخطاء و هو يفتح نسخة مشوّهة و يدور بها في مكانه ليريها للجميع...

أتذكر أنني ارتجفت حين حطت يد على كتفي فجأة من الخلف , استدرت بفزع

_ مكنش ينفع ماجيش

= إيه...آه....أهلا أستاذ عبد الحفيظ...إزيك ؟

_ كانت حفلة جميلة والله...مبروك يا فنان..عقبال الأعمال الكاملة

= الله يبارك فيك

_أنا عارف إنه مش وقته بس يا ترى وصلت لحاجة بخصوص القصة بتاعتي..

= والله حضرتك أنا سألت الأستاذ مدبولي بس هو برضه مكنش فاكر..

لم أسأل مدبولي

_ طيب حاولت تعرف التاريخ من الأرشيف عندكم...إنت عارف مش بيرضوا يطلعوا الأعداد لأي حـ..

= لا للأسف

_ ياريت تحاول...أنا تاعبك معايا فعلا

= لا أبدا متقولش كده

أنقذني ثلاثة قرّاء تدخلوا لأوقع لهم , شكرا للرب , انشغلت معهم و أنا أخمن أنه لا يزال واقفا ورائي ليؤكد علي كي لا أنسى..

رفعت يدي أحيي قرائي الثلاثة ثم التفت لمحمد فهمي على يميني فوجدته و الأستاذ عبد الحفيظ يثرثران..صافحناه أنا و محمد لنغادر فشد علي يدي وهو يبتسم : ياريت متنساش تسأل الأرشيف



* *




_ إزيك ؟

= أهلا

_ اول مرة تطلع أون لاين يعني :))

= لا مفيش بكلم واحد صاحبي في أمريكا

_ طيب مش حعطلك...عرفت التاريخ ؟

= لا للأسف...معرفتش ألاقيه

_ أنا بزعجك معلش ...

= إنت بتزعجني فعلا

_ أنا آسف جدا جدا يا أستاذ "علي"....أنا بعتذر لك بجد...مكنتش أعرف إني ضايقتك كده

= لا مفيش مضايقة ولا حاجة

Ali wezza appears to be offline



**



حدث ما كنت أخشاه , محمد فهمي ارسل لي رسالة مقتضبة على الموبايل من دقائق ليخبرني أن الناقد الكبير "عباس العفريت " كتب مقالا عن روايتي في الحياة اللندنية , عباس العفريت سبق و أن كتب عن روايتي الأولى مقالا تهت به على الجميع , نشرته على المدونة و على الفايس بوك و احتفظت به لفترة في محفظتي , أما مقال جديد في هذا التوقيت فذلك كان كافيا أن أغادر الجريدة فورا لأشتري الحياة , نزلت السلم أجري و بينما أدور حول جدار الردهة الكبير كان عبد الحفيظ أمامي مباشرة , كدنا نصطدم لولا أن رفع رأسه و توقف في دهشة...

_ ابن حلال...أنا كنت جاي أعتذر لك و أسأل بنفسي في الأرشيف...

ماذا يحدث...ما المهم جدا في أم سطر و نصف بائسين ليستهلك هذا الرجل الوقور كل هذا الوقت في التفتيش عنهم..

= لا مفيش حاجة يا أستاذ عبد الحفيظ...أنا بس حستأذ..

_أنا فعلا آسف إني أزعجتك الفترة اللي فاتت...بس هي أصلها حاجة مهمة في تاريخي

= حصل خير...انا حـ

أمسك بذراعي و نظر في عيني مباشرة وهو يقول:

_ لو فعلا حطلب منك شئ أخير...

سكتَ لبرهة بينما كنت أفكر في أن أدفعه بكل قوتي في صدره و أجري

_ ياريت تدخل معايا الأرشيف دلوقتي...نطلع العدد

نظرت إلى حيث نظر...كان بجوارنا بالضبط باب الأرشيف...سحبت نفسا عميقا...حسنا...إذا كان ذلك سينهي الموقف بن الـ**** كاملا... فلننهِ الآن...

حررت ذراعي و دخلت على الفور , أشرت لموظف الأرشيف بضيق أن يخرج لي نسخة من كل الأعداد في الأربعة شهور الماضية...نبهني عبد الحفيظ إلى أنهم 3 فقط من شهر كذا إلى شهر كذا...لم التفت إليه..ناولني الموظف طلب إخراج الملفات و ذهب ليحضر لي الملفات فوقّعته بسرعة و أنا أتمكن بالكاد من الإحتفاظ بأعصابي....عاد الموظف و بلهفة قلّب عبد الحفيظ في الأعداد الداكنة بينما ينظر لي الموظف باستفهام...كنت هناك...في الصفحة 13 من الحياة

اللندنية أفكر ماذا قد يكون ما كتبه العفريت عني , تاريخي الأدبي الكامل مهدد بينما أقف الآن لأنفذ رغبة تافهة بشأن سطر و نصف تافهين لمخلوق مغمور يبحث عن تاريخه الأدبي ..

رن الموبايل , كان زميلي في التحقيقات , يسألني أين أنا....انفعلت و أنا أخبره أنني لن أرجع اليوم...خرجت في ستين داهية...و ينعل أبو الجرنان على الشغل على الـ...سكتّ فجأة...كان عبد الحفيظ قد اعتدل وهو يفتح عدد ما...يتأمله بشكل عميق....يحدق في الصفحة بنظرة جامدة...ثانية ثم

_ لقيتها....لقيتها

كان يصرخ ...التفت إليّ بعينين غارقتين بالدموع و ابتسامة خافتة ...بينما يشير إلى صندوق داكن في أسفل الصفحة ..سطران فوقهما عنوان بفونت أعرض قليلا : الرجل الذي بلع ظله..

هجم علي و أخذني بالحضن..كان لايزال الموبايل في يدي الممدودة جواري و المقيدة بذراعيه...حضن طويل ثم أخلى سبيلي وهو يمسح دموعه و يخبرني بصوت متهدج : أقدر أصوّرها ؟

نظرت للموظف الذي يتأملنا في ريبة فتناول منه العدد على الفور و وضعه على ماكينة التصوير ..لم أتفوّه...فقط شكر عبد الحفيظ الموظف و تناول النسخة...التفت إليّ , قال بلهجة ممتنة إلى أقصى حد وهو يهز رأسه الأشيب قليلا كأنه ينحني : أشكرك..أشكرك , صافحته في صمت...استدار و خرج...تابعته وهو يعبر بوابة الجريدة الكبيرة , يضم الورقة إلى صدره بشدة و يرتجف...



Thursday, June 5, 2008




Gigolo




أهلا بيكم في حلقة جديدة من برنامجكم المفضل جدا "just do it " ..
إزيكم كلكم عاملين إيه.. زي ما بعمل كل مرة , حختار لي النهاردة إسم جديد و ليكن مثلا... "جيجولو"...
أهلا بيكم معاكم "جيجولو" لمدة ساعة على الهوا نتكلم عن أي حاجة..
طبعا ممكن بكرة ألاقي حد بيشتمني في الصفحة الأولى عشان إخترت إسم زي ده .. ههههههههههههه..بس غالبا ده مش حيكون له أي أهمية..أنا حر أسمّي نفسي اللي أنا عايزه ..هههههههههههههههههههـ.... ببساطة أنا مش عايز أكون نموذج مشرّف للمذيع الناجح..أنا مش مذيع في الحقيقة..أنا جيجولو..ههههههههههههههههـ.و بتكلم في الميكروفون ده عشان أقضّي وقت فراغ لطيف..بس على الأقل ممكن نقول إن محدش حيسهر لحد الساعة إتنين بالليل و يفتح الراديو عشان يسمع نموذج مشرّف ..
و بالتالي..مستمعيني الغير منتظرين لقدوة على الهوا النهاردة , معاكم : "جيجولو"...
وصلتني إيميلات من ناس عايزة تعرف إسمي الحقيقي...و حقولكم تاني رأيي اللي بوافق فيه كاتب لاتيني مش فاكر إسمه في رواية مش فاكر إسمها ...بيقول إن السر عبارة عن هرم من ورق الكوتشينة...لو بأي شكل شلت ورقة واحدة ..بقية السر كله حينهار إن عاجلا أو آجلا.. بس .. ف لو قلت إسمي الأول حتعرفوا أنا مين بالكامل و بشرب إيه فين و ليه ... يعني بقية السر حيتسرسب ورقة ورقة....أنا برضه مش شايف أي أهمية لإسمي....أنا جيجولو...معاكم لمدة ساعة.....بكرة حيكون حد تاني..فأفضل طريقة نستمتع بيها دلوقتي ... إنكم ... تتصلوا ... بيا ....

حستناكم بعد تامر حسني...


ويلكم باك...هاو دو يو دو....أول إتصال...
_ ألو
=أيوه أهلا بيكي مين معايا
_ أنا سارة... إزيك يا جوجولو..
=هههههههههههههههههـ....جيجولو يا دينا...أنا جيجولو....لوك إت أب...بصي عليها في القاموس
_ اها أوكي....إنت إيه أخبارك ليه إمبارح مكملتش حكاية المخدة البمبي ؟
=ممممم...مش فاكر يا سارة بصراحة...ههههههههههههههههههههههههههههـ....أنا مش فاكر أصلا إيه قصة المخدة البمبي دي.....إنتي متأكدة إنك كنتي بتسمعي نفس البرنامج ... ههههههههههههههههههههههههههه..
_ أيوه طبعا !
=طيب يا سارة ...حنتفق...إمبارح ده إنتهى من التاريخ خلاص....يعني إحنا دلوقتي فوق طوبة متعلقة في الفضاء إسمها النهاردة..وراها فراغ...قدامها فراغ...سارة أنا عايزك تغني لنا دلوقتي الأغنية اللي كانت شغالة و من غير تردد فورا
_ طب قبل ما تمشي..خليني..أبكي في حضنك شوية....قبل ما تمشييييييييييييييي.. خلييييييييينييييييي..أبكي في حضنك شوية...
=ذاتس ماي أوديانس....هو ده جمهوري....صوتك وحش أوي يا سارة
_ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه..أصل أنا حامل دلوقتي فأكيد ده مأثر على صوتي...أنا صوتي جميل أصلا
=أوكي يا " آنّا كارنينا " أنا حقبل عذر زي ده بس يا ريت الإتصال الجاي يكون بعد 9 شهور ...
_ أنا إسمي سارة مين آنّا دي..
=أنا قررت أسميكي آنّا كارنينا....واحد صاحبي قاللي إن إسمها آنا كاريننا مش كارنينا ...بس مش مهم...إنتي جميلة يا سارة ؟
_ آه ..يعني.
=أقدر أعرف ليه واحدة إسمها سارة و جميلة و حامل سهرانة لحد دلوقتي بتسمع راديو بيتكلم فيه واحد مسمي نفسه جيجولو ؟
_مفيش...بضيّع وقت...
=إنتي شايفة إن ده كويس ؟
_ طيب ما إنت قلت في الأول إنك بتضيع وقت يا جيجولو..هههههههههههههههههههه
=سيبك مني ...أنا مش نموذج مشرف زي ما قلت...إنتي إيه رأيك ؟
_ عادي...مش بعمل حاجة غلط
= بس ممكن حد يقولك إنه مش صح إنك تضيعي وقتك تكلمي جيجولو و المفروض تكوني دلوقتي بتعملي شئ كويس...
_إنت عايز إيه ...ههههههههههههههههههههههههههههههههههههه
=جوزك وسيم يا آنّا ؟
_يعني...آه
=ممل ؟
_هو مش ممل...هو بس كتير مش بيعرف يخليني أعرف أتكلم كويس معاه
= ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه....لا لا يا سارة... بلاش كده...الناس اللي بيسمعونا يقولوا علينا إيه دلوقتي...الحوار مبتذل جدا....بتكلم مع واحدة حامل و بتحكيلي عن مشاكلها الزوجية .. هههههههههههههه ...كده ممكن أحس إني أسامة منير....ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه....بصي يا آنا ....أنا حاسس إنك مؤهلة جدا تكوني آنا كارنينا...بس إنتي مش حينفع تكوني آنّا كارنينا.. و جوزك ممل يا آنّا...أنا حاسس إنك أصلا متعرفيش مين آنا كارنينا ..هههههههههههههههههههههههه. إنتي إتصلتي قبل كده بأسامة منير ؟
_ كتييييير.....كنت بحكي قصص وهمية و أقعد أعيييييييييييييط كإني عيشتها بالظبط....
=أهااااااااااا....ويلكم آنّا.....طيب تحبي تحكي أي قصة وهمية
_ لأ..
=ليه ؟
_عشان إنت مش أسامة منير...
=ثانك جود ! أشكرك جدا يا آنّا ...بس على كل حال أنا حاسس فعلا إني بقيت أسامة منير....أهلا بيكم..معاكم أسامة منير...ناخد إتصال تاني...
_ألوو
=أيوه يا نجم , إسمك ؟
_ على فكرة يا جيجولو...إنت خـَ *لْ
=هايل
_ و إبن متـ**** و عيل إبن مرة **** و شر**ط
=جرييييت....كمان
_ و عِلـ *...هههههههههههههههههههههههههههههههههههه
=Damn..كمان
_ و مادام جيجولو بقى...إنت بتتـ*** بربع جنيه مخروم
=ذاتس ماي بوي..." نجيب محفوظ", إنت حررتني... u freed me..إنت ملهم يا "نجيب"...إتصالك دلوقتي رفع أسهم برنامجي للسما...ههههههههههههههههههههههههههـ...منتج البرنامج أكيد دلوقتي بيرقص بالروب وهو في إيده كاس ويسكي في فندق معرفوش.....إنت بتتمتع بشئ مهم جدا يا نجيب...إنت دمك خفيف...و ده الشئ الوحيد اللي ممكن في وجوده نتسامح مع أي شئ....فيلم ردئ دمه خفيف...مغني ردئ دمه خفيف.....إنسان سافل دمه خفيف...أي جيف يو ماي فويس..." نجيب " ياريت تكلمنا تاني...ألو
_ ألو...
=هاللو..مين معايا
_ أنا وليد ..
=إزيك يا وليد..إيه رأيك في نجيب محفوظ يا وليد؟
_ راجل فنان...
=أكيد..طيب إيه رأيك في آنّا كارنينا ؟
_صوتها كان حلو يا عم جيجولو...مكنش وحش
=إنت ممكن تحب واحدة زي آنّا كارنينا ؟
_لو مش متجوزة و مش حامل...آه..ههههههههههههههههههههههههههههههههههه
=كنت بتعمل إيه من خمس دقايق يا وليد ؟
_ مفيش..كنت بتفرج على التلفزيون و بسمعك
=تحب تقول أي حاجة تانية يا وليد ؟
_أها...صوتك كان حلو يا آنّا
=بشكرك نيابة عن آنّا كارنينا ..ناخد إتصال تاني.. أهلا أهلا....مين معايا
_ مش حقول إسمي ..بس عايز أقولك إنك مين إدالك الحق بـكُـ* أمك تعمل فيها فيلسوف...
=أنا مش فيلسوف.... أنا جيجولو....ثم إن في الأفلام كلها المواعظ بيقولها بنات الليل..ههههههههههههههههههههه
..الدنيا دي زي السيجارة.....أحسن من الشرف مفيش .. هههههههههههههههههههههه....إلى آخره....قوللي يا "آرثر رامبوو "...إيه رأيك في صوت سارة ؟
_ وإنت مال أهلك ؟....إنت إنسان تافه و برنامجك تافه و اللي بيكلموك عشان يسمعوك تافهين و...
=طيب ما إنتي كلمتني يا "آرثر " ....
_ انا بس إتصلت عشان أتف عليك و أقفل
=و مين قالك إن أي حد بيتصل بيا بيحترمني...هههههههههههههههههههههههههههههههههههـ....كونسيدر إت هير..التفافة وصلت يا "آرثر "....المهم....إيه رأيك في صوت آنّا كارنينا ؟
_ أنا قرفان أصلا إن حد زيك بيعمل برنامج و ليه جمهور...و أكيد بتاخد مرتب على شوية الرغي اللي بتعملهم كل يوم دول...مع إن فيه ناس فقرا و عندها سرطان و ناس معندهاش بيوت من أصله عشان تشتري راديو و تسمع واحد *** زيك
=أوكي "آرثر"...فيه ناس فقرا....بس ربنا هو اللي وزّع علينا كل حاجة...إنت شايف إن ده مكنش صح ؟
_ده سوء توزيع من البشر مش أكتر...بفلوس برنامجك ده تأكل كام أسرة..؟
=كتير يا "آرثر "....بس أنا مش مهتم بالموضوع ه صراحة...نوت إنتريستد...إنت بتتصل بيا دلوقتي أند جيف مي مور ماني تو وايست إن ماي أوون بليجر...إنت بتدعمني يا "آرثر"...
_ إنت إنسان مقرف
=أنا جيجولو..أحييك "آرثر"...كلنا لينا مشاعرنا ....مستني إتصالاتكم...ألو ؟
_ ألو...
=صوتِك جميل ...مين معايا ؟
_ أنا علا....
=أهلا بيكي يا علا....إيه رأيك في صوت سارة يا علا ؟
_ مممممممم...معقول...بس هي إزاي تكذب على أسامة منير....ده شئ مقرف...
=إنتي متابعة أسامة منير يا علا
_ أيوه و دلوقتي مصدومة عشان كنت بتعاطف جدا مع الناس اللي بيحكوا مشاكلهم
=ده حقها...
_ لأ مش حقها...دي أولا بتكذب و ثانيا بتضيع وقت حد تاني يستحقه
=إنتي شايفة إنك تستحقي الوقت اللي بتتكلمي فيه دلوقتي يا علا ؟
_شوف..أنا عايزة أقولك حاجة......أنا مستغربة بصراحة إن برنامج زي بتاعك ده مفيهوش أي حاجة خالص غير كلام يفضل مستمر لمدة سنتين ...أنا كل اللي أعرفهم بيسمعوك...و كتير بلاقي الناس بتتكلم عنك في الكلية او في السي تي إيه ...
=جميل جميل....إنتي عمرك قابلتي جيجولو قبل كده ؟
_ هههههههههههههههههههههههه...لأ طبعا ...إيه اللي بتقوله ده !
=دي مهنة مهمة يا علا ....
_ بص ...إنت ساعات بتقول كلام غريب...إنت ليه مش بتقول حاجة مفيدة في برنامجك ده ..أي ثينك إنك لازم تفيد جمهورك ؟
=و بعدين ؟
_ مفيش...حتبقى عملت شئ جميل
=و بعدين ؟
_ حتستمتع بكده...إنك عملت حاجة حلوة
=طيب و سارة...تغني فين ؟
_ هههههههههههههههههه....متغنيش
=طيب يا علا...أنا مرة في الجرنان لقيت مكتوب مانشيت بيقول " نحن نرقص.."...فضلت طول اليوم مبسوط عمال أدندن وأرقص و أفتكر الجملة "نحن نرقص.." حتى بعد ما عرفت إنه كان غلط مطبعي ...كانت "نحن نرفض.."
_ أها...so ?
=سو غني لنا دلوقتي " يو أر سو جود تو بي تروو "
_ لااا...أنا مبعرفش أغنّي...أنا بس عايزة أقول لأدهم ....فورجيف مي
=أدهم...دونت فورجيف هير يا أدهم...يا جماعة أنا فعلا خلاص قربت أقتنع إني أسامة منير ..هههههههههه...ناخد إتصال تاني...ألو مين معايا
_أنا سالي
=هاي سالي....إزيك ...
_ أنا كلمتك قبل كده كتير...فاكرني ؟
=سالي أنا شايف إنك لازم تاخدي بالك كويس من اللي بتقوليه....هههههههههههههههههههههـ...انا جيجولو !...
_ لااااااااا هههههههههههههههههههههههههههههـ ....مش قصدي كده طبعا...أنا سالي اللي كلمتك يوم الخميس اللي فات
=الخميس اللي فات جيجولو مكنش هنا ....هههههههههههههههههههههههههههههههههه....على كل حال...إيه رأيك أدهم يسامح علا ولا لأ
_ أنا معرفش علا عملت إيه ...بس أكيد يسامحها...على فكرة ..أنا زعلت منك إنك قلت لسارة إنها آنّا كارنينا...و إن جوزها ممل
=أوووه....سالي....الدقة هي فعلا الشئ اللي ينقص الكون...أنا سميتها آنّا....مقلتش إنها آنّا...آنّا ماتت من زمان ..ههههههههههههههههههههـ....إنتي بتروحي سيلانترو يا سالي ؟
_ أها...بروح
=أنا يا سالي كنت بروح هناك كتير...
_ طيب بتقعد في أنهي سيلانترو عشان أشوفك ..ههههههههههههههههههههههههههه
=كنت بروح هناك مع حبيبتي...كنت بدرس في كلية طب.....طلعت ديوان شعر...إشتغلت دكتور لمدة سنتين..بعدين قررت أعمل البرنامج ....بقالي سنتين بعمل ده ...
_ واو !
=تحبي أي أوراق تاني يا سالي...ههههههههههههههههههههههههههههههـ...ببساطة أي حد ممكن يعرف مكان الإذاعة و يعرف إسمي بالكامل...ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه....أسك أباوت جيجولو..إنتي تحبي تقولي إيه يا سالي...؟
_ أنا بحب واحد وهو مش بيحبني...
=اعترف يا سالي إني في حياتي مشفتش حد بيحب حد مبيحبوش و بعدين حصل و حبّه....أعتقد بس ده حصل في كذا فيلم أجنبي بحبهم جدا...ههههههههههههههههههههههههههههههه....ماي بيست فريند ويدنج...وفيلم لساندرا بولوك..أنا بحب ساندرا بولوك جدا...لو حد فيكم يعرفها ياريت يقولها جيجولو بيحبك جدا...سالي...مفيش حاجة إسمها حب...روح أسامة منير تحلق بكثافة في المكان النهاردة...ههههههههههههههههههههههه... مش حيحبك يا سالي....فايند أنذر ثينج تو ثينك أباوت...
ذاتس إت...
ثانك يو أوول...
آنّا..نجيب.وليد..آرثر..علا..سالي...
إحنا أسعد ناس على الأرض الليلة..
أسيبكم مع أغنية ستيفي واندر..
overjoyed ... المُمـ...تِـ....عة



Friday, May 23, 2008

هزّ كتاف




بدأ الأمر تحديدا حين كان الشاعر أحمد الطبّاخ يجري حوارا مع صحفي في أخبار الأدب فسأله عن رأيه في سيد شنّاوي , و أجاب الطبّاخ على الفور : سيد ده روائي عـَ*ص.. , لم يتخيل الطباخ مطلقا ما يمكن أن يترتب على حكم سريع كهذا , لم يفكر أصلا في إحتمالية نشره ليفكر فيما يترتب عليه , لكن ما حدث أن الصحفي اللئيم أصر على نشر العبارة بالضبط كما قالها الطباخ , تحايل على الديسك في المجلة بأن تأخر في إرسال الحوار ثم اتصل بمسئول الديسك يخبره أنه مريض للغاية و لكنه سيرسل المقالة قبل طباعة العدد القادم بأي شكل كان , و لثقة ما يحتفظ بها بتاع الديسك للصحفي , فقد استلم الحوار الذي أرسله الصحفي في الدقائق الأخيرة من هنا و سلمه للطبع من هنا , و هكذا و في اليوم التالي كان الجميع يتحدثون عن حوار أحمد الطباخ و رأيه التاريخي في شناوي..بعدها و خلال مدة تافهة انفجرت الأمور على نحو متصاعد و متفرق و غرائبي...كأنها ثعبان تم تقطيعه إلى عشرات الأجزاء , نبت لكل منها رأس و ذيل ثم انطلقت كل في اتجاه..
شنّاوي كان على التكعيبة حين بلغه الأمر , شرب شايا بالحليب ثم سيجارة ثم شايا بالحليب ثم سيجارة ثانية ثم تناول العدد الذي كان أمامه منذ ساعة على الطاولة و فتحه على الفور على صفحة الحوار كمن يبتلع كأسا كاملا على بق واحد..
وحتى هذه اللحظة لم يعرف أحد إن كان هذا فعلا رأي الطباخ في الشناوي , أم أنه كان يمزح و حسب أم يحاول إقناع الصحفي أنه هو الآخر شخص طبيعي بسيط و أريحي التعامل رغم جائزة دبي التي ربحها منذ شهور, و لأن كثيرين كانوا قد توقعوا مصادرة العدد أو بيان شجب جماعي من الروائيين على أقل تقدير , فعندما لم يحدث أي شئ لمدة أسبوعين كاملين _ سارت خلالهما الحياة كأن شيئا لم يكن _ انتاب الجميع نوعا من القلق المضمر, الكل يعرف أن حجم الإبتسامات المتبادلة في وسط كهذا هو كل شئ , خاصة و أن الحوار تم إجراؤه كاملا على مقهى قريب من التكعيبة...لا في مقر الجريدة مثلا أو في مكان مغلق , صّرح " أُسّ " _ نادل الألفية _: يمكن دائما التعبير عن هؤلاء بإبتسامة واسعة ثابتة لمدة 4 ساعات فوق طاولة معدنية من طاولات التكعيبة , كل اللي بيقعدوا على التكعيبة أصلا تحس إنهم مسجلين خطر مستنيين حد فيهم يقوم يزعق و كلهم حيقوموا حيلبسوا بعض الترابيزات...
و على أية حال , و في اليوم الأول بعد الأسبوعين , كان رد شناوي مدويا...أحمد الطباخ كان قد إنتهى لتوه من جلسة مع الأصدقاء ...قام منتشيا لسبب ما و قرر أن يسير وحيدا في شارع شامبليون...فجأة و شعر بمثانته تضغط على أعصابه بشكل عنيف فأدار ظهره للشارع فوق الرصيف و فكّ أزمته على سور القصر المهجور هناك..كان شنّاوي يرى كل ذلك من موقعه على قهوة عم حسن , قام بهدوء و سار لأول الشارع ثم عاد...كان بيده كتاب اشتراه للتو من ميريت , , فتحه بأنامله بحركة خفية وهو لايزال في يده , تحسس حافة الورق الحادة , تخير صفحة وسطى يمكن التعويل على حدتها المفردة و بينما كان الطبّاخ يرفع بنطلونه اندفع الشناوي خلفه وهو يجري , و في لحظة شد بنطال الطباخ و مرر الورقة كالسهم على مؤخرته..صرخ الطباخ والتفت بسرعة ليرى شبحا ينعطف في أول فتحة ...رفع بنطلونه وهو يتأوه في خفوت ..جلس على الأرض و بكى قليلا..ثم قام و روّح وهو يعرج عرجا خفيفا..

أسبوع و كان الطباخ و شناوي جالسين على التكعيبة , يشربان كولا و عنّاب و كل منهما يحاول أن يتناسى ما حدث , كتب شنّاوي ردا على الطباخ نشروه في أخبار الأدب , ردا مهذبا خايب و مخنث , يستند فيه إلى كل ما يمكن الحديث عنه بشأن الأخلاق و أخلاقيات الأدباء , لكن كل من قرأه كان قد عرف ما حدث للطباخ , يحكي "علاء رافع " القاص الشاب أن الشنّاوي حكى له القصة كاملة و اتفقا على أن تصل للجميع دون استثناء , يقول " علاء " : تاني يوم نزلت وسط البلد و حكيت الموضوع لطوب الأرض بس كنت بقول إني مش متأكد إذا كان شنّاوي اللي عملها في الطبّاخ ولا لأ ...و طبعا الرصاص اللي مايصبش يدوش..و أنا شناوي زمايل في ندوة "حمدون " من سنين و اللي بقوله أكيد أنا متأكد منه..., بعدها فعلا كان الشناوي يسير في وسط البلد كالملك على يمينه " رافع " و على يساره الصحفي " حمادة نبيل " , الأخير كان أول من نشر خبر فوز شنّاوي من سنة بجائزة الساقية , لذلك تم ضمه سريعا لشلة "حمدون "..و رغم ذلك ظل الجميع يحلفون ببلاغة الطبّاخ...الشناوي ده روائي عـ*ص..وهو تقريبا ما ظل يعاني منه الشنّاوي إلى نهاية حياته...

بعيدا عن كل ذلك بقى , فوجئ الجميع بعصابة تداهم زهرة البستان , يحكي بعض من كانوا هناك و نجوا من المذبحة أنهم كانوا يحملون الكرسي بمن عليه ثم يطوحونه على إمتداد الذراع , إلى أن وصلوا إلى علاء رافع و سلامة إبراهيم اللذين كانا قد تجمدا تماما , يحدقان في البلطجية بعيون واسعة و مباسم الشيشة على أفواههم , قليلا و تم سحلهما إلى شارع طلعت حرب..طبعا فكر الجميع في أحمد الطبّاخ الذي ولول يومها على التكعيبة و هو يقسم أنه لا علاقة له بما حدث , إلى أن ظهر السبب الحقيقي وهو أن سلامة وقف فجأة في البستان و أشار إلى سلموني _ شاعر نثر _ : على فكرة يا سلموني...إنت مش مهم خالص.. , انتفض السلموني و هدده فما كان من سلامة إلا أن أشار له إشارة بذيئة وهو يقول : مابقاش إلا بتوع النثر كمان.., و سلامة شاعر فصحى تفعيلة عتيد و عمودي أحيانا , طيب ماذا كان ذنب علاء رافع المسكين...محدش عارف..لكنه على ما يبدو كان وش نحس تام الجهامة , ذلك أنهم وجدوه مرة أخرى في ميدان طلعت حرب , معلقا على التمثال بعين مفقوءة و ملابس ممزقة و محفور على جبهته بمطواة أو ما شابه حرف k ...
أما ما حدث في ساقية فهو أن " شادية " كانت تحيي أمسيتها الشعرية , و على مايبدو كانت ترتدي نفس قميص النوم أو فستان السهرة أو أيا كان الذي ترتديه و تظهر به دائما بالحجم الطبيعي في صورها الكبيرة على الإنترنت , فاستفز ذلك " كمال الخواجة " , الناقد الشاب , و الذي كان ينتظر دون شك فرصة كهذي لترسيخ شجاعته الأدبية و صوته الحر فقام على الفور بعد انتهاء القصيدة الأولى وهو يغمز بعينه و يصيح : مش كفاية بقى ولا إيه...هه...مش كفاية ولا إيه .. , كان يغمز صراحة ً في اتجاه الشاعر الأصلع المشهور "طلعت البرنس " الجالس على يمين طاولة الإلقاء العريضة استعدادا لمناقشة الشاعرة , صرخ الشاعر الكبير و سبّه و هاج و طرده من الندوة فعافر " الخواجة " مع الأمن وهو يلوح بيده المضمومة بإشارة ذات مغزى و هو لا يزال يصرخ : طيب مش كفاية يعني...مش كفاية ؟., ..."شادية " انهارت و غادرت الندوة بعدها بدقائق , عاد خلالها الخواجة بصحبة عدد كبير من شعراء العامية \تفعيلة , يتقدمهم خالد عبد القادر _ سفاح تسلسلي في الأصل _ حائز على جوائز عدّة , يحمل في يده مطواة قرن غزال و على كتفه جنزير دراجة حديثة و سفلتوا المكان بالأرض.."محمد فرّان " _ قاص و روائي _ كان شاهدا حين وقف خالد على المنصة و هو يلوح بقرن الغزال بينما يجوس رفاقه في ساقية بالعصيان إن : اللي ما شافش رافع وهو بيترفع...يشوف الساقية وهي بتتسفلت...
و بذلك انكشف السر , أكمل البازل الناقص "علي زنجي " _مترجم و سائق تاكسي _حين حكى أن خالد أخبره في ساعة صفا على قهوة عم حسن أنه هو من فعلها بعلاء رافع ...فخالد الذي كان في طريقه إلى البيت في إمبابة تذكر فجأة أنه يقرب لأحمد الطبّاخ من بعيد..و رغم أنه لم يكن هناك أي دليل أصلا على ذلك..فقد أوجعته الفكرة...أن يهان قريب له كما حدث للطباخ بعلامة على مؤخرته و يتم التشنيع له كما حدث..فار الدم في عروقه و على الفور عاد إلى زهرة البستان فوجد علاء رافع لا يزال نصفه الأيسرفي الجبس سهرانا لوحده تماما يشرب معسل تفاح و يتأوه بين نفس و آخر فهجم عليه و سحله ورائه من ياقة القميص , مزق ملابسه و علّم عليه في الجبهة بعلامة خالد المميزة و الشهيرة...k
في مكان بعيد تماما , كان عماد دربالة _عامية نثر _متكوّرا خلف تويوتا بيضا ميكروباص يراقب قهوة الندوة الثقافية خلال الشبابيك , كان ينتظر "بهاء القرد" _ فصحى نثر _ الذي وشى به لدى الهيئة العامة لقصور الثقافة بأن ديوانه الذي قدمه أخيرا للمسابقة تم نشره قبلا وهو ما يخالف لائحة المسابقة, كان ذلك منذ كام شهر , و ما إن ظهر "بهاء" و جلس وسط رفاقه و طلب تفاحة و مبسم حتى وثب عماد إلى منتصف المشهد فاتحا مطواته وهو يصرخ : قـَبـّل يا بن المتـ**كة...قـَـبّل..., و على الفور كان بهاء على أول الشارع و وراءه عماد...ما يشبه ذلك حدث حين تقابل "كريم الباشا "_ الروائي و الصحفي _ مع " فؤاد جمعية "_بتاع كلّه _ في شارع قصر النيل...اشتبكا على الفور بالأيدي و تمرمغا على الأسفلت في عراك عنيف ..كان من يقف في نافذة ميريت يمكنه أن يشاهد كريم بوضوح في منتصف الشارع الخاوي تماما وهو راكب على فؤاد ويلكمه بعنف بينما ينشب فؤاد أصابعه العشرة في عيني كريم...فؤاد تقريبا كان قد تحدث في ندوة رواية كريم الأخيرة "بلاي ستيشن" و خبّط جدا حين أخبر الجميع قبل أن يرحل بهدوء من الندوة : الرواية دي نجسة ..., و على ما يبدو لم ينسها له كريم الذي أوجعه أنه أول من قدم جمعية للحياة الثقافية..
لم يتوقع أحد أبدا أن تصل الأمور إلى هذا الحد , لدرجة أن "سعيد إسكندر " _روائي مؤدب _ بينما كان على التكعيبة مع مجموعة من الأدباء يتحدثون عن قصته الأخيرة في أخبار الأدب و يثنون عليها بحفاوة , توتر اسكندر جدا كعادته في تلقي المديح ثم انفجر الولد فجأة ودون أي سبب واضح : اللي حيقرب مني حطلع ديك أمه....حطلع ديك أمه.., و دفن وجهه بين كفيه وهو يرتجف من البكاء , فالتف حوله الناس يطبطون عليه و يقدمون له زجاجة البيبسي التي لم يشربها إلى أن فوجئ الجميع بخالد عبد القادر يقترب ببطء يسير ورائه كلب التكعيبة الأسود الشهير " رمزي شاعر عامية " يهز ذيله برتابة ,قال خالد بهدوء وهو يشعل سيجارة على جانب فمه : حد عمل للواد ده حاجة ؟ , فنفوا جميعا في صوت واحد أن يكون أحدهم مس إسكندر بسوء , سحب خالد كرسيا و جلس فتحرك الجميع, سعل و قال لإسكندر بنبرة ثابتة : كنت بتعيط ليه ياض, رفع إسكندر رأسه إلى خالد , أكمل خالد :هما كلمتين..قلبك ميت..كمل كتابة...حتعمل فيها هاني سلامة يبقى تقضيها فن تشكيلي أحسن....هز " رمزي شاعر عامية " ذيله مرتين مؤمنا على كلام خالد الذي قام و ربت على كتف إسكندر و مضى..

بعدها اندلع الجميع في الصحف و الإصدارات الأدبية على نحو غير مسبوق , محمد فرّان يصرّح أن سلموني فعلا مش مهم خالص , سلموني يعلق في مانشيت صحفة أولى : أمك يا فرّان , الطبّاخ : كل روايات الجيل القديم كانت روايات مخنثة أصلا , الجيل القديم : لا إنت اللي دكر ياض.. ,الخواجة : يا شادية حقول لأبوكي... , البرنس: أيوه..أنا اللي بكتب القصايد لشادية...ميتين أهلك يا خواجة ,على حسني : مكانة الشعر العزيزة في مأزق بسبب أولاد الو*خة بتوع النثر زي بهاء القرد , بهاء القرد : عزيزة دي تبقى خالتك يا حسني , كل هذا و الصحفيون مستمتعون تماما بالرواج الأدبي الحاصل بعد قفزة تاريخية كهذي في حرية الصحافة الأدبية و المبيعات ..
المدهش هو عودة المقالات النقدية العنيفة و المعارك الأدبية الطاحنة للطفو كجثث حيتان ضخمة كانت راقدة طوال الوقت تحت على قاع النيل , صار من النادر قراءة مقال واحد يثني على أي عمل أدبي , شيئا كهذا كان يحدث كل أربعة أو خمسة أعداد من الإصدارة الأدبية , تكتظ خلالها صفحاتها بكافة أشكال المقالات النقدية الحادة و العدوانية التي لا ترحم أدق أشكال الردائة الفنية , أدق تفاصيل الضعف الفني..
أما الصحفي الشيطان الذي فجّرالأحداث فظل يتحسس الأخبار بقلق , شنّاوي كان حكيما ليتركه يتعظ من مؤخرة الطبّاخ المجروحة , أيضا شنّاوي بعد أن وصله ما حدث لرافع , و أن "حمادة نبيل " صار رفيق خالد المطيع أرسل له شناوي مع " "تهتة " بتاع السندويتشات قصاصة صغيرة تسلمها حمادة بقلق في السر و أستأذن خالد و ذهب ليقرأها في مبولة التكعيبة : لا تُكـَـسْكِسْ...و إن منحوك الذهب...
كل هذا بينما كان حمدون هناك , يثأر أخيرا لروّاد ندوته , اتجهت عصابته أولا إلى دار ميريت , كان يعلم أن "كريم الباشا " يسهر هناك ..." كريم " أنتيم خالد عبد القادر, فاحتجزوه هناك و أرسلوا لـ " خالد " أن أحضر حالا و إلا لن ندع في مؤخرة كريم خلية سليمة.."كريم " كان قد كتب مقالة انتقد فيها بضراوة الحفاوة المبالغ فيها تجاه رواية "حمدون " الأخيرة التي اعتبرها كريم " تهتهة " و "تصابي " يحاول بهما الأديب العتيق اللحاق بركب الرواية الحديثة..كانت فرصة سانحة لحمدون كي ينتقم دون أن يبدو ذلك شخصيا , لكن خالد لم يأتِ..لأنه كان قد قام بدوره بعد "حمادة نبيل " إلى المبولة , كان يدندن: فكّر بغيرك...و أنت تعد فطورك...لا تنس قوت الحـمام.., و هوت على رأس خالد فازة شيشة من الخلف , تحطمت و دكت رأسه في الحائط...أطلق حمادة نبيل بعدها ساقيه للرياح , حمادة الذي لم يتوقع أحد أنه مؤسس جروب محبي "شادية " على الفايس بوك ولكن اكتشفنا كلنا ذلك لاحقا...بالطبع حمدون كان قد بدأ تمرير الكتب ورقة ورقة على مؤخرة كريم...إلى أن عاد رسوله يخبره بما شاهده في التكعيبة فور وصوله إلى هناك...أكيد يعرف الجميع ما حدث بعد ذلك لنبيل...و أين تحديدا كان يوجد حرفا الـ k الكبيرين بعد تعافي خالد و عودته لوسط البلد , ما ظل غامضا هو لماذا لم يقرب خالد "سيد الشناوي " بأي سوء..يدور الأمر و يكتشف الجميع أن خالد كان سهرانا مع الصحفي إياه ليلة الحوار و هو الذي اقترح عليه وهو يسعل بالدخان أن ينشر الحوار كما هو , و بدافع تأنيب الضمير تجاه شنّاوي قرر أن يتجنبه...وهو ما يثبت , رغم كل شئ , أن الأدب أخلاق مش هز كتاف...




Tuesday, April 29, 2008



حبيبي دائما




كانت قادمة من بعيد , فكر أنها تمشي بسرعة جوار سور الكورنيش , أسرع من المعتاد , فتصدر الجيبة الضيقة صوتا قريبا من خفقان أشرعة مراكب النيل التي يراقبها منذ ساعة , حين فكر في التشبيه بدا له مناسبا جدا , يكتبه مثلا في مذكراته الخاصة: جيبة دعاء كانت تخفق كأشرعة المراكب , دعاء لن تكون الوحيدة دون شك في مذكرات كهذي, لذلك سيتحدث عن جيبتها بحنين كبير , اقتربت فرنّ صوت الجيبة في أذنه , مثيرا جدا و جذابا جدا .. كان لا يفكر في أي شئ غير أنه الآن على وشك البدء في أول ميعاد له في حياته.. لا يعرف تاريخها العاطفي الكامل بعد..هذا هو اللقاء الأول بعد مناوشات بسيطة..لكنها تبدو له بريئة إلى حد كبير
" إتأخرتي ليه يا دعاء...معادنا كان 2 "
" معلش يا هيثم...أخويا أصرّ يوصلني بعربيته لما قلت له إني رايحة لإيمان "
تأملها قليلا وهو يشعر بالقلق من أخيها..شاب بسيارة...الصورة تكتمل بجسد ضخم و تجهم شديد يليق بأخ أكبر..لا بأس...دعاء مناسبة على كل حال..فتاة الأورمان شيراتون الثانوية بنات..المكافئ المناسب لطالب الأورمان الثانوية بنين...
" أنا حاسة إني دايخة.."
" حنتمشى شوية و بعدين نقعد نشرب حاجة.."
جوار السور كانا يمشيان أسرع من المعتاد كأن عليهما أن يلحقا بشئ ما ...ضايق ذلك هيثم الذي كان يريد أن يتم الأمر كله هذه المرة على أكمل وجه..القصص القديمة كلها إنتهت دون مواعيد و بسيناريوهات مهينة تماما..لكنه هذه المرة يشعر بالسيطرة الكاملة , يشعر أنه يمثل شيئا مهما لدعاء, أو ربما أقنعها هو بذلك بالخبرة التي اكتسبها من سوابقه غير الجديرة بالتذكّر..لذلك لابد أن تتم هذه المرة بشكل كامل..على الأقل يحصل على قصة وحيدة يحكيها لأي أحد..
" أنا حاسة إني دايخة يا هيثم "
ليس هذا الوقت المناسب لعبارات من هذا النوع يا دعاء
" دايخة إزاي يعني ؟ "
" مش عارفة...حاسة إني دايخة..."
" طيب تعالي نروح نقـ..."
رفعت دعاء راحتها على جبهتها و ترنحت للحظة ثم سقطت على الأرض ...
كان هيثم يتابع المشهد من خارج جسده , من مكان بعيد تماما , كأنه عابر في تاكسي مثلا أو من شباك أتوبيس..مال عليها وهو يناديها بهلع : دعاء..دعاء... , رفع رأسها بيده و حاول أن يرفعها من على الأرض وهو يشعر بإهانة بالغة كبصقة مباشرة على وجهه...لا لأن فتاته ممددة الآن على الأرض يتأملها شعب الكورنيش كاملا بما في ذلك راكبي السيارات العابرة و المواصلات العامة ..ما يحدث الآن أكد له أنه سيظل دائما أفشل من أن تكون لديه قصة واحدة...فاشل ببشاعة..لا تتم له حكايات مثل "مرسي " الذي اصطحب الكثيرات للقناطر و قبّل و لمس و ...أفاق هيثم على اليد التي حطت على كتفه ثم أشارت له إلى تاكسي واقف وراءه جوار الرصيف..حمل دعاء مع فتاة ضخمة و وضعاها في الكنبة الخلفية , بعد ذلك كان الجميع ينظرون إليه...لم يكن بذهنه تصور واضح..لذلك قفز جوارها بينما سائق التاكسي يقول له في المراية : متقلقش يا كابتن...القصر العيني قريب من هنا...
...من سيحب أن يسمع قصة كهذي ؟



2


في إستقبال قصر العيني تمددت "دعاء" في قاعة واسعة مفتوحة, و على فراش قذر..وقف بجوارها ينتظر الطبيب الذي كان منهمكا في فحص حالة على السرير المقابل..في التاكسي كانت دعاء قد أفاقت قليلا و بدأت تتأوه...حاول أن يكلمها لتفيق و ينتهي الأمر...إلا إنها كانت تفتح عينيها من حين لآخر و تناديه..ثم تغيب مرة أخرى..
تأملها وهي ممددة على الفراش اللبني الملطخ , أنفها أكبر من اللازم و المساحيق الكثيفة على بشرتها السمراء غير مناسبة تماما , ودّ لو مسحها كلها بمنديل قبل قدوم الطبيب..أي حظ بن كلب حيوان أوقعني فيكِ يا دعاء...ربنا يستر و ينتهي الأمر على خير ...شعر بالورطة الضخمة لو كانت دعاء مريضة بأي شئ خطير...بدأ يجهّز سيناريوهات عدة للخروج من الأمر لو طلبوا منه في المستشفى التوقيع على أي شئ ...عابر سبيل وجد فتاة ملقاة على الأرض...زميل في الدرس و كانا في الطريق لتصوير ملازم...طيب ماذا سيقول لأخيها ؟ ..فكر أن يفرّ الآن من الموضوع كاملا و أكيد سيجدوا أرقام تليفونات أهلها على الموبايل الوردي..
شدت دعاء يده...كانت قد فتحت عينيها
" دعاء...مالك يا دعاء..؟ "
" أنا فين ؟"
" إحنا في القصر العيني ..دختي في الطريق فجيبتك على هنا..إنتي عيانة يا دعاء...عندك حاجة من قبل كده يعني ؟..."
" أنا تعبانة أوي يا هيثم...متسبنيش لوحدي ..."
ارتبك و تحركت عيناه حوله بشكل تلقائي ...كان الطبيب منهمكا لا يزال عند مكتبه في بداية القاعة
"متخافيش يا دعاء...متخافيش "
"أنا مش خايفة يا هيثم " قالت دعاء بخفوت وهي لا تزال ممسكة بيده " أنا بس صعبان عليا لو حصلي حاجة...أكتر حاجة معذباني إنك حتزعل عليا جامد...حتتعذب بسببي "
كان هيثم يميل عليها قليلا , يتأملها بشكل ثابت...صمت للحظة ...لم يفهم ماذا ينبغي أن يقول..
" يا هيثم أنا عايزاك لو حصل لي حاجة تزرع شجرة باسمي في أي مكان...و متزعلش عليا جامد...أنا حكون مبسوطة لو إنت كملت حياتك و لقيت واحدة تستاهلك..إوعدني يا هيثم..إوعدني..لو بتحبني إوعدني "
كان محرجا بعنف أن يسمع أي أحد حوارا كهذا...لكنه في نفس اللحظة كان خجلا من إحراجه ..البنت تحبه..البنت مريضة وربما بشئ خطير....عليه الآن ولو لمرة واحدة أن يتوقف عن تأمل المشاهد كأنها على شاشة عرض..البنت تحبه..وهو لابد أن يكون جديرا بحبها له..على الأقل يبدو نبيلا لو حُكيت القصة لأي أحد..
" أنا مش حسيبك يا دعاء...إن شاء الله حتبقي كويسة و حـ..."
قاطعته وصوتها لايزال خافتا و مبحوحا
" كان نفسي يا هيثم أخليك أسعد راجل في الدنيا...كنت حسعدك بقية حياتي "
شعر هيثم بقلبه يرتج بعنف و دموع كثيفة ضاغطة على عينيه و غصة في حلقه ترتفع ببطء..فتماسك و رفع رأسه و تنفس في قوة ثم مال عليها مرة أخرى...
" دعاء...استريّحي طيب يا حبيبتي...بلاش كلام دلوقتي و إن شاء الله حتبقي كويسة "
أغمضت عينيها في سكينة , في ظروف أخرى كان قد قرر ألا ينطق بـ"حبيبتي " إلا بعد اللقاء الرابع أو الخامس , وضع يدها بين راحتيه , اصطدمت عينه بمؤخرة الممرضة المنحنية تحقن أحدهم على السرير المجاور فشعر بالذنب , أغمض عينيه بنبل , سكت للحظة ثم سألها فجأة
" طيب إنتي عيانة أصلا يا دعاء ؟ "
لم ترد , كان على وشك أن يهزها ليعرف لم سكتت فجأة , لكن الطبيب كان قد وصل و سأله بصبر نافد :
"خير ؟ "
" أغمى عليها فجأة "
"إسمها إيه ؟"
"دعاء بدر "
" عندها السكر أو الضغط ؟ "
"........."
"ها ؟ "
"مش عارف يا دكتور...أصلها كانت ما.."
تنهد الطبيب ثم مال على دعاء وهو يضغط على منتصف صدرها بقبضته و يحركها بشكل دائري..
"دعاء...دعاء....يا ماما "
تأوهت دعاء وهي تبعد يد الدكتور ....
"فوقي يا ماما...مالك ؟ "
" تعبانة..."
"عندك سكر أو ضغط ؟ "
"لأ..."
"طيب فطرتي النهاردة قبل ما تنزلي..."
"لأ..."
" مشيتي في الشمس كتير..."
"آه.."
"قد إيه.."
" من ساعة ما نزلت من بيتنا "
" كان الساعة كام ؟ "
" الساعة 12 "
لم يُفاجأ هيثم ...البنت في الشارع من الساعة 12 و وصلت الساعة 3 , أخوها ليست لديه سيارة , البنت تتجمل و أحرجت أن تخبره أنها ركبت مواصلات طوال الطريق..شعر بنبل مضاعف وهو يسامحها على الفور على كذبة كهذي..
" طيب يا ماما...إنتي عندك ضربة شمس...حنعملك كمادات و حتاخدي دوا و حتخرجي دلوقتي.. "
تحرك طبيب الإستقبال للسرير التالي بسرعة , أغمضت دعاء عينيها مرة أخرى وانتحى هيثم جانبا للممرضة التي وضعت قطعة شاش كبيرة مبللة على رأسها ...





3


قامت دعاء ببطء , سندها هيثم فرفعت ذراعها على الفور و أحاطت رقبته تتسند عليه , أحاط جسدها اللين بذراعه و سارا بهدوء إلى الشارع..كانت تلتفت إليه من حين لآخر فيشعر بأنفاسها على خده..كيف سيحكي طيب حكاية كهذي لأي أحد..."مرسي" لو سمع حكاية كهذي سيضحك عليه سبعة أيام بلياليها...سيشير إليه بيده متوعدا وهو يقول : حفشخك يا هيثم...حفشخك...
لابد ألا يعرف "مرسي "شيئا كهذا , هيثم لفق حكايات كثيرة ليثبت لمرسى أنه منافس مهم , أنقذه خياله الواسع من سطوة "مرسي " النافذة و حكاياته التي لا تنتهي في القناطر و الكورنيش و مولات مدينة نصر..
" أنا تعبتك أوي يا هيثم..."
" ولايهمك يا كوكو..."
ضحكت بإرهاق على تدليله لها ..كان لا يزال يحيطها بذراعه , بينما تلف ذراعها على رقبته , لم يتخيل أن لقاء أول يمكن أن يسفر عن حضن كهذا ..
"إنتي خرجتي مع ولاد قبل كده يا دعاء ؟ "
"لأ.."
توقف ليشتري لها شئ تشربه فهزت رأسها بالنفي...سندها على سور المستشفى و اشترى لها على الرغم زجاجة مياه صغيرة و بسكوت..عندما عاد كانت تتحدث في الموبايل: " إحنا لسه في سيلانترو يا إيمان...هيثم بيحاسب و جاي.."
..عبرا الطريق ثم ابتعدا عن المستشفى كأخين صغيرين يتسنّدان على بعض.
تمت


Tuesday, March 11, 2008

Virus c



كان المريض يتأوه خلال الفحص الثقيل لكبده الموجوع بينما اندلعت في غرفة الإستقبال رنة موبايل ابنه الشاب : بحبك كل يوم ...أكتر...من اليوم اللي كان..., انشغلت في مراقبة الإبن و هو يرد على موبايل نوكيا حديث بكاميرا و حلية على شكل جمجمة صغيرة تتأرجح هنا وهناك , يميل بجذعه بعيدا عن السرير كأنه يخرج برأسه من فقاعة , " أيوه يا نهى...بابا بس تعبان..آه بقى كويس الحمد لله...حكلِمِك على طول " , بعد فحص الحالة , التفت إلينا الطبيب المناوب و قال بالإنجليزية:
حالة متأخرة جدا من الإلتهاب الكبدي سي ..حالة منتهية...
ارتبك الإبن حين سمع اللكنة الغريبة , كان لايزال الموبايل على أذنه حين انتبه إلى أني أراقبه بطرف عيني فارتبكت أنا بدوري , نادى الطبيب المناوب: يا دكتور...يا دكتور...يا ريس!...قيس للعيان الضغط , تحركت على الفور عندما انتبهت أنه يعنيني أنا حتى كدت اصطدم به و أنا أمر إلى يسار المريض محاولا فك اشتباك أسلاك جهاز الضغط من سلك السماعة المحمولين جميعا على ذراعي ..
في طريق العودة , كان يدور في الميكروباص دويتو لهاني شاكر و شيرين , رغم إرهاقي كنت أفكر في صاحب هذا الإختيار, في الجمع بين صوت ناعم , خنثى , يتلاشى في الهواء , و صوت مجسّم ينهض بكامل طاقته من الفراغ , أنا لا أريد أكثر من أن أنام , اعذرني يا ابن المريض الذي سيموت خلال ساعات , و رغم ذلك لا يزال يقسّم "حماقي " من جيبك بكل بهجة الدنيا " بحبك كل يوم أكتر من اليوم اللي كان قبله " , تقول الزميلة بعد أن وقّعت في دفتر الحضور :
أنا لا أريد أن أصعد للوحدة...كل يوم أجد أشخاصا جدد على أسرّة كانت بالأمس مطابخ و غرف نوم لآخرين...لا _و لن _أسأل أبدا أين ذهب المرضى القدامى..
هاني شاكر لا يدرك أن شيرين تغتاله في الأغنية , تُلاشي موجات صوته داخل طبقات صوتها المتباعدة والمتشابكة ,
ليس هناك أسوأ من أطباء سنة الإمتياز مرهفي الحس , عذابات البشر أصلا لا تحتمل..


Sunday, February 17, 2008

كلمني..شكرا



رن الموبايل , فخطا بتثاقل من السرير إلى المكتب ليرى من المزعج الذي يهاتفه في وقت كهذا , رقم غريب

" آلو..."

= إزيك ؟

_ مين معايا

= أنا رضوى

_ أهلا يا رضوى

= إنت بعتـّ لي من حوالي ساعة رسالة " كلمني شكرا "

_ أنا آسف أكيد كتبت الرقم غلط , أنا كنت باعتها لواحد صاحبي

= طيب أصل أنا إتخضيت فكرت فيه حد عايزني أكلمه

_ أنا آسف جدا

= إنت متأكد إنك مش محتاج حاجة

_ لا شكرا ربنا يكرمك

= لا فعلا لو عايز تتكلم أو تقول أي حاجة مفيش مشاكل

_ هو أنا عايز أنام دلوقتي بصراحة

= إنت لو محرج صدقني مفـ....

أغلق الخط و ضبط الموبايل على silent و عاد إلى السرير...


2

في طريق العودة إلى الكلية رن الموبايل , كان مرهقا بالنسبة له أن يرد على أي أحد في الميكروباص , أغلق الخط دون ان يخرج الموبايل من جيبه , و مباشرة بعد أن دخل البيت رن الموبايل مرة أخرى , بدا له نفس الرقم الغريب الذي أيقظه بالأمس , يختلف عن رقم صديقه " رامي " في رقم واحد أخير , لم يكن متأكدا لذلك رد سريعا

"آلو..."

= إنت إزاي تقفل في وشي إمبارح ؟

_ إنتي مين !

= أنا رضوى ....

_ أيوه يعني رضوى مين يعني , أنا مش فاهم إيه اللي بيحصل ده مقلب ولا إيه بالظبط

= اللي بيحصل إنك إمبارح و بدون أي مبررات سمحت لنفسك تبعت لي رسالة حوالي الساعة 12 بالليل و لما أكلمك تقفل الخط في وشي

_ انا قلت لك إنها إتبعتت غلط !

= طيب هو ده غلطي أنا , رسالة من مجهول وصلتني و حسيت إنه ممكن يكون حد عايز مساعدة أو أي حاجة فإتصلت أشوفه...تقوم تقفل الخط في وشي

فكر أنه لا داعي أن يخبرها أنها كانت مزعجة إلى أقصى حد بالأمس , فقط سينهي الموضوع بهدوء

_ خلاص أنا آسف فعلا , حقك عليا

= ينفع كده ..و أنا اللي قعدت حوالي ساعتين ما بين الرسالة ما وصلتني لحد ما كلمتك عمالة أفكر لحسن يكون حد محتاج يتكلم أو أي حاجة و مش لاقي حد جنبه فبعت الرسالة دي لأي رقم ؟...تقوم تعمل معايا كده !

قالت عبارتها الأخيرة بنبرة معاتبة كأنها تعاتب طفلا صغيرا شد شعرها بقسوة خلال اللعب , لم يعد لديه أدنى شك أنه مقلب من أحد الأصدقاء..
أغلق الخط دون أن يرد , فكر أيهم قد يفكر في شئ كهذا...


3

رن الموبايل حوالي خمس مرات . نفس الرقم , رضوى تبدو مثابرة إلى حد بعيد , أغلق الخط في كل مرة وهو يفكر أنها ستكون الأخيرة و سيمل السخيف الذي يمزح معه من اللعبة المملة ...

أرسلت له رسالة : " مش من حقك تعمل معايا كده ....لو سمحت رد عليا " , لم يرد , أرسلت له رسالة أخرى : " أشكرك...أنا فعلا بشكرك على ذوقك " , بعدها لم تكرر رضوى المحاولة , لإسبوعين تقريبا لم يصله منها أي رسائل أو مكالمات و كل يوم كان يخمن أن أحدهم سيهاتفه ضاحكا و يحكي له تفاصيل المقلب كاملا ..

لكن الموبايل رن مرة أخرى حين كان في مسجد الكلية يستعد لإرتداء حذائه و الخروج , لا يدري لم تحديدا شعر أنها رضوى رغم أنه ليس نفس الرقم الذي تتصل منه كل مرة , "ألو..."

= إزيك ؟

_ رضوى ؟

= أيوه , إيه ده عرفت صوتي إزاي ؟

_ من الآخر يا رضوى مين اللي مديلك رقمي عشان تعملي معايا المقلب البايخ ده ؟

= إنت إزاي تكلمني كده !...أنا ما أخدتش رقمك من حد

_ أمال إيه الإزعاج بتاعك ده إنتي عايزة إيه ؟

صرخ فيها بقوة و هي يبتعد عن المسجد بخطوات سريعة ...

لم تجب رضوى...سكتت , واصل بصوت جامد :

لو إتصلتي بيا تاني أنا حبلغ عن رقمك إنتي فاهمة ..؟

= إنت ليه بتعمل معايا كده

كانت رضوى تبكي ..

كان ذلك واضحا له تماما , نهنهة خفيضة بدأت تعلو فيسمعها بوضوح و يتجمد في مكانه ...

لا زال يقلّب إمكانية المقلب بنسبة كبيرة , إلا أن البكاء الذي يصله الآن من الموبايل يبدو حقيقيا جدا..

_ يا رضوى طيب أنا المفروض أعمل إيه ؟

= متعملش حاجة..أنا مش عايزة منك حاجة...أنا الحق عليا فكرتك محتاج حد تحكيله بس محرج تقول ...مفيش حد بيبعت رسالة فيها كلمني شكرا بالغلط ...الحق عليا أنا فكرت أوفر عليك الإحراج و أكلمك عشان تحكي و تقول اللي إنت عايزه ..ولما إنت مش عايز تتكلم مع حد...إزاي تدي لنفسك الحق إنك تتدخل في خصوصياتي و تبعت لي على موبايلي رسالة... و بعدين تقولي إنك مش عايز تتكلم ...أنا بقالي إسبوعين من آخر مرة كلمتك و ما ردتش عليا وأنا حاسة بالذنب إني سبتك لوحدك و ما أصرّتش إنك تحكي...فكرتك محتاج حد بجد...بس فعلا أنا اللي غلطانة..

_.......!!

= أنا مش حكلمك تاني , أنا مسافرة أصلا السعودية بكرة...حروح أقعد مع بابا و ماما هناك بعد ما خلصت الأجازة...وإنت حر لو مش عايز تتكلم ..بس أنا كنت عايزة أساعدك عشان عارفة قد إيه وحش إنك متلاقيش حد تحكيله ...هناك في الرياض بقعد حوالي 11 شهر مش بتكلم مع حد...محدش بيسألني عن أي حاجة ولا عايز يسمع أي حاجة...بابا و ماما مشغولين في الشغل و مفيش جيران ولا أصحاب ولا أي حد من قرايبنا بيتصل يطمن عليا...ببقى حموت من الوحدة...و بابا مش راضي يجيب لي كمبيوتر هناك عشان مدخلش على الشات عشان حرام..
حلفتله والله مش حكلم ولاد بس هو خايف..الموبايل اللي بكلمك منه ده موبايل تيتة ...موبايلي مفيهوش رصيد و كلها ساعة و ترجع تيتة و مش حكلمك تاني عشان حكون سافرت..

كان يسمع بإنطباع ثابت ثم ارتبك عندما انتهت فجأة من الكلام بشكل متواصل و سريع لدقيقة كاملة..

_ إنتي في سنة كام يا رضوى ؟

= أنا في ثالثة ثانوي ..

بدأ صوتها يهدأ تدريجيا...

بدرس هناك في الرياض و بنزل هنا أقعد مع تيتة في أجازة نص السنة

_طيب يا رضوى ..أنا عايز أقولك بس إن الرسالة فعلا وصلت بالغلط...بجد ..أنا مكنتش عايز أتكلم مع أي حد أنا بس كتبت رقم موبايل صاحبي غلط فوصلت ليكي...أشكرك على إهتمامك و آسف تاني.

استسلم تماما لكي يصل إلى نهاية واضحة , حتى ولو كانت قهقهة صاخبة تعلن أنه أخيرا وقع بكامل إرادته في المقلب

لكن رضوى ردت بهدوء :

= ولا يهمك أنا بس كنت عايزاك تعرف يعني إيه حد يفضل قاعد إسبوعين حاسس بالذنب عشان متصلش تاني يشوفك عايز تتكلم ولا لأ...إنت مش متخيل يعني إيه حد يبعت لك رسالة بيقولك فيها كلمني شكرا...
أنا من ساعة ما نزلت مصر ما وصلتنيش ولا رسالة من أي حد غير ماما ...مبكلمش حتى بابا عشان مشغول..يقوم لما حد يبعت لي رسالة عايز يتكلم أقوم بسهولة كده أسيبه لوحده ؟

خمّن أنها أكيد لا تعرف خاصية " كلمني ..شكرا "

_ يا رضوى دول مجرد كلمتين بلا أي معنى الناس بتبعتها لما ميكونش معاها رصيد...شركة المحمول بتسمح لكل واحد إنه...

= مفيش كلام مالوش معنى...أي حد بيبعت رسالة أكيد بيقصد اللي كاتبه فيها

رضوى لديها قاموس ضخم على ما يبدو , تأكد من الورطة التي تسببت فيها خدمة تافهة تتيح لكل مستخدم إرسال ثلاث رسائل من الـ " كلمني ...شكرا " يوميا بعد إدخال الكود و رقم المفترض أنه الحضن الكبير الذي ستـُـفرغ في أذنه كل أحزانك و آلامك الشخصية كما تفترض رضوى...

لا يصدق أن هناك أحدا يهتم بهذه الدرجة بـ " كلمني ..شكرا " من رقم غريب !...يا رضوى أنتِ لو استوقفتي الناس في الطريق و قلتي لأحدهم بكل رجاء " كلمني...شكرا " سيتركك و يمضي دون أدني إحساس بوخز الضمير..

عماذا تتحدثين بالضبط يا رضوى ؟

_ عندك حق فعلا...أنا آسف و أوعدك إنها مش حتحصل تاني..

= يعني إنت بجد مش عايز تحكي و محرج تقول ؟

_ لا يا رضوى...

= إنت إسمك إيه طيب ؟

_ زياد

= إنت في كلية يا زياد؟..شكلك كبير

_ أنا في كلية طب..

= ماشي يا دكتور زياد...أنا نفسي أدخل كلية طب...بس مش عارفة حجيب مجموعها ولا لأ ...عندنا هنا نظام الثانوية العامة مختلف...هنا المواد بتـ...

_ رضوى معلش أنا مضطر أقفل عشان عندي محاضرة...

= أوك يا زياد و بجد لو إحتجت تحكي في أي وقت ماتتردش تتصل

_ أكيد يا رضوى

= سلام يا زياد

_ سلام

لم يصدق أن المكالمة انتهت , كان يبتسم في دهشة وهو يقترب من المدرج , فاته تقريبا ربع ساعة من المحاضرة , ذهنه كان مشغولا كليا بصوت طفلة الثالث الثانوي الرقيق الذي يثرثر دون توقف .., بعد المحاضرة لم يصدق ,رن الموبايل.., رقم رضوى !...الصبر يا رب !

_ آلو أيوه يا رضوى خير ؟

= زياد...