Tuesday, April 29, 2008



حبيبي دائما




كانت قادمة من بعيد , فكر أنها تمشي بسرعة جوار سور الكورنيش , أسرع من المعتاد , فتصدر الجيبة الضيقة صوتا قريبا من خفقان أشرعة مراكب النيل التي يراقبها منذ ساعة , حين فكر في التشبيه بدا له مناسبا جدا , يكتبه مثلا في مذكراته الخاصة: جيبة دعاء كانت تخفق كأشرعة المراكب , دعاء لن تكون الوحيدة دون شك في مذكرات كهذي, لذلك سيتحدث عن جيبتها بحنين كبير , اقتربت فرنّ صوت الجيبة في أذنه , مثيرا جدا و جذابا جدا .. كان لا يفكر في أي شئ غير أنه الآن على وشك البدء في أول ميعاد له في حياته.. لا يعرف تاريخها العاطفي الكامل بعد..هذا هو اللقاء الأول بعد مناوشات بسيطة..لكنها تبدو له بريئة إلى حد كبير
" إتأخرتي ليه يا دعاء...معادنا كان 2 "
" معلش يا هيثم...أخويا أصرّ يوصلني بعربيته لما قلت له إني رايحة لإيمان "
تأملها قليلا وهو يشعر بالقلق من أخيها..شاب بسيارة...الصورة تكتمل بجسد ضخم و تجهم شديد يليق بأخ أكبر..لا بأس...دعاء مناسبة على كل حال..فتاة الأورمان شيراتون الثانوية بنات..المكافئ المناسب لطالب الأورمان الثانوية بنين...
" أنا حاسة إني دايخة.."
" حنتمشى شوية و بعدين نقعد نشرب حاجة.."
جوار السور كانا يمشيان أسرع من المعتاد كأن عليهما أن يلحقا بشئ ما ...ضايق ذلك هيثم الذي كان يريد أن يتم الأمر كله هذه المرة على أكمل وجه..القصص القديمة كلها إنتهت دون مواعيد و بسيناريوهات مهينة تماما..لكنه هذه المرة يشعر بالسيطرة الكاملة , يشعر أنه يمثل شيئا مهما لدعاء, أو ربما أقنعها هو بذلك بالخبرة التي اكتسبها من سوابقه غير الجديرة بالتذكّر..لذلك لابد أن تتم هذه المرة بشكل كامل..على الأقل يحصل على قصة وحيدة يحكيها لأي أحد..
" أنا حاسة إني دايخة يا هيثم "
ليس هذا الوقت المناسب لعبارات من هذا النوع يا دعاء
" دايخة إزاي يعني ؟ "
" مش عارفة...حاسة إني دايخة..."
" طيب تعالي نروح نقـ..."
رفعت دعاء راحتها على جبهتها و ترنحت للحظة ثم سقطت على الأرض ...
كان هيثم يتابع المشهد من خارج جسده , من مكان بعيد تماما , كأنه عابر في تاكسي مثلا أو من شباك أتوبيس..مال عليها وهو يناديها بهلع : دعاء..دعاء... , رفع رأسها بيده و حاول أن يرفعها من على الأرض وهو يشعر بإهانة بالغة كبصقة مباشرة على وجهه...لا لأن فتاته ممددة الآن على الأرض يتأملها شعب الكورنيش كاملا بما في ذلك راكبي السيارات العابرة و المواصلات العامة ..ما يحدث الآن أكد له أنه سيظل دائما أفشل من أن تكون لديه قصة واحدة...فاشل ببشاعة..لا تتم له حكايات مثل "مرسي " الذي اصطحب الكثيرات للقناطر و قبّل و لمس و ...أفاق هيثم على اليد التي حطت على كتفه ثم أشارت له إلى تاكسي واقف وراءه جوار الرصيف..حمل دعاء مع فتاة ضخمة و وضعاها في الكنبة الخلفية , بعد ذلك كان الجميع ينظرون إليه...لم يكن بذهنه تصور واضح..لذلك قفز جوارها بينما سائق التاكسي يقول له في المراية : متقلقش يا كابتن...القصر العيني قريب من هنا...
...من سيحب أن يسمع قصة كهذي ؟



2


في إستقبال قصر العيني تمددت "دعاء" في قاعة واسعة مفتوحة, و على فراش قذر..وقف بجوارها ينتظر الطبيب الذي كان منهمكا في فحص حالة على السرير المقابل..في التاكسي كانت دعاء قد أفاقت قليلا و بدأت تتأوه...حاول أن يكلمها لتفيق و ينتهي الأمر...إلا إنها كانت تفتح عينيها من حين لآخر و تناديه..ثم تغيب مرة أخرى..
تأملها وهي ممددة على الفراش اللبني الملطخ , أنفها أكبر من اللازم و المساحيق الكثيفة على بشرتها السمراء غير مناسبة تماما , ودّ لو مسحها كلها بمنديل قبل قدوم الطبيب..أي حظ بن كلب حيوان أوقعني فيكِ يا دعاء...ربنا يستر و ينتهي الأمر على خير ...شعر بالورطة الضخمة لو كانت دعاء مريضة بأي شئ خطير...بدأ يجهّز سيناريوهات عدة للخروج من الأمر لو طلبوا منه في المستشفى التوقيع على أي شئ ...عابر سبيل وجد فتاة ملقاة على الأرض...زميل في الدرس و كانا في الطريق لتصوير ملازم...طيب ماذا سيقول لأخيها ؟ ..فكر أن يفرّ الآن من الموضوع كاملا و أكيد سيجدوا أرقام تليفونات أهلها على الموبايل الوردي..
شدت دعاء يده...كانت قد فتحت عينيها
" دعاء...مالك يا دعاء..؟ "
" أنا فين ؟"
" إحنا في القصر العيني ..دختي في الطريق فجيبتك على هنا..إنتي عيانة يا دعاء...عندك حاجة من قبل كده يعني ؟..."
" أنا تعبانة أوي يا هيثم...متسبنيش لوحدي ..."
ارتبك و تحركت عيناه حوله بشكل تلقائي ...كان الطبيب منهمكا لا يزال عند مكتبه في بداية القاعة
"متخافيش يا دعاء...متخافيش "
"أنا مش خايفة يا هيثم " قالت دعاء بخفوت وهي لا تزال ممسكة بيده " أنا بس صعبان عليا لو حصلي حاجة...أكتر حاجة معذباني إنك حتزعل عليا جامد...حتتعذب بسببي "
كان هيثم يميل عليها قليلا , يتأملها بشكل ثابت...صمت للحظة ...لم يفهم ماذا ينبغي أن يقول..
" يا هيثم أنا عايزاك لو حصل لي حاجة تزرع شجرة باسمي في أي مكان...و متزعلش عليا جامد...أنا حكون مبسوطة لو إنت كملت حياتك و لقيت واحدة تستاهلك..إوعدني يا هيثم..إوعدني..لو بتحبني إوعدني "
كان محرجا بعنف أن يسمع أي أحد حوارا كهذا...لكنه في نفس اللحظة كان خجلا من إحراجه ..البنت تحبه..البنت مريضة وربما بشئ خطير....عليه الآن ولو لمرة واحدة أن يتوقف عن تأمل المشاهد كأنها على شاشة عرض..البنت تحبه..وهو لابد أن يكون جديرا بحبها له..على الأقل يبدو نبيلا لو حُكيت القصة لأي أحد..
" أنا مش حسيبك يا دعاء...إن شاء الله حتبقي كويسة و حـ..."
قاطعته وصوتها لايزال خافتا و مبحوحا
" كان نفسي يا هيثم أخليك أسعد راجل في الدنيا...كنت حسعدك بقية حياتي "
شعر هيثم بقلبه يرتج بعنف و دموع كثيفة ضاغطة على عينيه و غصة في حلقه ترتفع ببطء..فتماسك و رفع رأسه و تنفس في قوة ثم مال عليها مرة أخرى...
" دعاء...استريّحي طيب يا حبيبتي...بلاش كلام دلوقتي و إن شاء الله حتبقي كويسة "
أغمضت عينيها في سكينة , في ظروف أخرى كان قد قرر ألا ينطق بـ"حبيبتي " إلا بعد اللقاء الرابع أو الخامس , وضع يدها بين راحتيه , اصطدمت عينه بمؤخرة الممرضة المنحنية تحقن أحدهم على السرير المجاور فشعر بالذنب , أغمض عينيه بنبل , سكت للحظة ثم سألها فجأة
" طيب إنتي عيانة أصلا يا دعاء ؟ "
لم ترد , كان على وشك أن يهزها ليعرف لم سكتت فجأة , لكن الطبيب كان قد وصل و سأله بصبر نافد :
"خير ؟ "
" أغمى عليها فجأة "
"إسمها إيه ؟"
"دعاء بدر "
" عندها السكر أو الضغط ؟ "
"........."
"ها ؟ "
"مش عارف يا دكتور...أصلها كانت ما.."
تنهد الطبيب ثم مال على دعاء وهو يضغط على منتصف صدرها بقبضته و يحركها بشكل دائري..
"دعاء...دعاء....يا ماما "
تأوهت دعاء وهي تبعد يد الدكتور ....
"فوقي يا ماما...مالك ؟ "
" تعبانة..."
"عندك سكر أو ضغط ؟ "
"لأ..."
"طيب فطرتي النهاردة قبل ما تنزلي..."
"لأ..."
" مشيتي في الشمس كتير..."
"آه.."
"قد إيه.."
" من ساعة ما نزلت من بيتنا "
" كان الساعة كام ؟ "
" الساعة 12 "
لم يُفاجأ هيثم ...البنت في الشارع من الساعة 12 و وصلت الساعة 3 , أخوها ليست لديه سيارة , البنت تتجمل و أحرجت أن تخبره أنها ركبت مواصلات طوال الطريق..شعر بنبل مضاعف وهو يسامحها على الفور على كذبة كهذي..
" طيب يا ماما...إنتي عندك ضربة شمس...حنعملك كمادات و حتاخدي دوا و حتخرجي دلوقتي.. "
تحرك طبيب الإستقبال للسرير التالي بسرعة , أغمضت دعاء عينيها مرة أخرى وانتحى هيثم جانبا للممرضة التي وضعت قطعة شاش كبيرة مبللة على رأسها ...





3


قامت دعاء ببطء , سندها هيثم فرفعت ذراعها على الفور و أحاطت رقبته تتسند عليه , أحاط جسدها اللين بذراعه و سارا بهدوء إلى الشارع..كانت تلتفت إليه من حين لآخر فيشعر بأنفاسها على خده..كيف سيحكي طيب حكاية كهذي لأي أحد..."مرسي" لو سمع حكاية كهذي سيضحك عليه سبعة أيام بلياليها...سيشير إليه بيده متوعدا وهو يقول : حفشخك يا هيثم...حفشخك...
لابد ألا يعرف "مرسي "شيئا كهذا , هيثم لفق حكايات كثيرة ليثبت لمرسى أنه منافس مهم , أنقذه خياله الواسع من سطوة "مرسي " النافذة و حكاياته التي لا تنتهي في القناطر و الكورنيش و مولات مدينة نصر..
" أنا تعبتك أوي يا هيثم..."
" ولايهمك يا كوكو..."
ضحكت بإرهاق على تدليله لها ..كان لا يزال يحيطها بذراعه , بينما تلف ذراعها على رقبته , لم يتخيل أن لقاء أول يمكن أن يسفر عن حضن كهذا ..
"إنتي خرجتي مع ولاد قبل كده يا دعاء ؟ "
"لأ.."
توقف ليشتري لها شئ تشربه فهزت رأسها بالنفي...سندها على سور المستشفى و اشترى لها على الرغم زجاجة مياه صغيرة و بسكوت..عندما عاد كانت تتحدث في الموبايل: " إحنا لسه في سيلانترو يا إيمان...هيثم بيحاسب و جاي.."
..عبرا الطريق و ابتعدا عن المستشفى كأخين صغيرين يتسنّدان على بعض.
تمت


Tuesday, March 11, 2008

Virus c



كان المريض يتأوه خلال الفحص الثقيل لكبده الموجوع بينما اندلعت في غرفة الإستقبال رنة موبايل ابنه الشاب : بحبك كل يوم ...أكتر...من اليوم اللي كان..., انشغلت في مراقبة الإبن و هو يرد على موبايل نوكيا حديث بكاميرا و حلية على شكل جمجمة صغيرة تتأرجح هنا وهناك , يميل بجذعه بعيدا عن السرير كأنه يخرج برأسه من فقاعة , " أيوه يا نهى...بابا بس تعبان..آه بقى كويس الحمد لله...حكلِمِك على طول " , بعد فحص الحالة , التفت إلينا الطبيب المناوب و قال بالإنجليزية:
حالة متأخرة جدا من الإلتهاب الكبدي سي ..حالة منتهية...
ارتبك الإبن حين سمع اللكنة الغريبة , كان لايزال الموبايل على أذنه حين انتبه إلى أني أراقبه بطرف عيني فارتبكت أنا بدوري , نادى الطبيب المناوب: يا دكتور...يا دكتور...يا ريس!...قيس للعيان الضغط , تحركت على الفور عندما انتبهت أنه يعنيني أنا حتى كدت اصطدم به و أنا أمر إلى يسار المريض محاولا فك اشتباك أسلاك جهاز الضغط من سلك السماعة المحمولين جميعا على ذراعي ..
في طريق العودة , كان يدور في الميكروباص دويتو لهاني شاكر و شيرين , رغم إرهاقي كنت أفكر في صاحب هذا الإختيار, في الجمع بين صوت ناعم , خنثى , يتلاشى في الهواء , و صوت مجسّم ينهض بكامل طاقته من الفراغ , أنا لا أريد أكثر من أن أنام , اعذرني يا ابن المريض الذي سيموت خلال ساعات , و رغم ذلك لا يزال يقسّم "حماقي " من جيبك بكل بهجة الدنيا " بحبك كل يوم أكتر من اليوم اللي كان قبله " , تقول الزميلة بعد أن وقّعت في دفتر الحضور :
أنا لا أريد أن أصعد للوحدة...كل يوم أجد أشخاصا جدد على أسرّة كانت بالأمس مطابخ و غرف نوم لآخرين...لا _و لن _أسأل أبدا أين ذهب المرضى القدامى..
هاني شاكر لا يدرك أن شيرين تغتاله في الأغنية , تُلاشي موجات صوته داخل طبقات صوتها المتباعدة والمتشابكة ,
ليس هناك أسوأ من أطباء سنة الإمتياز مرهفي الحس , عذابات البشر أصلا لا تحتمل..


Sunday, February 17, 2008

كلمني..شكرا



رن الموبايل , فخطا بتثاقل من السرير إلى المكتب ليرى من المزعج الذي يهاتفه في وقت كهذا , رقم غريب

" آلو..."

= إزيك ؟

_ مين معايا

= أنا رضوى

_ أهلا يا رضوى

= إنت بعتـّ لي من حوالي ساعة رسالة " كلمني شكرا "

_ أنا آسف أكيد كتبت الرقم غلط , أنا كنت باعتها لواحد صاحبي

= طيب أصل أنا إتخضيت فكرت فيه حد عايزني أكلمه

_ أنا آسف جدا

= إنت متأكد إنك مش محتاج حاجة

_ لا شكرا ربنا يكرمك

= لا فعلا لو عايز تتكلم أو تقول أي حاجة مفيش مشاكل

_ هو أنا عايز أنام دلوقتي بصراحة

= إنت لو محرج صدقني مفـ....

أغلق الخط و ضبط الموبايل على silent و عاد إلى السرير...


2

في طريق العودة إلى الكلية رن الموبايل , كان مرهقا بالنسبة له أن يرد على أي أحد في الميكروباص , أغلق الخط دون ان يخرج الموبايل من جيبه , و مباشرة بعد أن دخل البيت رن الموبايل مرة أخرى , بدا له نفس الرقم الغريب الذي أيقظه بالأمس , يختلف عن رقم صديقه " رامي " في رقم واحد أخير , لم يكن متأكدا لذلك رد سريعا

"آلو..."

= إنت إزاي تقفل في وشي إمبارح ؟

_ إنتي مين !

= أنا رضوى ....

_ أيوه يعني رضوى مين يعني , أنا مش فاهم إيه اللي بيحصل ده مقلب ولا إيه بالظبط

= اللي بيحصل إنك إمبارح و بدون أي مبررات سمحت لنفسك تبعت لي رسالة حوالي الساعة 12 بالليل و لما أكلمك تقفل الخط في وشي

_ انا قلت لك إنها إتبعتت غلط !

= طيب هو ده غلطي أنا , رسالة من مجهول وصلتني و حسيت إنه ممكن يكون حد عايز مساعدة أو أي حاجة فإتصلت أشوفه...تقوم تقفل الخط في وشي

فكر أنه لا داعي أن يخبرها أنها كانت مزعجة إلى أقصى حد بالأمس , فقط سينهي الموضوع بهدوء

_ خلاص أنا آسف فعلا , حقك عليا

= ينفع كده ..و أنا اللي قعدت حوالي ساعتين ما بين الرسالة ما وصلتني لحد ما كلمتك عمالة أفكر لحسن يكون حد محتاج يتكلم أو أي حاجة و مش لاقي حد جنبه فبعت الرسالة دي لأي رقم ؟...تقوم تعمل معايا كده !

قالت عبارتها الأخيرة بنبرة معاتبة كأنها تعاتب طفلا صغيرا شد شعرها بقسوة خلال اللعب , لم يعد لديه أدنى شك أنه مقلب من أحد الأصدقاء..
أغلق الخط دون أن يرد , فكر أيهم قد يفكر في شئ كهذا...


3

رن الموبايل حوالي خمس مرات . نفس الرقم , رضوى تبدو مثابرة إلى حد بعيد , أغلق الخط في كل مرة وهو يفكر أنها ستكون الأخيرة و سيمل السخيف الذي يمزح معه من اللعبة المملة ...

أرسلت له رسالة : " مش من حقك تعمل معايا كده ....لو سمحت رد عليا " , لم يرد , أرسلت له رسالة أخرى : " أشكرك...أنا فعلا بشكرك على ذوقك " , بعدها لم تكرر رضوى المحاولة , لإسبوعين تقريبا لم يصله منها أي رسائل أو مكالمات و كل يوم كان يخمن أن أحدهم سيهاتفه ضاحكا و يحكي له تفاصيل المقلب كاملا ..

لكن الموبايل رن مرة أخرى حين كان في مسجد الكلية يستعد لإرتداء حذائه و الخروج , لا يدري لم تحديدا شعر أنها رضوى رغم أنه ليس نفس الرقم الذي تتصل منه كل مرة , "ألو..."

= إزيك ؟

_ رضوى ؟

= أيوه , إيه ده عرفت صوتي إزاي ؟

_ من الآخر يا رضوى مين اللي مديلك رقمي عشان تعملي معايا المقلب البايخ ده ؟

= إنت إزاي تكلمني كده !...أنا ما أخدتش رقمك من حد

_ أمال إيه الإزعاج بتاعك ده إنتي عايزة إيه ؟

صرخ فيها بقوة و هي يبتعد عن المسجد بخطوات سريعة ...

لم تجب رضوى...سكتت , واصل بصوت جامد :

لو إتصلتي بيا تاني أنا حبلغ عن رقمك إنتي فاهمة ..؟

= إنت ليه بتعمل معايا كده

كانت رضوى تبكي ..

كان ذلك واضحا له تماما , نهنهة خفيضة بدأت تعلو فيسمعها بوضوح و يتجمد في مكانه ...

لا زال يقلّب إمكانية المقلب بنسبة كبيرة , إلا أن البكاء الذي يصله الآن من الموبايل يبدو حقيقيا جدا..

_ يا رضوى طيب أنا المفروض أعمل إيه ؟

= متعملش حاجة..أنا مش عايزة منك حاجة...أنا الحق عليا فكرتك محتاج حد تحكيله بس محرج تقول ...مفيش حد بيبعت رسالة فيها كلمني شكرا بالغلط ...الحق عليا أنا فكرت أوفر عليك الإحراج و أكلمك عشان تحكي و تقول اللي إنت عايزه ..ولما إنت مش عايز تتكلم مع حد...إزاي تدي لنفسك الحق إنك تتدخل في خصوصياتي و تبعت لي على موبايلي رسالة... و بعدين تقولي إنك مش عايز تتكلم ...أنا بقالي إسبوعين من آخر مرة كلمتك و ما ردتش عليا وأنا حاسة بالذنب إني سبتك لوحدك و ما أصرّتش إنك تحكي...فكرتك محتاج حد بجد...بس فعلا أنا اللي غلطانة..

_.......!!

= أنا مش حكلمك تاني , أنا مسافرة أصلا السعودية بكرة...حروح أقعد مع بابا و ماما هناك بعد ما خلصت الأجازة...وإنت حر لو مش عايز تتكلم ..بس أنا كنت عايزة أساعدك عشان عارفة قد إيه وحش إنك متلاقيش حد تحكيله ...هناك في الرياض بقعد حوالي 11 شهر مش بتكلم مع حد...محدش بيسألني عن أي حاجة ولا عايز يسمع أي حاجة...بابا و ماما مشغولين في الشغل و مفيش جيران ولا أصحاب ولا أي حد من قرايبنا بيتصل يطمن عليا...ببقى حموت من الوحدة...و بابا مش راضي يجيب لي كمبيوتر هناك عشان مدخلش على الشات عشان حرام..
حلفتله والله مش حكلم ولاد بس هو خايف..الموبايل اللي بكلمك منه ده موبايل تيتة ...موبايلي مفيهوش رصيد و كلها ساعة و ترجع تيتة و مش حكلمك تاني عشان حكون سافرت..

كان يسمع بإنطباع ثابت ثم ارتبك عندما انتهت فجأة من الكلام بشكل متواصل و سريع لدقيقة كاملة..

_ إنتي في سنة كام يا رضوى ؟

= أنا في ثالثة ثانوي ..

بدأ صوتها يهدأ تدريجيا...

بدرس هناك في الرياض و بنزل هنا أقعد مع تيتة في أجازة نص السنة

_طيب يا رضوى ..أنا عايز أقولك بس إن الرسالة فعلا وصلت بالغلط...بجد ..أنا مكنتش عايز أتكلم مع أي حد أنا بس كتبت رقم موبايل صاحبي غلط فوصلت ليكي...أشكرك على إهتمامك و آسف تاني.

استسلم تماما لكي يصل إلى نهاية واضحة , حتى ولو كانت قهقهة صاخبة تعلن أنه أخيرا وقع بكامل إرادته في المقلب

لكن رضوى ردت بهدوء :

= ولا يهمك أنا بس كنت عايزاك تعرف يعني إيه حد يفضل قاعد إسبوعين حاسس بالذنب عشان متصلش تاني يشوفك عايز تتكلم ولا لأ...إنت مش متخيل يعني إيه حد يبعت لك رسالة بيقولك فيها كلمني شكرا...
أنا من ساعة ما نزلت مصر ما وصلتنيش ولا رسالة من أي حد غير ماما ...مبكلمش حتى بابا عشان مشغول..يقوم لما حد يبعت لي رسالة عايز يتكلم أقوم بسهولة كده أسيبه لوحده ؟

خمّن أنها أكيد لا تعرف خاصية " كلمني ..شكرا "

_ يا رضوى دول مجرد كلمتين بلا أي معنى الناس بتبعتها لما ميكونش معاها رصيد...شركة المحمول بتسمح لكل واحد إنه...

= مفيش كلام مالوش معنى...أي حد بيبعت رسالة أكيد بيقصد اللي كاتبه فيها

رضوى لديها قاموس ضخم على ما يبدو , تأكد من الورطة التي تسببت فيها خدمة تافهة تتيح لكل مستخدم إرسال ثلاث رسائل من الـ " كلمني ...شكرا " يوميا بعد إدخال الكود و رقم المفترض أنه الحضن الكبير الذي ستـُـفرغ في أذنه كل أحزانك و آلامك الشخصية كما تفترض رضوى...

لا يصدق أن هناك أحدا يهتم بهذه الدرجة بـ " كلمني ..شكرا " من رقم غريب !...يا رضوى أنتِ لو استوقفتي الناس في الطريق و قلتي لأحدهم بكل رجاء " كلمني...شكرا " سيتركك و يمضي دون أدني إحساس بوخز الضمير..

عماذا تتحدثين بالضبط يا رضوى ؟

_ عندك حق فعلا...أنا آسف و أوعدك إنها مش حتحصل تاني..

= يعني إنت بجد مش عايز تحكي و محرج تقول ؟

_ لا يا رضوى...

= إنت إسمك إيه طيب ؟

_ زياد

= إنت في كلية يا زياد؟..شكلك كبير

_ أنا في كلية طب..

= ماشي يا دكتور زياد...أنا نفسي أدخل كلية طب...بس مش عارفة حجيب مجموعها ولا لأ ...عندنا هنا نظام الثانوية العامة مختلف...هنا المواد بتـ...

_ رضوى معلش أنا مضطر أقفل عشان عندي محاضرة...

= أوك يا زياد و بجد لو إحتجت تحكي في أي وقت ماتتردش تتصل

_ أكيد يا رضوى

= سلام يا زياد

_ سلام

لم يصدق أن المكالمة انتهت , كان يبتسم في دهشة وهو يقترب من المدرج , فاته تقريبا ربع ساعة من المحاضرة , ذهنه كان مشغولا كليا بصوت طفلة الثالث الثانوي الرقيق الذي يثرثر دون توقف .., بعد المحاضرة لم يصدق ,رن الموبايل.., رقم رضوى !...الصبر يا رب !

_ آلو أيوه يا رضوى خير ؟

= زياد...

_ أيوه يا رضوى أكيد انا زياد

= أنا شحنت مخصوص عشان أقولك شكرا

_ العفو يا رضوى على إيه

= لا بجد أنا بشكرك عشان إنت اهتميت تسمعني و مقفتلش في وشي

أحسّ بالذنب..

_ لا يا رضوى متقوليش كده

= زياد

_ أيوه..

= أنا حسافر بكرة...

كان ينتظر ان تكمل , لم يكن متوقعا أن تتوقف مبكرا هكذا ..

_ تروحي و تيجي بالسلامة

= خلي بالك من نفسك ...أوك ؟

_ حاضر !

= ولو إحتجت أي حاجة...أي حاجة أي حاجة بجد...ما تترددش تكلمني...و أنا حبـ..

_ رضوى أنا حبقى مشغول جدا الفترة الجاية و أكيد لو إحتجت أي حاجة حقولك ...أشكرك...تروحي و تيجي بالسلامة..مع السلامة يا رضوى

= مع السلامة يا زيا...

أغلق الخط ثم أغلق الموبايل ثم ألقاه بسرعة في جيبه و هو يزفر في قوة...ينعل أبو " كلمني شكرا "...


4


بعدها بأيام لم تتصل رضوى , زياد كان يضحك كلما يتذكر المكالمات الطويلة, التي تنطلق فيها رضوى بصوتها الطفولي الرفيع في سرعة و تتابع...بابا ..ماما...تيتة...إنت متعرفش يعني إيه حد يبعت لك "كلمني شكرا " .., يفكر أنها تحتاج أن تتعلم الكثير , لا أحد بالتأكيد يمكنه أن يواصل الحياة بهذا الشكل..ستتعبين كثيرا يا رضوى .

أيام و نسي الأمر كله...إلا إنه استيقظ بغتة ليلة الخميس على صوت رسالة وصلت حالا على الموبايل..قام بتثاقل إلى المكتب...كان رقما غريبا....رقم دولي...و عبارة وحيدة مكتوبة بالفرانكو آراب :

Kalemny..shokran .

Wednesday, January 30, 2008


سدًا للذريعة



حسنا
..لنعيد ترتيب الأحداث بهدوء...إهدأ و فكر ببطء...أنا...كنت في التاكسي...في شارع السرايا..بالضبط في الإشارة السابقة لكوبري الجامعة ...سائق التاكسي كان يتابع طالبة طب على الرصيف الأخر من الطريق...كنت مشمئزا منه…لا ...كنت أحتقره...نعم هذا هو الأوقع, لأنني فكرت للحظة أن آمره مباشرة بالتوقف عن التحديق في جسدها بهذه الجرأة في وجودي ثم تراجعت..على يميني كانت فتاة محجبة....آنسة صغيرة...ربما طالبة طب هي الأخرى...سائق التاكسي لازال يتابع المزة التي على الرصيف الآخر ثم يعبث في أنفه بطريقة حيوانية...بينما صول المرور الكهل ينتظر الإشارة عبر الكوبري في لاسلكي ردئ ليفتح الطريقارتفعت أبواق السيارات من الخلف...الفتاة على يميني تلتفت بسرعة إلى الضجة… كانت قريبة جدا من الشباك ..وكنت أتحاشي أن أنظر إليها لكني كنت أتابعها....يسعل سائق التاكسي وهو يردد شئ ما عن المزز ...ينحسر حجاب الفتاة في إلتفاتها المفاجئ عن جزء ضئيل من دائرة العنق...فوق عظمة الترقوة مباشرة... يفتح الصول الطريق...يتحرك السائق فجأة كأنه بوغت ليتحرك...كنت قد مددت يدي من الشباك بالفعل....لماذا مددت يدي ؟...لأعيد الحجاب فوق دائرة العنق لأخفي عظمة الترقوة...لم أكن أتوقع أن يفتح الصول الطريق في هذه اللحظة...من كان سيتوقع ...يدي في اللحظة التي اندفع فيها السائق بالتاكسي كانت اهتزت بعنف...في النهاية...صدر الآنسة الصغيرة ,طالبة الطب ,كان كله في يدي...و كانت تصرخ...حينها كنا نبتعد بالتاكسي بينما السائق يتمتم في ذهول : يا بن الإيه يا صاروخ ؟....عملتها إزاي دي ؟
أنا لا أتذكربالتحديد....كيف يمكن أن أكون قد مددت يدي لأعيد حجابها إلى مكانه....ثم ينتهي الأمر بأن يستقر صدرها في كفي بهذه الطريقة ؟...لم أكن أعي حينها ماذا يمكن أن يحدث...فقط الأبله الذي
كان جواري كان يلتفت إلي ثم إلى الطريق بسرعة محاولا أن يفهم وهو يبتسم في دهشة , استولت عليه روح المغامرة على ما يبدو ,فضغط على المكابح بأقصى ما يملك من طموح في حكاية مسلية في المساء لزملاء المهنة , كأنه يريد أن ننجو سريعا أنا وهو بهذه الغنيمة الصغيرة , لذلك انتهى بنا الأمر فوق الجزيرة الوسطى بين مطلع كوبري الجامعة و المنعطف الأيمن نحو الميريديان , تهشمت مقدمة السيارة تماما و انطلق نفير السيارة يدل علينا بثباب و رتابة...
قليلا و كان السائق يولول أمام السيارة
بينما يحاول أحدهم في غضب عارم أن يفتح بابي...رأيت في المرآة الأمامية حشودا تركض نحوي, لتنضم إلى الواقفين بالفعل حول السيارة ينتظرون فتح الباب ...بينما الآنسة الصغيرة ...طالبة الطب كانت لا تزال هناك في الخلف تبكي و ترتجف بين آخرين , كلهم كانوا ينظرون إليّ….

*****



زنزانة قسم المنيل رطبة قليلا , الإضاءة ليست كافية لترى المساحة حولك كاملة , لذلك جلست مواجها لنافذة الزنزانة الوحيدة , لم اكن مرتاحا للجلوس على الأرض الباردة , فالتفت للجالس بجواري لأرى كيف يتكيف مع الوضع فوجدته بالفعل ينظر إلي ..." إنت هنا ليه ؟ " ...قال بصوت خفيض أقرب للهمس ...لم أكن أدرك في واقع الأمر لأي شئ تحديدا أنا الآن في هذا المكان...اعتقدت أنه من الأهمية بمكان أن أشرح لأحد كل ما حدث...بالتحديد إلى طرف محايد لن يكون مهموما كثيرا بإطلاق أحكام أو إقرار أي مجموعة من القيم على حساب الحقيقةهذا مهم لي بالدرجة الأولى بغض النظر عن أي شئ...ربما رؤية محايدة مفردة تكشف الأمر كاملا حتى و إن كانت من هذا اللص أو النشّال أو سارق الغسيل ذي الشفة المقلوبة إلى أسفل ..بالعكس ..هو أقدر الناس الآن على إصدار حكم نقي و خالص, هو لن يدافع عن أي شئ غير ما يراه حقيقيا , لن يدافع بضراوة عما لا يؤرقه من الأساس...بدأت أشرح بهدوء و دون مقدمات...أنا مهندس إتصالات...أعزب...كنت في التاكسي في شارع السرايا ... بالضبط في الإشارة السابقة لكوبري الجامعة
و بينما كنت أحكي
, كان من حين لآخر يرفع سيجارة نحيلة يضعها على شفته السفلى المقلوبة ثم يعيدها مرة أخرى إلى الأرض..حكيت له الحكاية كاملة و أنا أفكر أنني الآن بجوار نموذج مثالي لموقوف ذي ملامح إجرامية مثالية...لكنه كان هادئا في ثقة كبيرة...لا يعلق و إن كان معروفا أن ذلك عادة يزعج المتحدث..مما يدل على أنه لا يكترث كثيرا بأي شئ آخر غير ما أحكيه , مثل أن يكسب ثقتي مثلا بالإيماء المبالغ فيه أو التحدث من حين لآخر لإشعاري بالأهمية..." أنا فعلا مش عارف إزاي ده حصل ؟..." رفع السيجارة إلى شفته المقلوبة و سحب نفسا صغيرا ., قال ببطء.."يعني إنت عايز تفهمني إنك مديت إيدك تعدل الحجاب للبت رحت ماسك صدرها بالغلط ؟ "...كان هذا تفسيرا وجيها أضاء في رأسي فجأة رغم بديهيته أو رغم أنني ربما كنت أشير لذلك من البداية..." تقريبا...حاجة زي كده , بس أنا مسكت صدرها...يعني قفلت إيدي لما إيدي خبطت ف... "..بدأت أشير له كيف حدث ذلك....لم يبد مقتنعا.. .حركة يدي تعني بكل وضوح أنني فعلا قمت بذلك , أدركت أنا هذا فسحبت يدي ببطء .." طيب الناس ضربتك ؟ " ..." لأ جابوني على القسم هنا على طول "...." حد فيهم يعني قال إنك مكنتش تقصد "...لأ أنا حلفت لهم إني مقصدش و حاولت أحكيلهم الحكاية بس جابوني على هنا "...." إنت كنت متقصدش ؟ "....لم أجب , كنت أتوقع مني جوابا فوريا , لكن لم يحدث., فاكمل هو بهدوء.." بص يا ريس….اللي أنا شايفه إن سواء كنت حتعدل للبت الحجاب أو تمسك صدرها فالإتنين مافيش بينهم أي فرقيعني يا برنس لو تخيلنا إن مخك طالع منه أسلاك ماشية في رقبتك و بعدين في دراعك و رايحة لصوابعك , معايا..فحيبقى أقرب حاجة للمنطقة اللي طالع منها سلك إنك تعدل حجاب البت هي المنطقة اللي طالع منها سلك إنك تمسك صدرها , مفيش حاجة تدعو للذهول في الموضوع" ....تذكرت بوضوح أن المساحة الصغيرة التي ظهرت من عنقها فوق عظمة الترقوة كانت جميلة جداطاغية الجاذبية في الحقيقةفعمّق ذلك شعوري الضخم بالذنب رغم قناعتي الحقيقية أن الموضوع كله ليس أكثر من سوء تفاهم سخيف سينتهي و يتفهم الجميع ما حدث...أنا لايمكن أن أكون قد فعلت ذلك ..." إنت شكلك إبن ناس يا بيه " تابع بنفس النبرة الثابتة ..." و بتصلي و بتعرف ربنا..بس هو يمكن أزمة الطبقة الوسطي...إنت كنت خايف تلاقيك لما الحجاب كشف رقبة البت...من كتر خوفك لتبص عليها , قلت تغطيها عشان متخافش...بس حصل نفس اللي كنت خايف منه...الموضوع مُــعقد و متشابك..بس اللي أقدر أقولك عليه إنك بشكل أو باخر كنت ذكوري في موقفك بغض النظر عن التفاصيل "....بدوت عاجزا عن إبداء أي آراء...أنا في كابوس ..صمتنا معا , كنت أفكر أنه ربما من المفيد أن أعترف أنني قد فعلت ذلك...أنا لا أستطيع تفسير ما حدث...أنا فعلا أغلقت يدي ..أو...أنا يدي أغلقت على صدرها , أنا يدي أغلقها شئ ما ....أنا سأعترف بما يريده أي أحد إن كان ذلك سينهي الموقف...

*****

نادى عليّ صول الزنزانة , كنت انتظر حضور أي من أهلي بمحامي أو ما شابه , لكنه أخبرني أن حضرة الباشا بس اللي عايزني , قمت بهدوء و ودعني رفيقي المجرم بنظرة واحدة مليئة بالتعاطف وهو يرفع السيجارة إلى شفته المقلوبة , الضابط كان خلف مكتبه يرمقني بنظرة قاسية , و أمامه عبر المكتب يجلس رجل أشيب في الخمسينيات تقريبا , أراه للمرة الأولى في حياتي , ينظر لي نظرة عجيبة , كأنه يفحصني في مقابلة لقبول وظيفة , نظرة ثابتة طويلة , أشار الضابط إلى المقعد المواجه للرجل بلهجة آمرة : إتفضل يا باشمهندس.., جلست فقام هو و تبادل و الرجل نظرة إتفاق مسبق ثم غادر , لم أفتح فمي و توقعت أنني أمام محقق آداب أو ما شابه..." بص يا بني , أنا أبو نجلاء..." , كنت مشوش الذهن بدرجة لا توصف .. " نجلاء مين حضرتك ؟ " ...." نجلاء بنتي..اللي إنت يابني آآآآآآ " ...أحسست بالرغبة العارمة في البكاء...أبوها !...أنا الآن أمام أبوها ! " والله حضرتك أنا مكنتش أقـ..." قاطعني بهدوء أبوي " ليه يابني عملت كده....ليه بس " , كنت قد بدأت البكاء بالفعل , " بص يا بني ...بنات الناس مش لعبة ...و حفاظا على سمعتك و سمعتها ...أعتقد إنك تصلح غلطتك بهدوء و من غير شوشرة " ..." غلطة إيه حضرتك " ..." يعني إنت متخيل إن بنتي ممكن حد يتقدم لها بعد ما يعرف إن حد عمل معاها كده ؟؟!! " بدأ يحتدّ فانزعجت جدا ..." بص يابني...إحنا ميرضيناش إن ولاد الناس زيك يتبهدلوا...أي شباب بيغلط..بس برضه لازم تصلح غلطتك " .... لم اكن أعرف تحديدا كيف يمكن أن أعوّض الرجل عما حدث.. " إحنا يابني ناس غلابة...و اللي إنت عملته ده مايرضيش ربنا..و مش حنكلفك كتير...صلح غلطتك و بعدين إعمل اللي إنت عايزه " ....كنت على وشك أن أنطق , لكنه نظر إلى باب الحجرة و نادى بصوت قوي : إتفضل يا شيخ محمد ..., و على الفور كان في الحجرة شيخ معمم بدفتر كبير و خلفه شابين ضخمين ثم الظابط الذي أومأ للرجل : خلاص يا أستاذ فهمي...فأشار له الرجل برأسه أن نعم ....جلس المعمم على كرسي في نصف المسافة بيني و بين الرجل....مد الأخير يده نحوي فمددت يدي تلقائيا, وضع الشيخ على يدينا منديلا كبيرا ثم نظر للرجل الذي قال خلفه بصوت رخيم " زوجتك موكلتي " " زوجتك موكلتي " "البكر الرشيد .." "البكر الرشيد " "نجلاء فهمي عبد الرحيم.... " .


نHأ


Friday, March 23, 2007


بطولة مطلقة


(1)



صباح كالذي تنتظره كل يوم , صباح شتوي رائق و مُغو ٍ و هادئ , سيشتري "أحمد " الآن جريدته الأسبوعية المفضلة و لن يذهب إلى الكلية , سيضحي بالمحاضرة الأولى من أجل كوب شاي في "سيلانترو " ثم استمتاع بطئ بالحرية المختلسة كسيجارة في الهواء الطلق..
انشغل بمطالعة العناوين عند بائع الجرائد فلاحظ أن الذي مر جواره للتو هو "أدهم " , تعجّب كثيرا من أن يمر أدهم هكذا دون أن يسلم عليه كالعادة بود زائد و تزلف طيّب , فكر أنه لم يره ربما أو انشغل بالجرائد أو أي شيء , سلام أدهم لم يكن يعينه كثيرا , هو فقط كان لا يحب أن يشعر أنه فقد أحدا يهتم أن يصافحه بحرارة و يتودد إليه دون أسباب كافية , أحيانا يفكر أنه لا يستحق احتفاء أدهم المبالغ فيه , لكنه على كل حال يرى أنه مميز بشكل من الأشكال أكثر من أدهم العاري من المميزات الصغيرة , هكذا هي الدنيا , تمنح البعض و تسلب آخرين كما يعتقد , و كثيرا ما كان يشعر أنها سخية معه فيما يتعلق بصورته الشخصية لدى الآخرين..
فكر في "دينا " و رفع الموبايل إلى أذنه ينتظر بحة صوتها حين تكون مستيقظة للتو , كان في مزاج عالٍ و صحو , ولديه مبرر مبهم أن عليه الآن أن يستمتع للـ maximum , لكنه ذهنه الرائق اصطدم بصوت إغلاقها للخط , نظر إلى شاشة الموبايل الذي ألقى إليه بـ "busy" بشكل مزعج, فكر أنها ربما ضغطت على زر إلغاء المكالمة بطريق الخطأ , خاصة و أنها لا يمكن أن تكون مشغولة بأي شيء الآن , ثم أنه أخبرها ألف مرة أنه يفضل لو تركته يرنّ إلى النهاية من أن تغلق الخط في وجهه دون أسباب , كرر المحاولة , فأغلقت , كرر فأغلقت , لم يعد لديه أي شك أن هناك سبب قوي لذلك , حاول أن يسترجع أي شيء ربما يكون قد فعله و ضايقها , إلا أنه عندما تذكر أنهما بالأمس فقط كانا معا في الكلية و في أفضل حالاتهما انتابه استرخاء عميق أعاده إلى صباحه الرائق دون أدنى قلق , دينا مشغولة و ستتصل بي حين ينتهي الأمر لتخبرني أنها آسفة و تحكي لي كل شئ بالتفصيل ..



(2)


وصل إلى سيلانترو الشاغر صباحا , جلس في مكانه المفضل الذي لا يحظى به إلا في هذه الساعة , انتظر أن يأتيه "علي " كالعادة , النادل الودود الذي تعرف إليه منذ فترة و يرتاح إليه كثيرا , طيبٌ هو علي بشكل فاتح للشهية للبشر , لولا أنه فقط لا يتناسب مع المكان الفخم أوروبي الطابع بلهجته المشوبة بآثار ريفية قريبة و طريقته العشوائية في ارتداء اليونيفورم بالضبط كفلاح يرتدي البدلة الرسمية ..
وضع الجريدة و مرر عينه في المكان فلاحظ أن علي موجود , ربما لم يلاحظ دخوله ... فتح الجريدة و مرر عينيه على العناوين إلى أن أتى أحد الجرسونات و سجل طلبه و مضى , مرر عينيه على العناوين بسرعة ثم قرر قراءة القصة الطويلة التي في الصفحة الرابعة , أتاه الشاي و رأى "علي " يتحرك هنا و هناك مع زبائن آخرين , اندمج في قراءة القصة بهدوء , قليلا و عقد حاجبيه و توقف عن رشف الشاي بميكانيكية كما يفعل أثناء القراءة , دقيقة و ترك الجريدة و نظر حوله بذهول ... ما الذي يحدث بالضبط ..هل كان يقرأ منذ لحظة قصة طويلة أم يومياته الشخصية ؟!...القصة تحكي عن طالب بكلية الهندسة , يحب "دينا " و يكتب الشعر و تسرد كل ما يتعلق به و بها و بكل ما يدور برأسه إزاء كل شيء , أعاد قراءة القصة بهدوء , الأمر لا يتعلق فقط بسرد الأحداث , و إنما بما يدور في ذهنه هو .. القصة تبدو كأنها خرجت للتو من آلة طابعة وضع عليها رأسه , هز رأسه و كأنه يحاول أن يفكر في شيء آخر...
كيف ربما وصل الكاتب لهذه الدرجة من التطابق ؟ , القصة لا تذكر اسمه , فقط هو الراوي الذي لا يناديه أحد , لكن الباقين كلهم حاضرون بأسمائهم و بانطباعاته البسيطة حتى عنهم ..
أول ما خطر إلى ذهنه أن يتصل بـ "دينا " مرة أخرى , لن يخبرها بالتأكيد بموضوع الجريدة لكنه شعر الآن بالرغبة في العودة إلى السياق الطبيعي للأشياء , للمرة الرابعة أغلقت في وجهه الخط , شعر بالوحشة و أعاد قراءة القصة محاولا أن يجد ولو اختلافا طفيفا يسمح له بأن يشعر أن الأمر كله مصادفة سخيفة على الصبح , ثم انتبه فجأة !
دينا لا ترد , أدهم لم يسلم , و علي لم يهشّ له اليوم و يبادله المزاح..
أعاد قراءة المقطع المروي عن كل منهم بهدوء..








(3)


نصف من تعرفهم _على الأقل _لا يقرأون الجريدة , نصف من تعرفهم و يقرأون الجريدة لن يقرأوا القصة , نصف من تعرفهم و يقرأون الجريدة و قرأوا القصة لن ينتبهوا إلى ما تفكر فيه ...
هكذا حاول أن ينهي الأمر و يغلق باب التفكير في هذا الموضوع , لكن ذهنه لم يترك فكرة أن تكون دينا قد قرأت مثلا أنه في كل مرة لا يستطيع أن يبعد عن ذهنه فكرة أنها جميلة الجسد و أنه سعيد بذلك , أنه لا يحبها كما يحاول أن يصف و لكنه يشعر بالسعادة حين تكون معه , أنه حتى الآن لا يخطط للارتباط بها و ينتظر نصيبا آخر أو أن يحدث أي شيء , أما أدهم فسيكون سخيفا جدا أن يقرأ عن كل أفكاره السخيفة بشأن التميّز و مميزاته و الحديث عن تزلفه الحميم و سلامه المبالغ فيه , "علي " لا يتوقع رد فعله على الإطلاق , من المفترض أنه يعرف ذلك عن نفسه أو يتوقع أن يراه الآخرون فيه ..
في الكلية اليوم كان كل شيء طبيعيا ماعدا غياب "دينا " , عادي جدا , دينا تغيب كثيرا..
في طريقه إلى كافيتريا الكلية لاحظ أن "محمود " رآه ثم حوّل بصره إلى زميل آخر يحادثه , "خالد " ابتسم وهو يلوّح له من بعيد .....بشأن محمود كان يفكر دائما _ أو هذا ما رود القصة ..لا فرق الآن _ أنه شخص مهووس بفكرة أنه مثقف و قارئ جيد و عليم ببواطن الأمور التي تخفى على عامة الشعب , أما خالد فعلاقته دائما لم تكن تسمح بتلويحة هكذا من بعيد , اقترب من خالد المستند إلى جوار مدخل الكافيتريا , "إزيك يا خالد ؟ " ..." إيه ياعم اللي مكتوب عنك ده " .."فين ؟" "أهو ! "..
لم يكن يعرف ما هو التصرف الطبيعي إزاء موقف كهذا , و لكنه يعرف أن خالد شخص صريح و وقح و ليس لديه أي مشاكل تجاه أي شيء , ضحك أحمد ثم قال : ياعم خالد دي قصة , ضحك "خالد" بصوت أعلى ثم قال : بس إنت بدّعت و ربنا !.."بدّعت؟ ".."و بتقول عني إني شخص وقح و (و لكن تعجبني حريته ) ..ماشي يا عم...تشكر " " يا خالد دي قصة " ..لاحظ أنه يكررها للمرة الثانية لكن "خالد " انشغل بمتابعة إحداهن تسير بالقرب فلم تكن هناك فرصة أفضل للفرار ..
ناداه "خالد" و هو يضحك بشكل فظ فلم يرد , قرر أن يتجاهل الموضوع كله , الأمر كله عبارة عن نكتة سمجة عليه أن ينساها دون أن يفكر في تفسيرات أو نتائج...





(4)


"يا دينا دي قصة ! "..." بعد إذنك ما تكلمنيش تاني " "طيب يا دينا إنتي ليه متأكدة إن الكلام ده حقيقي ؟! " " قلتلك بعد إذنك بلاش نفتح الموضوع ده و متكلمنيش تاني " " يا دينا طيب قو... " تيييييييييت ...
رائع !
الآن دينا و بالأمس أدهم أخبره بوضوح :
"بص يا أحمد , انا بجد كنت بسلم عليك عشان بحبك , معرفش ليه كنت حاسس إنك شخص محترم قوي و كان نفسي أتصاحب عليك و نبقى إخوات يعني....إنت شخص مميز فعلا بس مش من حقك أبدا إنك تقول عليا كده "....لم يتفوّه أحمد بشيء , كانا واقفين في وسط الكلية , فقط تركه يتحدث للنهاية دون أي إعتذارات أو تبريرات , ثم مضى أدهم وتركه ثابتا في مكانه بوجه خاوٍ , لم يكن ينقصه في النهاية إلا أن يذهب إلى سيلانترو , كأنه يريد أن يحدث كل شيء في نفس الوقت فينتهي الأمر و يستيقظ في تاليه بلا ذاكرة عن أي شئ , لأنه لايفهم أي شيء ولا لديه أدنى فكرة عن أي شئ ..
"علي " قابله بوجه بارد حين دخل مسرعا ففوجئا ببعضهما أمام بعض , و تجنب بعد ذلك أن يمر بالقرب منه , حسنا يا علي , لا جديد...
حينما عاد إلى البيت وجد رسالة على الموبايل من "بهاء" صديقه الأنتيم , الرسالة إحتوت على تعبير بذئ واحد من مقطعين , الثاني هو "أمك " , كانت القصة قد روت أنه يكره رائحة عرق بهاء و أن بهاء حشّاش يستمتع بملامسة أجساد البنات في زحمة الخروج من السينما و أن رأسه خاوية بلا أي قيمة في الوجود سوى أنها تصلح لـصديق جيد و تافه يصلح للصداقة الدائمة , تذكر أنها ذكرت أيضا أنه شهم و قوي و صادق لا يكذب مطلقا , لكن بهاء على كل حال أحمق للدرجة التي يشعر فيها بالإهانة...
تأمّل أمه بتمعن و هي تضع الغداء , لم يبد عليها أنها قرأت شيئا .."مالك يا أحمد ؟! " .."مفيش يا ماما "...فكر ماذا كان سيحدث لو قرأت أمه ما ورد عنها في القصة...





(5)


ما هو التفسير الواضح لكل ما يحدث ؟
عم جمال البقال عرف أنه كان ينظر إلى جسد إبنته الجامعية من وراء الشيش حين تقف في البلكونة المقابلة, أيضا جارهم أستاذ فوزي عرف أنه يراه شخصا تافها و بلا أي معنى , لأنه لم يدافع عن زوجته التي تشاجرت مع عم جمال في الشارع فترك السباب و التراشق و صعد إلى بيته بهدوء..
دكتور " سالم " , أستاذ الإتصالات , هو الأخر لم يرد عليه حين ذهب إلى مكتبه الأسبوع الماضي لتسليم الشيتات , فقط تناولها منه و ناوله نظرة قوية , د.سالم هو شخص متسلط و إنتهازي و ضبطه أكثر من مرة يتودد إلى جميلات الدفعة بإكرامهم في الدرجات و الغياب..ببساطة..كل ذلك رود في القصة ...
كان يخمن يوميا و بكل ثقة و على مدار الأسبوع من قرأ القصة ومن لم تصله الأنباء بعد, كان يعرف من قرأوا القصة على الفور, و لذلك كان في طريقه إلى مقر الجريدة بالمهندسين , لم يعد هناك ما يمكن فعله سوى ذلك , صعد إلى الشقة الواسعة النظيفة و السكرتيرة كثيفة المكياج , شعر بالقلق من أن ينظر إلى صدرها البارز فيجد ذلك في العدد القادم خاصة و أنه في مقر أو "كهف الأسرار" , طلب أن يقابل المسئول عن الصفحة الثقافية و جلس يفكر في طريقته في التفكير في الأيام الأخيرة التي تشبه أن تفكر و عقلك مزروع بالأسلاك المؤدية إلى شاشة في ميدان التحرير تنقل الأحداث ثانية بثانية مباشرة من تلافيفك , لم يكن مسئول الصفحة موجودا , كان يريد أن يعرف كيف يمكن مقابلة الشاعر " فهمي النادي " كاتب القصة , أخبر السكرتيرة بذلك فأخبرته و هو يحاول قدر الإمكان أن يتجنب النظر إلى صدرها : "حتلاقيه على قهوة زهرة البستان...آه...كلهم بيقعدوا هناك " , لم تكن جميلة , لكنه شعر أنها ودودة في ملابسات وضعته تحت توصيف "الكلب الأجرب ", شكرها ثم خمّن أن عدة زيارات لزهرة البستان ستمنحه الفرصة في العثور على الرجل , و بالفعل , في المرة الثانية أشار له صبي القهوة بمجرد سماع الإسم إلى رجل في منتصف العمر يجلس في وسط مجموعة صغيرة و يعطيهم ظهره , اقترب بوجل ثم قال في هدوء وهو يميل قليلا : " أستاذ فهمي النادي ؟ "..إلتفت إليه الرجل ثم أشار إلى مائدة شاغرة قريبة : أيوه...إزيك يا "أحمد "...أقعد ثواني بس و أكون معاك ", تجمد أحمد لحظة محاولا أن يفهم ...
ثم تحرك في النهاية و سحب كرسيا و جلس بهدوء , حسنا ! , جلس يتأمل الرجل الذي عاد بكل بساطة إلى محدثيه و هو يرشف بسرعة من الشاي الذي أمامه , قليلا ثم سلم عليهم و أتى إليه : "إزيك يا أحمد ..عامل إيه..قريت القصة ؟ "..." حضرتك أنا مش عارف إزاي عرفت ده كل عني و إزاي أصلا تكتب حاجة زي كده ؟.." " إيه المشكلة يا أحمد " " المشكلة إني تقريبا إتفضحت ! " " بص يا أحمد...مش اللي مكتوب في القصة ده حقيقي ؟ " " أيوه حقيقي بس .." "يبقى خلاص!...الحقيقة دي شئ مهم جدا ...إيه قيمة إنك تعيش بشيء تاني غير الحقيقي اللي جواك " " أيوه بس أنا كده بـ..." "إنت المفروض تشكرني على فكرة ..أنا حررتك بشكل أو بأخر...دلوقتي حتقدر تتعامل مع الناس بلا مواربة و بوجهك الحقيقي " كانت كلمات الشاعر الفصحى طبيعية جدا و قالها ببساطة كأنه ينصح إبنه نصيحة بسيطة قبل مسلسل القناة الثانية , " بس الحقيقة دي خربت بيت أمي ! " كان يود أن يضيف أن عملية تحريره لا تخصه من قريب ولا بعيد , لكن "فهمي "نظر إليه بتعبير ناصح ثم قال : "اللي حيحب يتعامل معاك بأفكارك الحقيقية كان بها , اللي زعل من أفكار أكيد بترد على أذهان كل الناس عن كل الناس يبقى شخص زائف لا يستحق أصلا إنك تزعل عليه يا أحمد ! " بدا لأحمد أنه ليس هناك أي نتيجة منطقية لما يحدث الآن , لم يقل شيئا , قام فجأة و مضى وهو يكبت رغبة عميقة في روحه أن يسبه بأقذع ما سمعه من السباب ليكمل مسيرة التحرر العظيمة التي أسس لها في قصته..





(6)


أسبوعين الآن , و لا "دينا " أو "بهاء" أو "أدهم " أو أي أحد.., أحيانا كان يفكر في كلام "فهمي "..لم مثلا لا يسامحوه ؟ , لم لا يتوقعون أن الجميع يفكر في أشياء كهذي...الوحيد الذي لم يتغير هو "خالد "..صار صديقه الوحيد بالكلية , يقول "خالد " :
ياعم الحاج صلي على النبي ما تقلبهاش غم , طز, ما أنت ما كنتش بتحب البت أصلا ولا يعني أدهم الملزّق ده يخصك في حاجة , هو صحيح عيب عليك تشتم صاحبك الأنتيخ , بس أهو بقى , غلطت , حيدبحوك يعني..ياخي "** أم " الناس...عيش حياتك , قول أنا كده و اللي مش عاجبه يشرب مـ البحر..
نظر إلى "خالد" في سكينة , شعر أنه يحتقره , لكنه الآن هو الوحيد الذي يمكن وصفه بالنبيل , فرغم كل ما قرأه عن نفسه في القصة لا يزال يعامله بشكل طبيعي ,..
"صحيح يا أحمد إنت بتحب قوي تبص على داليا زميلتنا في السكشن ؟! ..و إلا حكاية دكتور سالم دي , مع إن الناس عارفاها بس شديدة الحكاية دي ..و يا سيدي عليك و إنت بتقول إن "علي " على طول عايش في الدور و مش وراه غير العربيات و الفشخرة بعربيته الجديدة..باشا وربنا " , ابتسم و خالد يتحدث كأنه هو كاتب القصة أو الفاعل الذي أدى دوره طواعية , تابع الجريدة في أعدادها التالية , لا يزال الكاتب يتحدث عن أشخاص آخرين...لا يعرفهم و لكنهم لابد الآن يمرون بكل ما يمر به , ما جدوى ما يفعله هذا الشاعر حقا ! , ما الذي يدفعه لكتابة كل هذا ؟.. تمنى لو كتب في الأسابيع القادمة عن كل الذين يعرفهم ليتساووا جميعا و ينتهي الأمر..






(7)


لم يكن يعرف تحديدا ماذا سيفيد ذلك , لكن "فهمي " اندهش كثيرا , "يا أستاذ فهمي أنا مش طالب كتير...مجرد قصة تانية ! " " بس ده مش حقيقي يا أحمد..مش معقول يا أحمد ! "..لم يساومه فقط طلب منه طلبٌ شخصي يهمه كثيرا ..." أرجوك...أنا إنسان , من حقي أطلب مطالب تافهة " دمعت عينا الشاعر , و مد أنامله يمسحها بسرعة قبل أن تجاوز عينيه , أومأ لأحمد في هدوء , فانتشى الأخير و طلب إتنين شاي ...







(8)


في الأسبوع التالي كانت القصة في نفس الجريدة الأسبوعية عن " أحمد " , الذي يقوم ببطولة أسطورية تسرد القصة أحداثها بشكل محكم ..ابتسم "أحمد " بسعادة بالغة وهو يقرأ عن بطولته المطلقة , يرشف الشاي في استمتاع بجوار الواجهة الزجاجية في سيلانترو و يبتسم للفراغ ..
, طلب الحساب ثم طلب "فهمي النادي "على الموبايل , شكره بحماس و أخبره أنه سيمر عليه في "زهرة البستان " بينما "علي " يضع له الشيك دون أن ينظر إليه...
في اليوم التالي كان يجلس بجوار "خالد " منتشيا , طلب "دينا " فأغلقت الخط في وجهه , أشاح عنه أدهم من بعيد و مرّ "محمود " دون أن يسلّم عليه , كان مبتهجا و سلسا , و ظل لبقية اليوم ينظر في الجريدة بين حين و أخر ثم يبتسم في سعادة






Tuesday, February 20, 2007

الغـــــــــــــــــــائبات





(1)



بدأ الأمر حين استيقظت ُ و لم أجد " علا " جواري , لم أشك في أنها ذهبت لبيت أبيها في الجيزة , كنا قد تشاجرنا بالأمس حول موضوع تافه , طلبت مني أن نخرج إلى أي مكان و رفضت , إذ بدا لي أن مجرد " أنها لم تخرج منذ ستة أشهر" ليس مبررا كافيا أن أفسد ليلة الجمعة
قمت لأشعل سيجارة بعد أن أفسد مزاجي تذكر ما حدث بالأمس , فتحت النافذة لأطل على الشارع من غرفة نومي , وهو ما لم أفعله من زمن من أجل "علا " و لم أتذرع لها يوما بأنني في هذا المنزل مثلا منذ سبعة أعوام لم أستمتع بسيجارة من نافذة غرفة النوم..
تثاءبت ثم قررت أن أواصل النوم , خاصة أنها لا تزال الثامنة صباحا على أقصى تقدير , إلا إنني و أنا أغلق النافذة لمحت جاري "علي" يهرول خارجا من البناية :
"علي ...خير ؟ " , "زوجتي و ابنتي دعاء ...ليستا في المنزل ..لا أدري أين قد يذهبان في هذه الساعة "...فكرتُ أنها مؤامرة ربما , لكن تذكرتُ أن "علا " و "حنان " _زوجة علي_ لا يمكن أن يتفقا على أكثر من الشجار في أوقات فراغ مناسبة لكلتيهما ..
بدأت أضع إحتمالات منطقية تفسر ما يحدث , و لكن الجريدة الصباحية كانت قد تكفلت بكل شئ في النهاية..