Thursday, June 17, 2010






Producer




حين وصلنا إلى موقع التصوير, أخبرت خفير الحراسة أننا نصوّر فيلما دينيا عن الشيخ, و أشرت ورائي إلى البروفيسير , الذي كان يقف على مسافة يتأمل المكان بعمق مداعبا لحيته البيضاء الصغيرة المهذبة, كان مدير الإنتاج قد أكّد لي استحالة أن يقوم هو بهذه المحاولة مسبقا, بهيئته و أسلوبه الذين لن يروقا كثيرا لخفير حراسة مشروع إنشاء مسجد كبير على طريق أكتوبر, لم يكن اختياري للمكان عبثيا أو قابلا للتفاوض أو البدل, كان بالضبط كما تخيلت : مسجد كبير فخم, بقبة كبيرة على هيئة فطر عيش الغراب, مسحوبة من الجوانب إلى أسفل, لم يتم بعد بناء الحوائط بين أعمدته الأسمنتية التي ترفع عارية من الطلاء القبةَ الضخمة, بحيث يبدو في هذه المرحلة من إنشائه كمعبد قديم مفتوح للهواء من كل الجوانب , يقع المسجد في الطريق بين القاهرة و مدينة أكتوبر, بحيث تحيط به من ثلاثة جوانب صحراء مفتوحة و طريق سريع, عند وصولنا إلى المكان قد كنت نزلت و طلبت من البروفيسور التجوّل بحرية, ثم اتجهت إلى الخفير الذي انتبه منزعجا إلى وصولنا, ظل يتأمل السيارة التويوتا البيضاء طوال مدة مفاوضتي معه, كأنه يحاول أن يستنتج صحة كلامي من هيئة فنيي الإضاءة و الصوت الذين طلبت منهم البقاء في التويوتا , أخبرته أننا نصوّر فيلما عن الشيخ إياد , شيخ من سوريا, و أننا نحتاج إلى ساعة لا أكثر في هذه الساعة الميتة من اليوم للتصوير_كانت السادسة صباحا تقريبا_ داخل موقع المسجد و أن ذلك سيكون بترضية مناسبة له, حُلّ الموضوع بعد أن تأمّل الخفير شيبة البروفيسير و كهولته المطمئنة التي يتحرك بها في المكان بألفة عميقة, ثم بمئة جنيه دسها على الفور في جيب جلبابه العميق فور تناولها مني, ارتكز بعدها أمام غرفته الصغيرة في تيقّظ مشوب بالنعاس, أشرت من بعيد إلى " مايكل" و "فادي "و " حنّا " و عم " منير ", فنزلوا بالمعدات و الكاميرا بسرعة, سرت إلى البروفيسير إياد الذي كان قد دخل إلى مركز المسجد, يتأمل قبته من الداخل في هدوء, كنا قد تحدثنا طويلا ليلة أمس عن الموضوعات التي سنطرحها في هذا الموقع, ثبت الفنيون الإضاءة و معدات الصوت, انشغل " مايكل" بكاميرته و ضبط اتزان الضوء في صمت , و بينما كان " حنّا" يركّب الميكروفون الصغير في قميص البروفيسير, كان الأخير قد بدأ يحدثني بانبهار عن عمق و سطوة الإحساس الذي يتولد لدى الناس عند تواجدهم في أماكن كهذي..طريقة البناء الناهضة إلى أعلى, كنوع من الابتهال الصاعد و المتضاعف في طريقه إلى السماء..القباب العالية الوسيعة, أكد أنه على الرغم من كل قناعاته العقلية لا يزال يجد مكانا كهذا مهيبا و مؤثرا فيه على نحو سحري .., بدأنا على مهل,و كان صوت البروفيسور يرن في فراغ المكان, الذي بدا أثناء التصوير في مرحلة وسط توحي بمصيرين , شبه مكتمل_ شبه منهار, صورنا لقاءا طويلا مع البروفيسير في عدة مواضع من المكان, ثم صورنا لقطات كثيفة لحركته في المكان و للمكان ذاته من الداخل و الخارج بعدة زوايا, كنت أعرف مسبقا أسلوب البروفيسور إياد و كاريزمته الشهيرة في طرح أفكاره بتسلسل ملفت: إياد أبو بكر , المفكر السوري الكبيرو أستاذ علم الإجتماع بعدة جامعات أوروبية, أحد أهم المهتمين بنقد فكرة الدين و نظرية الخلق, لم يكن لادينيا أو إصلاحيا ثوريا رومانطيقيا, بل ملحدا علميا صرفاً , يؤمن بقيمة العلم كمحور أساسي يرتكز عليه المجتمع الإنساني الحديث بكل مثله العليا, التي يحط منها الدين في رأيه, بأشكاله المختلفة و بفكرة الإله غيبيّ الإرادة, أثناء اللقاء لاحظت أن "حنا" _فنّي الصوت_ بدا عليه كأنه قد بدأ يدرك للتو أنه تعرض لخدعة ما, ربما لمتابعته الحوار عبر السماعات الموصلّة بالكاميرا التي يتابع منها جودة الصوت و نقاءه , كنت قد أخبرت فريق التصوير قبل يومنا هذا _ الأوّل في جدول التصوير المفترض للفيلم _ أننا نعمل على فيلم وثائقي يتحدث فيه البروفيسير و عالم الإجتماع السوري "إياد أبو بكر" عن عدة موضوعات متعلقة بالنقد الإجتماعي, كالتدين و الإحساس الديني, لم يكن عم "منير" _ فني الإضاءة_ مهتما بمحتوى الحوار و ظل طوال الوقت يتأمل المكان حوله أو يدخن أو يلعب في الموبايل, "فادي" _ مدير الإنتاج_ كان نائما في التويوتا , أما "مايكل" _ مدير التصوير _ فكان منغمسا كعادته في جودة الصورة و كان بارعا في ذلك..
اتصلت عليّ "رانيا" مرتين فخمنت أن هناك مشكلة ما في يوم التصوير الذي بدأته صباح اليوم, كانت تعمل على فيلم وثائقي عن فنان تشكيلي مصري شهير, لم أكن مبهورا بأعماله ولا هي حقيقة, لكنه نال مؤخرا اهتماما عالميا بمشاركاته المتتابعة في معارض و تجمعات فنية عالمية ترحّب باتجاهه الفنيّ, ومن اللحظات الأولى لإعداد الأمور, بدا أن الفيلم الذي تعمل عليه "رانيا" كما نقول _ أبناء الميديا_ "قماشته صعبة", فأجّلت الرد إلى ما بعد.


2



بعد أن غادرنا المكان إلى مطعم "جاد" في أكتوبر لتناول إفطار سريع بدأ الكلمات تتصاعد ,كنا قد ظللنا صامتين تماما في وجود البروفيسير"إياد" معنا في التويوتا , حيث أوصلناه إلى الشقة الفخمة التي استأجرتها له شركة الإنتاج للإقامة طول مدة التصوير, في "جاد" اقترب مني"حنا" و بدأ بحذر: هو الدكتور كان بيتكلم عن إيه ؟, " زي ما سمعت " ابتسمت و أنا أنفخ دخان سيجارتي بارتياح لنبدأ حوارا مكشوفاً . أخبرني "حنا" أنه انزعج تماما من تعبيرات البروفيسير إياد عن الله و عن الإسلام, و أنه شعر بانقباض رهيب أثناء التصوير_ هل كان يحاول إثارة غيرتي الدينية ؟ _ , لم يلتفت " مايكل" الذي كان يلتهم السندويتشات في تركيز, انتبه عم "منير" قليلا بينما ظل "فادي" كعادته يشير إلى الجرسون ببقية الطلبات و يتابع حساب قيمة المأكولات و يتكلم في الموبايل, قررت أن أفصح بوضوح عن حقيقة المهمة لكي أتجنب أي مفاجئات مستقبلية, خاصة بعد أن أتممنا أول تصوير بنجاح لم أكن أتوقع أن أرضى عنه بهذا الشكل, كنت منسجما تماما و ممتنا للبروفيسير, كان في الحقيقة ملحدا رائعا, لذلك تراجعت عن فكرة تغطية الأمر تجنبا لمواقف حماسية من أي أفراد فريق العمل , الذين أحتاجهم بشدة, كلهم معا و كل منهم على حدة , كفريق عملت فيه طويلا و أعرف قدراته الكبيرة على تشكيل منتج عالي الجودة, كان الأمر يشبه تضليل أطرافك و عينيك لتظل فكرة مربكة ما قابعة في ذهنك , ليتعامل معها الأخير وحده بعيدا عن توترات و ردود فعل بقية الجسد , اعتدلت إلى "حنا" و تحدثت معه أنني لم أكن أضلله حين أخبرته أن الفيلم يتعلق بالنقد الإجتماعي لأفكار كالدين و التديّن و وجود الإله, التفصيلة الواحدة الناقصة كانت أن أخبرهم البروفيسير إياد كان ملحدا أصيلاً, لا يرى خلف هذه السماوات الواسعة أي وجود واعٍ, مبرراً ذلك أنه لم يكن من الضروري إعلان ذلك إطلاقا, كي لا يتصرف أي أحد من أعضاء الفريق بطريقة عدائية تجاه البروفيسير لمجرد الاختلاف معه, أكدت على كلماتي الأخيرة منبها الجميع, سكت عم " منير" _ المسلم الوحيد في الفريق _ وبدا أنه كان قد بدأ يفكر في قلق إن كان الموضوع يستدعي منه أي مواقف, واصل " مايكل" _ مسيحي إنجيلي _ تجاهله للموضوع برمته , "فادي" كان غائبا عنا كالعادة في حساباته و مكالماته , أما "حنا" _ الأرثوذكسي الملتزم _ فقد اعتدل و صمت للحظة ثم التفت إليّ متجهما قليلا في جدية :" أستاذ محمود..الموضوع مش متعلق بالدكتور إياد مؤمن ولا مش مؤمن...المهم إيه اللي حنقدّمه للناس في الفيلم زي ده" , أسعدني أنه لا يزال يعبر عن الموضوع بصيغة الجمع في الفعل, كنت أعرف أن "حنا" مسيحيا متدينا إلى حد كبير, بالإضافة إلى كونه فني إضاءة ممتاز لا يمكن تفويته, لذلك قررت أن أتجنب الجدال حول فكرة القيمة و الجدوى, تخطيت ذلك إلى حدود أوضح, " بص يا حنّا...المطلوب مننا إننا نعمل شغلنا..الراجل ده مهم ..و العميل طالب إننا نعرض أفكاره على الناس خلال قنواته..أفكار البروفيسير إياد تخصّه..جودة الفيلم هو ده اللي إحنا بنقدمّه " , لم يبد على "حنا " الإقتناع الكامل بما قلت , التفتُّ إلى "مايكل " : ولا إيه رأيك يا باشا ؟ , " مايكل" كان قد انتهى من فطوره و بدأ يتابعنا بحياد, لذلك حين سألته بدا كأنه فوجئ بسؤالي, هز رأسه متفهما ثم قال:" والله أنا مش فاكر الراجل قال إيه بالظبط..بس أوكي..أنا موافق على كلامك..أنا راجل بروفيشنال...ممكن أشتغل في أفلام مش موافق على مواضيعها مادمت حعمل شغلي صح.." , انزعج "حنا " تماما من كلامه و ردّ بحدة زائدة: "يعني ممكن تصوّر فيلم بورنو يا عم مايكل؟" , بدا أن مايكل قد بدأ يستمتع بالحوار أو بمعنى اصح بإغاظة "حنا" , لذلك قال وهو يشعل سيجارة : ياسيدي ياريت...خلي فادي بس يدوّر لنا على سكة و أنا دايس , ضحكنا جميعا فيما عدا "حنا" , تلا ذلك حديث حرّاق معتاد عن أفلام البورنو و تكنيك إخراجها و مونتاجها بسخرية لاذعة, و حكى لنا عم "منير" فني الصوت المخضرم عن سوابق عمله في أفلام مقاولات رخيصة, و كيف كان يبدو الأمر أثناء تصوير مشهد ساخن في البلاتوه المزدحم بالفنيين و العمّال , استمر الحوار على هذا المنوال إلى نهاية مدة الفطور و استعدادنا للمغادرة, كنت بصفتي معدّ و مخرج العمل و منتجه الفني في نفس الوقت, لصالح الشركة التي تعاقدتْ عليه لصالح قناة إخبارية و وثائقية شهيرة ,كأنني قد أسقطت المسئولية من على كاهل الجميع تجاه آثام الفيلم لأحملها على كتفيّ وحدي , رغم أن "حنا" بدا لي مترددا إزاء استمرار مشاركته في الفيلم بصمته المتجهم و تفكيره الطويل, إلى الحد أنه و للمرة الأولى, جلس وحيدا في مؤخرة التويوتا شاردا من النافذة بينما دخّن الجميع و صخبوا في الطريق إلى شقة البروفيسير..



3



_ يا محمود أنا مش قادرة أستحمل فعلا, مشاكل من أول اليوم.

"رانيا", أحد أفضل المنتجين الفنيين الذين عملت معهم, و التي يلازمها سوء حظ مبهم منذ انضمامها إلى الشركة ..

= خير بس يا رانيا...إهدي و تعالي نفكر في حلول

_ مبدئياً, الضيوف بيتعاملوا معانا باستخفاف تام, مواعيد زبالة, و تناكة فوق الوصف, أنا أول مرة أشوف كده.

= فنانين بقى معلش يا رانيا ( محاولا تلطيف الأمور)

كانت على موعد للتصوير مع موسيقيّ كبير صديق للفنان التشكيلي, الموسيقيّ الكبير وعدهم بالتصوير الساعة العاشرة صباحا, حين وصلوا لم يكن قد استيقظ بعد, و بعد أن قضوا ساعة كاملة في ضبط اللوكيشن, خرج إليهم بملابس المنزل و عيون منتفخة ليخبرهم أنه فقد رغبته في التصوير.

- ولا كإننا مأجرين كاميرات ولا وقتنا بفلوس ولا بقالنا ساعة من ساعة ما فتحت لنا مراته قاعدين نجهز في كل حاجة...فنانين إيه و زفت إيه بس...حنعوّض الوقت اللي ضاع ده إزاي و إمتى..

= وعملتي إيه؟

- مفيش...طبعا قعدت أهدّي في المخرج و مدير التصوير و أقنعته نصور بكرة بالليل, حعمل إيه بس..الأستاذ التاني راخر مصمم إن ده اللي يتكلم عنه..

= كويس كويس...معلش..كله حيتظبط بإذن الله

- إنت إيه أخبارك؟

= معقول الحمد لله

- معلش أنا آسفة بس والله كنت مش عارفة أعمل إيه, قلت أكلمك أشوف عندك أي حل للموقف الزفت ده

= معلش يا "رانيا" حصل خير..إنتي اتصرفتي كويس جدا

- اوك..أسيبك بقى في اللي إنت فيه...سامحني معلش

= ولا يهمك

- أوك...سلام

= سلام يا "رانيا"..



4



صورنا لقاءات طويلة مع بروفيسير إياد في شقة أكتوبر, و قررنا أن نبيت جميعا معا في التويوتا, كما يحدث عادة في أيام التصوير المزدحمة, السائق و فادي و الفنيين على كنبات التويوتا جوار المعدات , بينما أنام أنا و مايكل في سيارتي , قبل أن ننقسم إلى النوم كنا قد تجمعنا في التويوتا لنصف ساعة نراجع تفاصيل اليوم , خمّنت أن "حنا" قد توصّل إلى حل نهائي مع ضميره القلق بشأن مواصلة العمل, مفاده أنه فعليا ليس مسئولا عن أفكار أحد و أن عمله ينصبّ على جودة الصوت بعيدا عن نتائج محتوى الفيلم, التي لا تضم محتوى محرّماً في ذاته, نويت أن أناقش معه لاحقا فكرة أن يكون الكلام محرماً , أن أعرف إلى أين وصل في ذهنه إلى تصنيف تعبيرات البروفيسير إياد السلبية عن الله و الدين عموما, وعن موقفه من كونه عضوا في فريق مسئول عن تمرير كلمة البروفيسور إلى الناس بوضوح بل و بفنيّة , و بعيدا عن ضغط و إلحاح فكرة " أكل العيش" التي أعتقد أنها كان لها نصيب الأسد من قراره, فقد أرضاني اقتناعه الجزئي أن من حق البروفيسير أو الإنسان الملحد في تقديم آراءه و أن يساعده آخرون , غير بالضرورة مقتنعين بأفكاره, في عمل ذلك, أو على الأقل , عدم ممانعته في ذلك. عم "منير" هو الذي بدأ ينزعج و يلحّ علي بمراجعة نفسي في إتمام ذلك الفيلم على نحو أبوي , دون أي إشارة إلى أي تفكير من جانبه في عدم مواصلة العمل, أخبرته أنني مثله بالضبط, أؤدي عملي المطلوب مني, و أن من حق الجميع التعبير عن أفكارهم , بل من المهم سماع الرأي الآخر في مسألة الدين, التي قد تساعد المتدينين أنفسهم على التثبت من أفكارهم..إلى آخر كل هذه العبارت التي هز عليها رأسه الكبير موافقا تماما وهو ينظر إليّ بعينين مفتوحتين مهتمّتين كثيراً بإبلاغي باتفاقه معي, "فادي" بدا عصبيا, ربما لمشادة لم أشهدها و تمت في غيابي مع "حنا" على توريط فادي للأخير في فيلم كهذا مما سيجعله يبدو الآن كـ(عيّل) راغب في الإنسحاب بعد بدء العمل , وهو الكفيل بتشويه سمعته المعقولة في السوق, عرفت تفاصيل المشادة من "مايكل " الذي حكاها لي بسخرية و استمتاع, كنت أعرف أنه يستمتع بالحكي عن "حنا" الصارم و الحاد في كل ما يتعلق بالدين و نقده المستمر للإنجيلي المتحرر صاحب الشعر الطويل الواصل إلى كتفيه و الحياة المنحلّة من القيم الأرثوذكسية . كون "فادي" مدير الإنتاج مسيحيا كان يدفعه إلى توظيف أكبر عدد من أخوته في الدين في أيام تصوير الشركة التي أعمل لحسابها, لذلك اعتدت على وجود عدد كبير من الفنيين و مديري التصوير المسيحيين حولي في العمل, وهو ما كان يخلق لي حالة من الإبتهاج حين أسمع نقاشاتهم و حواراتهم المندمجة عن الاعياد و الترانيم و تصوير الأعمال الفنية الدينية المسيحية داخل و خارج الكنيسة بمصطلحاتهم الدينية الخاصة غير المألوفة لدي, كان ذلك يشيع جوا من الأغلبية القبطية غير المعتادة. نمنا جميعا في هدوء, أرقت قبل الفجر بقليل, تأملت التويوتا من الشباك, بدت لي كشاحنة في مهمة خاصة , مكدسة بالبشر و المعدات, التصوير في مصر يشبه تهريب شحنة مخدرات, اختلاس و رشاوي و مطاردات , حتى في حالة وجود تصاريح, الأمن المصري يتعامل مع الكاميرا معاملة قطعة الحشيش, الشعب المصري يخاف من الكاميرا, لا أفهم لماذا تحديدا لكن ذلك مقبول في سياق مجتمعي منغلق و متخوّف, أذكر يوم تصوير في سوق الجمعة في منطقة القلعة, نزلنا إلى منطقة السوق بصحبة معلّم عتيد من أبناء المكان, تواصلنا معه عبر سلسلة من العلاقات الجيدة, و بدأنا في التصوير بسلام في وجوده, لكن بعد قليل و حين اضطررنا للإيغال وحدنا في دهاليز السوق , أنا و المصوّر فقط, لسهولة الحركة و من أجل اللقطات الأكثر طزاجة, بدأنا نتحسس في عيون الباعة و البلطجية نوعا من التوجّس, لأننا لم نكن نصور البضائع , كنا ندور بالكاميرا على الوجوه, فجأة صرخ أحدهم من أمام فرشته : إنتوا سايبينهم ليه...دول حيقلبوا علينا الدنيا . , لم أفهم, لكن المصوّر فهم, لأن البائع واصل الصياح و تجمهر حولنا عدد من البلطجية و الزبائن, في كل مكان في مصر هناك دائما ما هو مخبوء و غير شرعي و حيّ بالتغافل, الكاميرا الآن تهديد مباشر لنعمة التغافل, لم نخرج من هناك سالمين إلا حين سلمني المصوّر الكامير و صرخ فيهم بعنف أنه الآن في حماية المعلم فلان و اللي عايز ما يروحش لعياله يقرب ...إلخ, حين سألته بعد ذلك عن هذه المهارات الفذة , اكتشفت أنه نشأ بولاق, أنا من مواليد إمبابة , لكنه كان في الحقيقة أكثر حنكة مني,لأنني حينها كنت أحاول تهدئة الأمور بالتزام الهدوء و تبادل الكلمات الودية, وهو ما زاد من شكوكهم تجاهي, عايرني بذلك لفترة طويلة بعدها , تثاءبت في إرهاق , اتصلت بـ"رانيا", لم ترد عليّ, قضيت وحدي حوالي نصف ساعة أراجع برنامج الغد في مصر القديمة.



5



_ إزيك يا محمود

= إزيك يا رانيا..

_ معلش إمبارح معرفتش أردّ

= ولايهمك..مش عارفة أحكيلك إزاي اللي حصل إمبارح

_ إحكي..

حكت رانيا أنه بالأمس كانت تصوّر مع فنان تشكيلي كهل, صديق عمر الفنان موضوع الفيلم, الرجل من البداية لم يبد متعاونا كما بدا أثناء الاتفاق معه, محاولا تحويل دفة الحوار إلى لحديث عن أعماله الشخصية, بل و طلب من رانيا تصوير أعماله, رانيا حاولت باللباقة المتاحة أن تعيد الحوار إلى وجهته الأساسية, باللطف مرة و بالمزاح مرات, الرجل أظهر عنادا هائلا و بات الأمر معقدا جدا أمام رانيا, اتفقت مع مدير التصوير على ألا يسجل كل الهراء الذي سيقوله عن ذاته, و التسجيل فقط حين يبدأ في الحديث عن صديق عمره, لكن رانيا ارتكبت خطأ فادحا, حين نفد صبرها و الوقت يمر و يضيع و يتلاشى أمام طاحونة الكلام النرجسية المكوّمة أمامها, فذكّرته بلطف أن الوقت المتاح قارب على الإنتهاء ولابد من أن نتحدث قليلا عن أهم أعمال صديقه الحميم

انفجر الرجل بغضب عارم :

أهم أعماله..إنتي فاكرة نفسك بتتكلمي عن مين...محمود سعيد ولا عبد الهادي الجزار..لعلمك بقى..أنا من الأول و أنا حاسس إنك عايزة تهمّشيني..هوّ أصلا فنان مش مهم..أنا أهم منه...المفروض كنتوا تعملوا فيلم عني أنا.

تدخل الفنيون و عمال الإضاءة و مدير التصوير لتهدئة الرجل الذي نهض مغادرا الغرفة و وهو يصيح هائجا: أنا أهم...أنا أهم..

رانيا لم تصدق, أخبرتني أنها ظلت تضحك طوال طريق العودة من منزل الرجل إلى الشركة, ثم بكت في الشركة, ثم اتصلت بالمدير التنفيذي للشركة فلم يردّ عليها كالعادة, ثم عادت إلى البيت.



6



في الإيميل الذي وصلني من بروديوسر القناة, المسئول عن متابعة الفيلم من جانبها, كان الرجل واضحا بشأن عدم تحويل الفيلم إلى عرض خام لفلسفة البروفيسير بأي حال من الأحوال, كان عمق الفيلم هو الموقف العلني للبروفيسير إياد _الملحد العربي _ الذي يعيش بين أوروبا و سوريا و لبنان, دون قلق من أي مواقف عدائية من إعلان هويته الفكرية التي يتحدث عنها بحرية في كل مكان, حين سألت البروفيسير عن إن كان حدث و تعرض لأي محاولات للإعتداء عليه بسبب أفكاره, نفى ذلك تماما و وضّح لي أنه لا يحبذ أن نتطرق لهذه المسألة كثيرا في الفيلم, ذلك على الرغم من تعرضه لسيل متواصل من المهاجمات اللفظية على القنوات الفضائية و في المقالات اليومية و الأسبوعية في عدة مطبوعات عربية شهيرة, أخبرني أن ما حماه من غوغائية السلطة الدينية هو أنهم يعلمون أن أفكاره لن تصل أبدا للعامة على شكلها الحالي, ستظل حبيسة نخبويتها رغم شهرته الواسعة, و إن كان عليه أن يقلق _ يضيف البروفيسير_ بعد إذاعة هذا الفيلم على أشهر قناة إخبارية عربية, لأن ذلك أن هناك حاجزا ما بينه و بين العامة سيبدأ في التلاشي عبر الصورة و التبسيط الملازم للحضور على الشاشة, لم أكن أعرف سقف طموحات الرجل, و لكني لم أستطع أن أخبره أن عليه ألا يقلق تماما, في المونتاج سيتم تحويله إلى ملحد لطيف لا تؤذي تصريحاته أي مشاعر دينية خاصة, ربما لأنني أقدّر ذكاء الرجل و أعرف أنه يفهم جيدا طبيعة القناة التي وافق على التصوير من أجلها, كذلك كنت أعرف أنه يعمل منذ فترة مع مساعدته الفرنسية _ من أصل مصري_ على مخطوطات أولية لبحث حول علنية الإلحاد في الوطن العربي, و على الإنترنت بشكل أخصّ, لا كبحث تاريخي, بل نبش حاليّ في مواقع الملحدين العرب على الإنترنت و حسابات الفيس بوك و المدونات العربية التي يكتب أصحابها بأسماء مستعارة, , كان المشهد _ على حد تعبيره _ غير مشجعا على الإطلاق, البروفيسير بدا مستاءً من الأداء الحالي للملحدين العرب على الإنترنت بشكل عام, كان يراه هزيلا و استعراضيا و فارغا بقدر ما كان يجب عليه أن يبدو بما هو أليق به : رصينا و ثابتا و متزنا و عقلانيا, الإلحاد _ يقول _ هو الموقف العقلانيّ الأعلى في التاريخ, دون حلول وسط أو ترضيات مجامِلة , لا تستتبع أبدا هذه الروح العدائية العنيفة و العروض الهزيلة فكريا, إلى جانب المهارات اللغوية البذيئة التي تغلب على أعمال و كتابات ملحدي الإنترنت العرب, الذين لا يزيد أصحاب الهويات المعلنة فيهم عن أصابع اليد, وهو ما يراه منطقيا و مخزيا في ذات الوقت, حتى أن بحثه انحاز أكثر في تحليله للخطاب الإلحادي على الإنترنت إلى مشاهير الملحدين ذوي الهويات السرية مثل : بن كريشان و غيره, الذين بدأوا في التحوّل إلى ما يشبه الأيقونات , البروفيسير كان يرى أن ثقافة الإلحاد في الوطن العربي بدت له بعد بحثه الواسع على الإنترنت كما لم تبد من قبل : غير ناضجة ,مهزوزة ,ملتبسة على ذاتها, تطرّق الموضوع بعد ذلك بالطبع إلى تاريخ الإلحاد العربي, كنا أثناء ذلك مسترخيين تماما في شرفة شقة أكتوبر, نتأمل المدينة الجديدة في الليل, بدا مزاجه صافيا كسماء تلك المدينة, أعدت لنا "صافي" _ مساعدته نصف الفرنسية_ شايا بالنعناع, ساعد على فكّ أعصابنا إلى حد بعيد, قليلا و بدأت ذاكرة البروفيسير تتحرر, أخبرني أنه لم يعجب في حياته بأحد قدر إعجابه بالملحد العربي الكبير, الطبيب الفيلسوف و درة زمانه: زكريا بن الرازي, كلما قرأ مساجلته الشهيرة التي دوّنها أبو حاتم الرازي في كتابه " أعلام النبوّة" يشعر بطاقة غريبة تتدفق في عروقه, كان الرازي في مساجلته _يقول البروفيسير_ غاضبا و منفعلا و حانقا على عبثية المنطق الديني, غير منكر للوجود الإلهي بالكلية, لكنه كان إنسانيا إلى حد ملهم في ردوده على أبي حاتم, دون مواربة أو تخفٍ, على نحو ما فعل آخرون في التخفّي الحذر وراء معتقدات البراهمة و منكري النبوّات, بعرضها كأفكار غابرة بينما يضمنونها أفكارهم الشخصية مثل : ابن الرواندي أو ابن المقفع في "رسالة برزويه", كنت قد قرأت عن ابن الرازي, و خمنت أنني بدوت له غير مهتم وأنا مسترخ تماما على الكرسي أرشف شايي في هدوء دون أعقب أو التفت إليه, لأنه صمت فجأة و سعل و عبث في لحيته, شعرت بالحرج, اعتدلت و حاولت أن أعيده إلى حديثه المسترخي, سألته إن كان سبب إعجابه بالضبط هو إعلان إبن الرازي لموقفه, فتململ على مقعده ثم ردّ باسترخاء أنه لا يعرف تحديدا , و لكن ربما هو إتزانه و بهاء عقليته العلمية المنهجية, مسألة العلانية تحتاج إلى بعد زمني, على نحو ما حدث في نهايات القرن الثالث الهجري و بدايات الرابع, حين توقفت السلطة الدينية في تعقب الزنادقة و الملاحدة, لأنها شعرت أنها تحوّلهم لأيقونات و شهداء على حساب مصداقية سماحتها العقائدية, فتركت لهم الحبل على الغارب في تربّص مكتوم بعد فترة تعقّب طويلة, ذلك كان نوع من الانتصار المؤقت, لكن انتصار ابن الرازي كان لا زمنيّ, حيث ربط بذاته الإلحاد إلى عقلية علمية نادرة في التاريخ العربي و الإسلامي, سكت ثم أضاف فجأة, أنه لم يصل إلى علمه إن كان الرازي قد تعرض لملاحقات بسبب مواقفه, لكنه يعتقد ان ابن الرازي كان أنيقا بما فيه الكفاية لتتجنبه الغوغائية الدينية, فكّرت أن البروفيسير ربما يفكّر الآن في نفسه, سألني عن خططي المقبلة بشأن الفيلم, حكيت له باختصار جدولنا في الأيام القادمة, انتبهت "صافي" التي كانت منهمكة على اللاب توب بالداخل, نظرت إليها بطرف عيني فبدت لي أقرب إلى حبيبة سرية منها إلى باحثة مساعدة.



7



_ إيه الأخبار يا "رانيا"

= الحمد لله تمام

_ الأمور ماشية كويس معاكي...أنا بتصل بطمن

= معقول...مش فاضل غير الإنترفيو مع عم الموسيقار..أنا حكيتلك طلب مني إيه ؟..

الموسيقي الكبير, صديق الفنان التشكيلي, يطلب من رانيا أن توافق على دعوتها على الغداء في مطعم إيطالي بالمهندسين, معا بمفردهما, للحديث بشأن الفيلم و تحديد ميعاد للتصوير..

= تخيل..أنا طبعا فاهماه كويس.. من ساعة الموقف الزبالة اللي عمله معانا و كل ما أكلمه لتحديد مواعيد جديدة تناسب جدول سيادته يبدأ يحكيلي عن تعاسته الشخصية و احتياجاته الفنية في المرأة..و إن زواجه التقليدي ضروري لإستقراره النفسي بس هو بيحلم بأنثى مختلفة..أنثى تفجر طاقات أمه الإبداعية

_ أها..

= حاجة تقرف

_ طيب و حتروحي ؟

= لأ طبعا

_ و حتعملي إيه

= ولا حاجة يولع الفيلم..بلغت أكرم _ المدير التنفيذي _ و قلت له حدوّر على حد يتكلم تاني غيره

كنت أعرف " أكرم" جيدا, و تخيلت رد فعله خاصة وهو يعلم أن الفنان التشكيلي مهتم جدا برأي صديقه الموسيقي الكبير

- أها

= بص..لو أكرم قفش معايا في حاجة زي كده أنا حسيب الشركة فعلا...و بناقص قرف..المهم..إنت إيه أخبارك مع عم الملحد ده كمان

- تخيلي لو الضيوف سمعونا بنتكلم عنهم كده ..حيقولوا إيه

= حيقولوا إيه يعني..ما هما بيقولوا علينا أكيد أكتر من كده

_ تفتكري ؟

= آه طبعا...إنت فاكر يعني عم الفيلسوف بتاعك ده بيحترمك...أكيد بيفكر إن إنت واحد أرزقي و جاي تعمل سبوبة على حسه...وهو موافق عشان الفيلم يتعمل عنه

- أها

= بس طبعا إنت شكلك عمال تظبطه و تتكلم معاه الكلام الكبير بتاعكم ده فممكن يحترمك شوية

- هو راجل محترم من الأساس..

= ربنا يرحمنا من الأشكال الضالة اللي بنشتغل معاها دي...رسّام عيّان و ملحد

- ههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههههه

= أنا والله خايفة ألاقيك اقتنعت بكلامه...أنا أصلا شاكة فيك يا "محمود".

"رانيا" في مأزق كبير, دعوة الموسيقار على ما يبدو لن تنتهي بسلام.



8



حوالي الساعة العاشرة صباحا, وصلنا إلى موقع التصوير, دون البروفيسير, الذي تركناه ينعم بجولة ودية في القاهرة بينما نصوّر لقطاتنا العامة, دلني على هذا المكان خزّاف مصري عبقريّ, صورت عنه تقريرا قصيرا منذ 3 أشهر, المكان يقع في منطقة عشوائية فقيرة يعمل أهلها في صناعة المنتجات الخزفية و الجيرية , بالقرب من مسجد عمرو بن العاص, أفطرنا في التويوتا ثم نزلنا, طلبت أن يكون معي "مايكل" فقط, سنصور دون إضاءة و بلا صوت إلا ما تسجّله الكاميرا, لقطات طبيعية بالكاميرا الحرة محمولة على الكتف, امتعض مايكل للحظة ثم تحركنا, وصلت إلى المكان المطلوب, ساحة كبيرة كفناء أو اسطبل قصر قديم محاطة بسور عال من كل الجوانب, اقتربنا من الباب, كان هناك عم "بدير" ,صاحب المكان الذي همّ لتحيتنا ببشاشة بناء على توصية الفنان الخزفي, الذي عمل معه كصبي لسنوات في مرسمه مسئول عن تجهيز أعماله و موادها الخام, فتح لنا الباب ثم انصرف, دخلت خطوة أو خطوتين ثم التفت ورائي, كنت أنتظر مايكل الذي كان مشغولا في ضبط الكاميرا ثم انتبه إليّ فخطونا معا إلى الداخل ,كان مفرودا أمامنا على امتداد البصر آلاف التماثيل الجيرية الملونة و البيضاء, الكاملة و النصفية و المهشمة , مبتورة الذراع أو الرأس أو ممسوحة الطلاء , للسيدة مريم و السيد المسيح, آلاف التماثيل مصفوفة على أرضية الساحة كمحفل إلهي مزدحم, متجاورة و متباعدة , منتصبة و مسنّدة و مستلقية ,أشرت إلى مايكل الذي استغرق في تأمل طويل أن يبدأ : لقطات عامة واسعة ثم لقطات قريبة, لم يبد أنه سمعني جيدا إذ تقدم بخطوات بطيئة في المكان ثم بدأ في العمل, قليلا و استغرف مايكل تماما في التصوير بينما نخطو بين صفوف التماثيل الإلهية المتراصة, كنت واثقا من قدرة هذا المكان على وَقْد روح مايكل, بحيث كنت إذا انتهيت من اللقطات المطلوبة عن تمثال ما , لا يكن هو قد انتهى بعد, فيتركني التفت منشغلا هو بالتقاط التفاصيل الأدق فالأدق من كل الزوايا كأنه لا يسمعني, بتعابير وجهه المثقلة المندمجة, كنا قد وصلنا تقريبا إلى مركز الساحة, في المنتصف من آلاف الآلهة المنتصبة حولنا, حين دوى صوت انفجار ما بالقرب و ارتج المكان, تمايلت الآلهة , كزجاجات كثيرة على مائدة غير ثابتة , تتماس و ترتطم وترتج , انحنيت على الأرض, انبته مايكل و بوغت , صرخ كأنما مست كتفه يد جافة في قبو مظلم , و سقط على الأرض , حاولت أن أناديه, لكنه كان قد نهض و التفت حوله في فزع و ركض خارج المكان كالفار من العذاب الأبدي..



9



ساعة كاملة قضاها مايكل متوحدا في التويوتا, رافضا الحديث معي و مع أي أحد, لم أكن قادرا على تمالك نفسي من الضحك , هو ذاته كان يبتسم خفية مشيحا بوجهه إلى النافذة , أفهمت الجميع أن هذه الانفجارات مألوفة في هذا المكان القريب من المقطم, حيث تتم تفجيرات منظمة منذ فترة بعيدة في جسد الجبل للحصول على صخوره الصلبة و تشذيبه بعد انهياراته الأخيرة, "حنا" حين حكيت له ما حدث استغرق في نوبة ضحك قاتلة, ثم جرى إلى الفناء الواسع ليرى المشهد بنفسه, اقتربت من "مايكل" وأنا أكتم ضحكي بصعوبة, متفهما ثقل ما حدث ولو على ذهنية إنجيلي لا مبالٍ, مايكل على ما يبدو كان قد تعرض لما قد يفوق تصوره هو عن ذاته إزاء التعرض للمقدس, "عم بدير" نفسه ذكرني أنه لا يدخل المكان ليلاً أو دون مرافقة, فقط يحمل صبيانه منه و إليه التماثيل التي يصنعونها أو يصلحونها في المواسم و الأعياد للكنائس و البيوت, شعرت بالذنب , لكنني قررت أن أتحدث كأن شيئا لم يكن , " بس الله ينوّر" , التفت إلى "مايكل" أخيرا وهو يبتسم على نحو غائم, عاد "حنا" وهو يشير إلى "مايكل" : دي بس قرصة ودن يا كبير..خلي بالك, قالها فشعرت بها على سبيل "إياك أعني و اسمعي يا جارة, لكن "مايكل" أخرج سيجارة جديدة و أشعلها و قال: طيب شوف الكاميرا سليمة ولا اتكسر فيها حاجة ثم التفت إليّ و التفت مجددا إلى النافذة..



10



_ هو أنا إيه..شغالة بروديوسر ولا حاجة تانية ولا إيه بالظبط

= بالراحة بس يا رانيا

- يعني إيه لازم أتغدى معاه..دي سفالة من أكرم مش حسكت عليها...إزاي يطلب مني كده وهو عارف و وضحت له إن الراجل بيبصبص لي علني

= ......

_ لا و بيقولي إني مغرورة و بتخيل حاجات و بدخل الشخصي في الشغل و إن الراجل طالب مقابلة عادية زي أي ضيف تاني قابلته...استهبال بقى...أعمل نفسي عبيطة و أروح عشان خاطر الفيلم...لا..ده عند أمه...يولع الفيلم بالشركة باللي فيها

= يا رانيا الموضوع ممكن يتحل ببساطة

_ حتى لو فيه حلول..كون إني أشتغل مع بني آدم بيفكر بالطريقة دي فدي كارثة لوحدها...( رانيا تصرخ )..أنا زهقت..أنا قرفت...أنا بكرة حروح أقدم استقالتي و حشتكيه في الإدارة.

= يا رانيا أكيد أكرم ما يقصدش...إنتي عارفة أكرم كويس

- بص...هو أنا و أكرم ما بنقبلش بعض من زمان..فبيحط لي العقدة في المنشار..وأنا مش حسكت

= خدي وقتك بس و فكري كويس

- سلام يا محمود



11



صوّرنا عدة لقاءات طويلة , مع قساوسة و كهنة و ممثلين رسميين للكنيسة الأرذوكسية و الإنجيلية في مصر, و مع أحد مشايخ الصوفية و داعية إسلامي شاب و شيخ أزهري كبير, كانت كلها تدور حول تقييمهم لتجربة البروفيسير و علانية موقفه , لقاءات روتينية اتسمت بضحالة تامة من الجانبين, أنا لكوني مضطرا لتنفيذها وفقا لتصوّرات القناة المنتجة, و هم لأسبابهم الشخصية أو عدم استعدادهم للقاءات كهذي , أو أنا الذي تكوّنت لدي قناعة أن السماحة التي تكلموا بها عن احترامهم لموقفه سماحة إفتراضية, كذلك ذلك الهدوء التام و اليقيني الراكد في أرواحهم , تعاملهم مع موقف البروفيسير بتعالٍ , كمبشر أوروبي يربّت على رأس طفل إفريقي , هل أنا متعاطف و منحاز إلى إياد أبو بكر ؟ , لم أواجه أي مشاكل جديدة مع الفريق, الذي بدأ يعتاد على موضوع الفيلم بشكل أسرع مما توقعت, فقط " مايكل" استغرق وقتا أطول مما توقعت هذه المرة حتى يتعافى من تصوير ساحة الآلهة, لكنه عاد مجددا لجر شكل "حنّا" و التدخين بشراهة و العبث في شعره بغرور بعد أي تصوير يعزز صورته لدى ذاته كمصوّر محترف, اقترب جدول التصوير من نهايته, و قررت أن يكون التصوير الأخير للبروفيسير , عكس ما كان مقررا, أن يكون فوق سطوح منزل في إمبابة, منطقتي الأم, بدلا من حديقة الأوبرا, امتدت خلف البروفيسير منازل الطوب الأحمر بقرونها الحديدية الكثيفة و أطباق الفضائيات الغزيرة, كان يستند بظهره إلى سور بسيط من الطوب الأحمر بينما يمكن رؤية زحام هائل من البيوت و المآذن وراء كتفيه, كان سعيدا جدا بهذا الموقع و غمره تصويرا وهو و "صافي" بكاميرته الشخصية, كان الإنترفيو الختامي عن تقييمه الشخصي لتجربته, عن القيمة التي يعمل علىتحقيقها خلال عمله, وبابتسامة بسيطة مسترخية قال البروفيسير أنه سيعمل من هذه اللحظة على الوصول إلى الناس, هذا كان السبب الأساسي في قبول تصويره لفيلم عنه, سيصدر طبعات جديدة من كتبه بلغة مبسطة و قريبة, و لن يترك فيلته في دمشق, سيبقى هناك سواء تحت الحماية أو لا, محاولا أن يكون نموذجا لما ينبغي أن يكون عليه الإنسان من الثبات على موقفه و إعلانه , و تحمل أي تبعات لذلك , ممهدا طريقا ما ولو وعرا للقادمين من خلفه,أن يكون كما يصف نفسه, نواة أولية مصممة على البقاء في تربة رافضة لها فتعتاد على ملمسها و تتشعب فيها جذورها الصغيرة, عقب التصوير لاحظت أن "حنا" كان يراقبه بحرص ثم أعرض عنه كليةً, عم " منير" كان يمزح كالمعتاد حيث عقد صداقة لطيفة مع البروفيسير مع الوعد بزيارته في سوريا, دعوت البروفيسير إلى الشاي في منزل أهلي في بناية قريبة.



12



كنت مع "رانيا" في سيارتها الصغيرة حين رن الموبايل, كنا نبحث عن مكان نجلس فيه قليلا بعيدا عن الشركة, اشتبكت هي و أكرم مجددا و صرخا أمام بعض بشكل هستيري, الفيلم تعطّل و الموسيقار انزعج من تجاهل رانيا لدعوته و بدأ يراوغ, نصحتها أن تترك المشروع بالكامل لأي منتج فني آخر, لكنها كان لديها نوع من الالتزام الأخلاقي تجاه الفيلم

_ مش عايزة أسيبه في النص..مش أنا اللي أعمل كده حتى لو حستقيل من الشركة...لازم أكمل شغلي..

أعتقد أن الأمر كان ينطوي على نوع من التحدي بالنسبة لرانيا أمام ذاتها, بدت لي وهي تقود سيارتها الصغيرة بتجهّم , شخصا نبيلاً و نظيفا تماماً, لم أكن أعرف فيم تفكر تحديدا, و صمتّ لأنها على ما يبدو كانت تحتاج للتفكير , حين رنّ الموبايل, أمسكته بعنف, خمنت من على الطرف الآخر فوراً :

_ ألو...بص..إحنا خلاص مش حنصور معاك...بلا إنتي بتكلمي مين بلا زفت...إنت أصلا مجرد حيوان...لا موسيقار كبير و لا خرا...ينعل أبو الفن اللي يعمله بشر أمثالكم يا ولاد الكلب.

أغلقت الخط و ألقت الموبايل جوارها بعنف...أنا منبهر..أنا منبهر.



13



دعاني البروفيسير على العشاء, بمناسبة انتهاء التصوير, بصحبة "صافي", كما لو كان قد لاحظ فجأة أنه تقريبا لا يعرفني, " كنت مشغول بالفيلم عنك يا أستاذ محمود" قال مبتسما و كأنه يعتذر عن أننا لم نندمج معا بالشكل الكافي, في الوقت الذي كنت اعتبر ذلك تقصيرا من جانبي أنا بصفتي المسئول عن التواصل مع الضيف, ربما لأنني بالفعل كنت قد تعرفت إليه بكثافة عبر كتبه و مقالاته التي أنغلقت عليها قبل عدة أسابيع من بدء التصوير و رغم سؤالي له عن كل تفاصيل حياته الشخصية, و التي قدمنا بعضها فقط للمشاهد, تبعا لتعليمات و مخاوف القناة المنتجة من أن تقدم أكثر مما ينبغي من المعلومات الشخصية عن "ملحد عربي", لكنه على ما يبدو كان يقصد التواصل الإنساني الأعمق, المعرفة الحقيقية للشخص, و بالرغم من أنه لم يسألني مرة واحدة عن قناعاتي الدينية, فقد اهتم أكثر بتاريخي المهني: تخرجي من كلية الطب, التحاقي بالعمل في الميديا, كتابتي للشعر, و اعتبر ذلك مؤسفا جدا ألا أكون صاحب رؤية محددة في الحياة, افتقادي للتركيز قد يفوّت علي وعلى الآخرين فرصة الاستفادة مني بشكل كافٍ, اعتبرت ذلك إطراءا بينما كنت موقنا أن البشر جميعا لدى البروفيسير مفيدون بشكل أو بآخر, لفتت انتباهي "صافي" بعربيتها ذات اللكنة : بالمناسبة البروفيسير استمتع كتير بالشغل معاك, كلمني عنك بتعبيرات إيجابية كتير. امتننت كثيرا, و تمنيت له حياة طويلة سعيدة, فتوقف بالشوكة أمام فمه و قال بابتسامة واسعة وهو ينظر إلينا معاً: الله يحفظك , ثم مضغ باستمتاع بينما أضحك أنا و "صافي ".

26 comments:

Anonymous said...

الله يحفظك

أم الخــلـود said...

اصحى يا نايم ووحد الدايم ..

(حملة الجسد الواحد)

أرجوا من المدونين الموقرين أن يضعوا شعار الحملة واسمها في الشريط الجانبي لمدوناتهم كدلالة على وحدة صف أمة محمد

لمزيد من المعلومات

http://dndanh111.blogspot.com

جعله الله في ميزان حسناتكم .. آمين

sun of free dom said...

تدوينة روعة تسلم

Mist said...

ذكرتني (الله يحفظك) بمزحة كانت بين أدبيين لا أذكر الأسماء للأسف..عن شخص ملحد،كيف سيعبر عن اعجابه بأم كلثوم مثلاً..إذا كان المعجبين يقولون عادة (الله!..الله..) هل سيقول: (الطبيعة! الطبيعة).
:)
-
أحب حكيك هنا،لأنه يلمس شئ..لكن لفت نظري عدم ابرازك لموقفك..وهذا ليس انتقادًا،لا تعدو مجرد ملحوظة.

أعتقد أن هذه اللامبالاة بتحديد الموقف الشخصي من مثل هذا الملحد..سمة منتشرة،لا أستثني منها نفسي..إذ أن التفاعل أو التواصل الإنساني أحيانًا يبتعد عن الحسم النظري للمواقف..وطالما الشخصية لطيفة بما يكفي،فبشكل ما هي لا تجتذب رفضًا عدائيًا.
-

هل تشعر أنك يومًا ما ستصل لموقف حاسم تجاه قضية كالإلحاد؟
أو هل تشعر أن هذا التسامح يؤثر عليك؟
هل تظن أن المرء أصلاً بحاجة لاتخاذ موقف حاسم تجاه كل شئ عقدي؟

Anonymous said...

والله العظيم كنت ناوي ابعتلك رسالة اقولك ليه بطلت تكتب هنا، واني على طوووول بفتح المدونة، بالرغم من مرور سنة تقريبا بدون جديد، اشكرك جدا يا محمود انك رجعت تكتب هنا تاني، والله بجد دي اجمل مفاجاة حصلتلي من زمان

شكرا يا حودة

محمود عزت said...

أنونيمس :
:))

شمس الحرية :
أشكرك

ميست :
إزيك ؟ :))
ما قلتيه حقيقي تماما
الوصول إلى موقف حاسم تجاه قضية الإلحاد يعني موت الإيمان و ذبوله, وجود الإلحاد كاختيار هو فقط ما يصنع للإيمان وجودا حقيقيا
لا أعتقد أن التسامح له أي تأثير, إلا حين يكون على سبيل المنحة المشروطة للآخرين بالتزامهم بأكبر قدر من مراعاتي ولو بشكل جائر , حينها يكون التسامح نسخة بديلة من الشفقة المؤقتة
تأثيره الوحيد في رأيي: اتساع الرؤية
نورتيني :))


أنونيمس :
أنا اللي بشكرك, و إبقى قوللي إنت مين :))

sameh ibrahim said...

يامحمود ... ايه الحلاوة دي :)

أنا عارف الشغلة دي ياصديقي...ولحد دلوقتي ماأخدتش موقف من موضوع الاحتراف ده...هل ممكن تعمل اي حاجة تتطلب منك علشان انت محترف ودي وظيفتك ؟ سؤال بسأله لنفسي كتير...بس أكل العيش عامل مهم في اقتناعك .. للأسف

عجبني موقف رانيا اويي

مش عارف ليه استحضرت صورة حد معين بدل البروفسير...
ع.ا.س
:)

بس رائع ياعزيزي
استمتعت كثيرا:)..

human being said...

مش عاجبنى فى التدوينة دى كلها من اولها لأخرها غير موقف رانيا
لسة فيه ناس نضيفة فى مصر

على فكرة انا بحب المدونة دى واسلوب حضرتك بس التدوينة دى معجبتنيش لأنها طويلة ومملة و بتطرح فكرة مستفزة بالنسبالى
مع احترامى الشديد لحرية الرأى
بس انا زهقت من كم الحاجات اللى بتتقال وبتتعمل باسم الحرية

Che said...

تدوينه حلوه بعد توقف ما يقرب من سنه ... عجبنى أوى كلمه الله يحفظك و ما تلاها :)

Anonymous said...

جميل جدا يا محمود، استمتعت فعلا

MG said...

هي التدوينة طويلة شوية بس ده مديها احساس القصة القصيرة، وأنا نفسي في الحقيقة أقرا لك قصة. الشخصيات في رأيي كانت محتاجة وصف أكتر من كده علشان الصورة توضح. طبعا أنا متأكدة 100% ان في حاجات كتير هنا خيال أو مبنية على وقائع حصلت بطريقة مختلفة، بس عجبني الحكي وبعض التهييس مع مزج الخيال بالواقع :)

كلمات من نور said...

صج الله يحفظك


قصة في الصميم وبتحكي عن حال الكثير ممن حولك

جزاك الله خيرا

Nermeen said...

جميلة فوي

بس حنا في أول لقطة كان فني صوت و عشان كدا سمع الحوار, في الثاني كان فني اضاءة و رجع تاني فني صوت في التالت

و عم منير كان في أول مشهد فني اضاءة و في التاني فني صوت

qrique said...

طريقتك في الحكي و الوصف حلوه جدا و ممتعه و مش ممله خالص
انت تقريبا الجكاء الوحيد اللي باحب و باستحمل اقراله

Entrümpelung wien said...

شكرا على الموضوع ..)

entrümpelung wien said...

شكرا على الموضوع الرائع المميز
entrümpelung
entrümpelung wien
entrümpelung
entrümpelung wien

wohnungsräumung said...

موضوع ممتاز جدااً....ونتمني لكم التوفيق الدائم
umzug-umzug
wohnungsräumung wien

entsorgung wien said...

موفقين لكل ما هو قيم ومفيد 
Entrümpelung
Entrümpelung
Entrümpelung Wien
Entrümpelung Wien

umzug said...

مشكوووور .. وتسلم ايديك على الموضوع الممتاز
umzug-Transport
Räumung-bookmarks

الربح من الانترنت said...

الف شكر على الموضوع الرائع
التسويق الالكتروني
bookmarks

اخبار اليوم said...

شكرا كتير على الموضوعات المميزة
تابعونا وشوفوا اخر اخبار

مدينة مطماطة التونسية تحت الأرض
خالد عبد الله يسب بلعيد التونسى

wohnungsräumung said...

موضوع مميز جدا .. شكرا لكم
wohnungsräumung wien
wohnungsräumung wien

Wohnungsräumung wien said...

تسلم ايديك على الموضوع الممتاز
Wohnungsräumung
Wohnungsräumung
Wohnungsräumung wien
Wohnungsräumung wien
Wohnungsräumung wein

ريوبى said...

موضوع ممتاز
ryobi

Wohnungsräumung said...

شكرا على الموضوع المتميز
Dank Thema Wohnungsräumung

شوقي نجاح said...

شركة نقل عفش بالدمام
شركة كشف تسربات المياه بالدمام