Tuesday, December 16, 2008

ثلاث قصص رومانسية عن بودابست




ثلاث قصص رومانسية عن "بودابست "



"بودابست".. "محمد السيد بودابست "...طالب بالفرقة النهائية بكلية الإعلام جامعة القاهرة , طيب و متفوق , يجلس الآن "بودابست" على مكتبه في غرفته في بيتهم في المعادي يذاكر شيئا مملا عن التسويق , يده على خده و الأخرى تقلب الصفحات بملل و بطء شديد..للأسف ليس هناك الكثير لنحكيه عما يفعله الآن بودابست , فهو لا يفكر في أي شئ محدد , لا يتذكر , لا يتخيل , لا تدور في ذهنه أية أفكار , لذلك يمكننا الآن الحديث براحة ضمير عن لقبه المميز , وهو أن أبا جده حين عاد من المجر قرر أن يحتفظ بالذكرى لأطول فترة ممكنة و ذلك بتسمية إبنه الأخير على اسم العاصمة : "بوادبست "..لا أحد يعلم ماذا فعل تحديدا أبو الجد هناك ليخاطر بمنح ولده تسمية كهذه..لكن الأمر مرّ بسلام و بساطة حتى الجيل الرابع , لدرجة أن أطفال العائلة كانوا يتخيلون أنه اسم عادي تماما و أنه يمكنهم أن يقابلوا أشخاصا بنفس الإسم في الطريق ..و للأسف فنحن هذه المرة لسنا بصدد حكي المواقف و الطرائف التي قابلت "بودابست " بسبب اسمه , كل ما في الأمر أن هناك 3 حكايات عن "بودابست " يجب حكيها الآن..



1



حين جلس "بودابست " على المقعد 43 جوار الممر في السوبر جيت كان همه الأول أن يعرف سريعا من سيكون إلى جواره لمدة ساعتين و نصف , في الفترة من القاهرة للإسكندرية , قليلا و طلبت منه فتاة بحجاب أزرق أن تمر إلى مقعدها رقم 44 جوار الشباك , نهض "بودابست " بكل شياكة, و ابتسم في قرارة نفسه بامتنان و تفاؤل كبير بالرحلة , الفتاة كانت مشغولة بترتيب جلستها على المقعد و تسكين حقيبة يدها الفضية الكبيرة بينما "بودابست" يتابعها بهدوء , فتاة بيضاء طويلة و ممتلئة قليلا , معقولة الجمال , مهتمة بنفسها كثيرا و تنبعث منها رائحة شامبو "lux " جريب أند روزز , أيضا إم بي ثري في الأذن و حركة واثقة بطيئة ..فلّ جدا..تحرك (السوبر جيت) فاسترخى "بودابست " بينما فتحت الفتاة كتابا , لمحه "بودابست " بطرف عينه : "الخيميائي " ..باولو كويلو , فكّر "بودابست" أنه ربما يكون ذلك بابا جيدا لفتح حوار لكنه لن يفعل ذلك الآن بالتأكيد..عليه أن ينتظر قليلا ليبدوا طبيعيا , خمس دقائق بالضبط و كان بودابست يتمتم بصوت حاول أن يجعله في أقل درجات المسموع : الخيميائي..باولو كويلو...حركت الفتاة عينيها إليه دون أن تلتفت , كان يثبت نظره على الكتاب , رفع عينيه إليها و انتظر برهة ثم ابتسم :جميلة الرواية دي...قال بنبرة هادئة و متراخية تماما..

_"آه..فعلا "

= "بس على فكرة ترجمة بهاء طاهر مش أحلى ترجمة للخيميائي "

التفتت له الفتاة و عيناها تتسعان كثيرا : "معقول!"

قشطاااااااااااات

= " آه طبعا..أفتكر باولو كويلو نفسه قال حاجة زي كده...أنا أرشحلك ترجمة دار المدى..بس هو باولو ليه شغل أهم كتير من رواياته اللي عاملة ضجة دي أصل أساسا.. "..استمر الحوار و "بودابست " لا يتقدم خطوة إلا بهدوء و تراخي شديدين تكون خلالها "داليا "_ ببراءة راقت لـ "بودابست " جدا_ فتحت له 7 ممرات لـ7 خطوات أعمق , و بعد ان تعارفا و عرفا الكليات و الإهتمامات , بدأ يسألها عن سبب زيارتها للإسكندرية..و بينما كانت "داليا " تحكي عن خالتها التي تسكن على البحر و عاداتها الغريبة كل صيف , شعر "بودابست " بأنها كانت أجمل مما يتوقع..عينان عسليتان , بشرة صافية..وصوت ببحة أنثوية حارّة...فكر أنه كان سيندم كثيرا لو سمع نصيحة أبيه عن السفر بالقطار , الآن "بودابست " و للمرة الأولى يجد نفسه منسجما لهذا الحد مع أحد..الحقيقة أنها المرة الأولى التي يجد فيها بودابست نفسه لبقا و جذابا و سلسا مع فتاة غريبة....كما أن الموضوع مش مجرد مزّة هذه المرة..يمكننا أن نقول أنه بدأ يفـ..

تحركت أمعاء "بودابست" بشكل حاد...تحركت و أصدرت صوتا بدا له مزعجا تماما...و بغض النظر عن كونه كان متوترا كشأن أي شاب يعالج مزّة تروقه جدا, إلا أنه أبدا أبدا ليس وقت القولون العصبي..تقلص وجه "بودابست" قليلا حين شعر بقولونه ينقبض كماسورة صلب في جنبه الأيمن..لم تلاحظ " داليا"..فواصل الإبتسام لها و الإيماء دون تركيز حقيقي في ما تحكيه ...حاول أن ينشغل بالحديث مع " داليا " عن اللهجة الإسكندرانية إلا أن الأمر كان قد بدأ يخرج عن السيطرة...تأوه "بودابست " بشكل خافت و مال قليلا إلى الأمام..." محمد!..مالك ؟!"..." لامفيش...بطني فجأة وجعتني.." ..."إنت أكلت حاجة قبل ما تركب "...اتسعت حدقتا "بودابست "على نحو مفاجئ ثم أفرغ معدته في ممر السوبر جيت..


***


للحظة كان كل ما يفكر فيه"بودابست " هو كيف سيتم تنظيف الممر...هو نفسه استغرب من أن ينشغل بشئ كهذا في لحظة كهذي...كان مائلا على مسند الكرسي إلى الأرض...بينما اندفع الركاب على الكرسي المقابل ناحية الشباك بسرعة..بدأ الركاب في الإقتراب و مساعدة "بودابست " الذي كان قد عاد إلى وضعه الأول وهو يتنفس بصعوبة..قدموا له المناديل الورقية و الماء و حبوب مسكنة متفادين البركة الكبيرة في منتصف الممر..تقريبا سمع "بودابست" السائق يصيح بقرف أنه سيتوقف في أقرب مكان لتنظيف الممر فعاد الجميع لمقاعدهم ..و تخيل أن " داليا" قالت شيئا ما لم يتبينه ...لم تكن لديه أي خطط يمكنه ان ينفذها لتفادي الأمر الذي يبدو طبيعيا جدا و إنسانيا تماما ... أيضا قولونه الحيوان لم يكن قد استرخى بعد..انقبض مرة أخرى فقام "بودابست " مندفعا إلى حمام السوبر جيت ...دخل و أغلق الباب بقوة...بعدها سمع ركاب "السوبر جيت" بوضوح قرقعات متتالية صغيرة أعقبها زئير أجش طويل تلاشى تدريجيا....كيف إذن سيخرج "بودابست" ؟..خرج "بودابست"...عاد إلى مقعده وهو يتخيل ابتسامات مكبوتة و ضحكات هستيرية تتكثف و على وشك الانفجار في أي لحظة..جلس "بودابست " دون أن ينظر لـ "داليا "...مال و سند رأسه على مسند الكرسي الذي أمامه و أغلق عينيه تماما إلى نهاية الطريق...نزل و شد حقيبته ...فقط شد حقيبته و ابتعد بأقصى سرعة...



2



فتح بودابست الباب ثم نزل , و في الطريق إلى مكتبة "مبارك " العامة كان بودابست يفكر في أغنية حسام حبيب الجديدة التي لا يذكر منها سوى الرتم الراقص الذي ظل يردده في رأسه إلى نهاية الطريق , حين وصل كانت تنتظره هناك " ريهام" , طالبة الطب الوقورة التي تفضل لقاءا وقورا في مكتبة عامة بدلا من حديقة أو كافيه , بودابست يشعر بتحقيق الذات لوصوله إلى ريهام , ففضلا عن كونها طالبة طب , فهي بنت صعبة بشكل لا يصدق , شهران كاملان قضاهما بودابست للوصول إلى ريهام التي كان يراها يوميا تسبقه إلى محطة الميكروباص صباحا في الطريق إلى الجامعة , كانت لا تلتفت حولها كثيرا أو تتأمل الشوارع , فقط تسير بسرعة و ثبات , فيشعر " بودابست" بالذنب حين يتذكر أن مؤخرتها الممتلئة كانت شديدة الجاذبية له أكثر من أي شئ آخر , هل يلوّث ذلك _ في ذهنه على الأقل_ حقيقة علاقتهما ؟..هل يتناقض ذلك مع أن تكون قصتهما قصة حب عظيمة ؟ , هل يحب بودابست المؤخرات الممتلئة أكثر من أي شئ آخر ؟ , ريهام جميلة فعلا , لكن هل كان ذلك وحده كافيا ؟ , كان بودابست جالسا أمام ريهام في قاعة المكتبة , و بينما كانت تبتسم له في ود , كان بودابست يتأملها مستغرقا في التفكير تماما : هل يحب المؤخرات الممتلئة عموما , أم مؤخرات الفتيات الوقورات الممتلئة ؟ , الفرق كبير , الفتيات الوقورات لهن جاذبية خاصة فيما يعتقد بودابست , و لأنه اكتشف ذلك فجأة فقد راودته شكوك عنيفة بشأن علاقته بريهام..إذن..بودابست سعى لمدة شهرين للوصول إلى ريهام عن طريق الإبتسام و الدفع في الميكروباص و الذهاب إلى كلية الطب و المرمطة ورائها في كل مكان , فقط لأنه يحب مؤخرات الفتيات الوقورات الممتلئة , فتحا كتابين و اندمجا في القراءة , تذكر رتم أغنية حسام حبيب مرة أخرى فشعر أنه يريد أن يقول لريهام كلاما جميلا , ابتسم و فكر أن يهمس لها في خفوت عبر الطاولة...لكنه شعر بغصة حين فكّر أنه الآن في علاقة هشة تماما, علاقة مبنية على فكرة تافهة عن علاقته البصرية بالمؤخرات , كيف لا يستطيع بودابست بعد 23 عاما ألا يحدد الأشياء التي يفضلها في الأخرين بوضوح و يفصلها بشكل كامل عن أي شئ آخر ؟..تفكير بهذه الطريقة سابق على قراره بالوصول لريهام كان سيحميه من خوض علاقة غير محمية بهذا الشكل..تراجع عن فكرة الهمس عبر الطاولة , شعر بالأسف تجاه ريهام , البنت تعلقت به , صارت تطلب منه الخروج للمكتبات و حفلات ساقية الصاوي , تأمّل حجابها التركواز و هي تقرأ في انهماك و شعر بالأسف...


***


قرر "بودابست " أن يعرف تحديدا ما هي خياراته المفضلة بخصوص كل شئ..ذلك أنه إرتجف فعلا من فكرة كونه لم يختر في حياته مطلقا , أو كان يختار بشكل عشوائي و دون وضوح كاف إن كان هذا هو إختياره المفضل أم أقرب الإختيارات إليه..لذلك و بعد مرور إسبوعين من إنهاء علاقته بريهام , بدأ بودابست مرحلة جديدة , بدأ (يسكتشف ذاته) كما عبّر عن الموضوع , ولأن شيئا كهذا كان يستلزم تضحيات معينة , فقد قرر أن يترك ريهام , لم يكن هناك داع أن يخدعها أكثر من ذلك , اكتشف بودابست فعلا أن مؤخرات الفتيات الوقورات الممتئلة دائما ما كانت تجذبه بشكل استثنائي , و أنه حين صادف ريهام كانت أقرب فرصة له من نفس النوع , لا لأنها فريدة من نوعها مثلا أو one of a kind , من المقزز أصلا أن تدخل حياة أحدهم لأنك تفضل مؤخرته..حتى لو اكتشفت بعد ذلك أنه شخص جدير بالحب مثل "ريهام "..علاقة مهمة لايمكن أن تبدأ أبدا بهذا الشكل..

و على سبيل المثال ,كانت قائمة بودابست لما يفضله في الأنثى تضم :

لون العيون الأزرق , خاصة الـ ocean blue , الشفاه الممتلئة , العيون الواسعة , الأنف الدقيق , الشعر الطويل , الخصر الضيق , المؤخرات الممتلئة , السيقان الرشيقة الممتلئة قليلا , الخدود الكبيرة , الصوت الدافئ , النبرة الطفولية , و أخيرا وليس آخرا , الوقار النسبي..

قوائم مثل هذه أعدّها بودابست بعناية فيما يتعلق بأشياء كثيرة , كان يراقب نفسه يوميا , يبذل مجهودا في محاولة التركيز على الذي يفضله في الشئ , لا الشئ نفسه , الموسيقى , السينما , الأصدقاء , السيارات , السفر , الجنس , الموبايل , الشِّعر ..إلخ

كان على وشك إنهاء قوائمه الكاملة عن خياراته المفضلة بخصوص كل شئ تقريبا, منحه ذلك ثقة ضخمة في قراراته , خاصة فيما تعلق بريهام , التي كانت خطوبتها على زميل لها في الكلية منذ أيام , كان يشعر بالسلام النفسي العميق , حتى أنه كان يتحدث بثبات تام مع "عليوة الفيلسوف " , أنتيمه و مرشده الروحي , بشأن نظريته الجديدة في إشكالية الإختيار وهما يدخنان مارلبورو أبيض مستندين إلى سيارة جيب شيروكي في شارع الدقي , كان الحديث سلسا تماما , و يتعلق بخدعة أن تفضّل الشئ لا لذاته بل لتفصيلة هامشية فيه كانت ربما أقوى من مقاومتك , هزّ "عليوة " رأسه متفهّما ثم قال أنه على العكس ربما تحب طريقة إحداهن في الكلام مثلا ثم تكتشف بعد ذلك أنها إنسانة جديرة بالحب , ذلك لا يقلل أبدا من عظمة و أصالة قصة حب كهذي , فسقطت السيجارة فجأة من يد "بودابست " ...



3



لا يعرف "بودابست " تحديدا متى رأى "نيللي " للمرة الأولى , كل ما يتذكّره حينها هو أن ذهنه توقّف تماما عن العمل لمدة ربع ساعة , فوقف ثابتا يتأملها من بعيد محاولا أن يفهم لمَ تروق له هذه الفتاة إلى هذا الحدّ ..

نيللي...زميلته التي يكتشف وجودها معه في نفس الكلية بعد ثلاث سنوات كاملة , بياض ثلجي , عينان سوداوان بكثافة , ملامح دقيقة حادة ثم شعر أسود فاحم طويل على جسد نحيل متناسق و ممتلئ بالضبط حيث يجب أن يكون , ومن يومها تقريبا ينزل "بودابست" من بيتهم وهو يفكر هل سيرى اليوم "نيللي"في الكلية أم لا ...

عرف إسمها حين كان في إحدى نوبات المراقبة التي تستغرق غالبا طوال فترة تواجد "نيللي" في الكلية , كان يجلس بالقرب من شلتها القميئة التي تتكون من عدد لا بأس به من خريجي الـIG و الأميريكان دبلومة و مدارس اللغات , لكنه تحمّل مراقبة مجموعة مماثلة يوميا من أجل "نيللي " الساهية عن كل ما حولها غالب الوقت , قليلة الكلام , عصبية قليلا , يرافقها شاب ضخم غير وسيم على الإطلاق سبّب لبودابست كوابيس ليلية في محاولة تفسير وجوده الدائم إلى جوار "نيللي" , إلى أن إستراح " بودابست " أخيرا إلى تفسير طبقي وجيه من "عليوة ",عن أنه يشيع في مثل هذه الطبقات الأنتمة البريئة بين الجنسين دون الدخول في علاقات حقيقية .

اكتشف "بودابست " أنه يفكر في "نيللي " طوال الوقت..يستمتع بتخيّل ماذا قد تكون "نيللي" تفعله الآن ...يتخيّل شكل حجرتها..كيف تقضي أوقاتها في البيت ..أين تذهب مساءا و في الأجازات , لم يكن ممكنا له أن يراقبها إلى البيت لأنها تكون في سيارتها الهيونداي ماتريكس أو سيارة أحد الأصدقاء بعد الكلية , ثلاثة شهور إلى الآن و "بودابست " يفكر كيف يمكن أن يصل لـ "نيللي "...الأمر معقد جدا و يحتاج إلى تأنّي لأنه لن يحتمل أبدا أن يفقد فرصة واحدة وحيدة مع "نيللي "..كل الخيوط و البنات و الأصدقاء الذين صنّفهم كوسائل لمعرفة أي شئ عنها لم تؤدِ إلى خطة واضحة واحدة..البنت تنتمي إلى طبقة مغلقة و محمية تماما..

ما كان يدهش "بودابست " فعلا أنه قبلا لم يكن ليصدق أن يتعلق بأي أحد إلى هذه الدرجة..طوال حياته كان يعتقد أنه شخص بلا أي ولاءات حقيقية ..لا يحب فعلا أو يكره فعلا..لا يصادق فعلا أو يعادي أي أحد فعلا..حماه ذلك من مغبة التورّط في أشياء كثيرة..لكن ها هو الآن متورط إلى النهاية في التعلّق بفتاة لا يعرف عنها أي شئ..يرتّب يومه كاملا في الكلية على إحتمالات ظهورها فجأة هنا أو هناك..يفكر بقية اليوم في سيناريوهات و خطط أو حتى كوارث طبيعية تمنحه فرصة واحدة يتحدث فيها مع "نيللي "..لا ينسى الفرصة الوحيدة التي إقترب فيها منها أكثر من أي مرة أخرى , لحظة الخروج من المدرج حين تأخرت قليلا عن الشلة لتتحدث في الموبايل , أقترب منها "بودابست" ..كانت تهمس أمامه في الموبايل بينما استغرق في تأمل شعرها الأسود الفاحم الطويل المنسدل أمامه مباشرة...و بشكل احترافي تام , مد أنامله على آخرها دون أن يحرك ذراعه فلمس طرف شعرها وهو يمر ورائها ليخرج من الباب...هل التفتت "نيللي " ؟..بقية اليوم...كان "بودابست " يبحث في طرف أصابعه عن رائحة شعر "نيللي"..

و رغم محاولات "بودابست " الحقيقية لتجاهل الأمر أو نسيانه بالكلية , إلا أنه تأكّد أنه يحب هذه الفتاة فعلا..كل أغاني الحب الحزينة البلهاء , بدت له عميقة و موجعة ..شعوره بقرب إنتهاء الترم الأول للكلية دون أن يصل لأي شئ بخصوص "نيللي " أنهكه تماما..فقد تركيزه على المذاكرة..شحب بشكل واضح و بدا له أنه سيبدأ في التألمّ قريبا...لم يكد "بودابست" ينتبه لذلك حتى شعر فعلا بوحشة غير محدودة بينما كان مع "عليوة" في سيارته الفيات 128...كان "عليوة" يدير شريطا تغني فيه فيروز قصيدة إبن الفارض :

قَلْبي يُحدِّثُني بأنّكَ مُتْلِفِي..رُوحي فِدَاك عَرفْتِ أمْ لمَ تَعْرفِ

تمالك "بودابست " نفسه للحظات...ثم انفجر في البكاء..


***


كان عنيفا على "عليوة " أن يرى أنتيمه يتعذب بهذا الشكل , بدءا من البكاء في الـ 128 إلى الشرود المستمر و المزاج غير المضبوط لأيام , هذا غير الحكي المتواصل عن " الملاك الثلجيّ " لساعات متضمنة أحلامه الليلية المتصلة بشأنها , حكى له ذات مرة كيف أن " نيللي " كانت جالسة أمام قاعة المحاضرات وحدها تقريبا , شاردة كالعادة , و فجأة , و على نحو غير متوقع تماما , ابتسمت ببطء دون أن تلتفت, كأنها تذكرت بغتة حدثا قديما مبهجا , يحكي بودابست , كأن الله خلق ملكا صغيرا خصيصا لينزل من السماء السابغة و يقبّل " بودابست " في شفتيه , الخلاصة , " بودابست" كان على وشك أن يصبح شاعرا من فرط المحبة..

لذلك فـ " عليوة" , الذي برر أنه , أي الحب لدرجة الوله , أمر طبيعي يحدث إحصائيا لواحد كل عدة آلاف , قرر أن الأمر يستلزم تضحية على مستوى الحدث , و وافق على أن يتتبع " بودا " بسيارته الـ 128 المزّة "نيللي " في طريق عودتها إلى البيت , انتظرا طويلا حتى انتهت من الثرثرة مع فتاة أميريكان دبلوما ذات شعر منفوش ثم قفزت إلى الهيونداي ماتريكس , انطلقا ورائها بينما يستمعان إلى إعلان "بيريل " الجديد على إذاعة نجوم إف إم.." إسترجل..و إشرب بيريل "...نظر "عليوة "بطرف عنيه إلى " بودابست " الذي كان ينظر هو الآخر بطرف عينه إلى " عليوة " ليرى إن كان قد أثار الإعلان في ذهنه أي إشارات , و بسرعة نظر كل منهما أمامه حيث كانت "نيللي " تنحرف يمينا بعد النزول من كوبري الجامعة.." تفتكر ساكنة فين يا عليوة ؟ "..قال " بودا " , كان " عليوة " يعافر كي لا تغيب الهيونداي ماتريكس الحمراء عن نظره , و في منتصف شارع " عبد العزيز آل سعود " توقفت "نيللي فجأة بينما كان يعبر أمامها شاب و فتاة بشكل مفاجيء..

ما حدث كان كالتالي : " عليوة" التفت إلى " بودا "..وهو يفكّر أنه لابد أن يجيب بشكل ما ذكي..لكنه لم يجب و التفت أمامه حين شعر أن شيء ما غريب يحدث أمامه...اتسعت عينا "بودا " و فرد يديه أمامه.."نيللي " نظرت بقلق في المرآة الوسطى..


***


بالطبع كان "بودا" يصرخ و إن لم يصدر عنه أي أصوات , فقط فتح فمه عن آخره وهو يشاهد المشهد مقطّعا إلى جزأين..الـ128 ترتطم بعنف بمؤخرة الهيونداي ماتريكس..الهيونداي ماتريكس تندفع إلى الأمام لترتطم بتاكسي شاهين..

صرخ " عليوة " , دون أي تقدير للموقف , : يا بنت الكلاب...ثم فتح الباب بغضب و نزل...نزل بودابست بسرعة..كانت نيللي قد نزلت بالفعل .." إنت إيه ؟.. أعمي؟..مش شايفني وقفت عشان أعدّيهم "..."بقولك إيه متغلطيش لأطلع ميتين أهلك إنتي اللي وقفتي فجأة "..خمّن "بودا" في صمت أن الـ 128 ربما تحتل مكانة ضخمة في نفس "عليوة "..لذلك وثب بينهما محاولا أن يهدأ أنتيمه الهائج و يذكره في نفس الوقت بالغاية الأساسية من الموضوع : إهدي بس يا "نيللي".. إستنى بس يا عليوة.." إوعى يا عم إنت كمان دي بتغلط "..." و أطلّع دين أمك كمان "...قالت "نيللي" بثقة تامة وهي تلوّح بعصا كهربائية ضخمة سحبتها بسرعة من التابلوه..نظر الاثنين إلى العصا بفزع..تماسك " عليوة" نفسه بصعوبة و شوّح قائلا : "إنت فاكراني حخاف..** أمك"...صاحت "نيللي" ببلاغة : "***ين أمك " , تجمّع المارة و بدأوا في فض الاشتباك..عافر " عليوة " محاولا إثبات أنه لا يخاف من العصا الكهربائية , بينما انطلقت "نيللي" في سرد تاريخ عائلته الجنسي , وصل "عليوة" أمام نيللي مباشرة , هو نفسه فوجئ بذلك..كان من المفترض أن يحول بينهما الناس إلى النهاية..لذلك صمتَ فجأة عن السباب و نظر بارتباك إلى العصا في يد نيللي.. "نيللي" تراجعت خطوة ثم سددت العصا مباشرة إلى صدره ..في هذه الأثناء , بينما كان "عليوة"ينتفض على الأسفلت و الناس يهرولون في عدة اتجاهات...اندفع "بودابست" و واحد أو اثنان قريبان منه يدفعانه إلى الوراء .." جرى إيه يا بنت الـ ****...إنتِ مفيش حدّ عارف يلمّك ولا إيه .."





17 comments:

زمان الوصل said...

أحسننننننننننت
:)
و شكرا على الابتسامه -هى ضحكه خافته الحقيقه- اللىّ هدتنا بيها فى نص اليوم على غير توقّع :)

Mohamed Hamdy said...

قصه جميله .. والجميل فيها الجمع بين احداث حقيقيه عامه زى موضوع البنت والعصايه واعلان البريل وبين قصه بودابست .. احييك على القصه الجميله دى

انا حره said...

بجد بجد تسلم ايدك ودماغك اللى فكرت فالقصه التحفه دى

رائعه

Anonymous said...

سلفنى دماغك يوم واحد بس وانا اموت مرتاحة

Sotouhi said...

كالعادة...إستمتعت :))

Anonymous said...

من اكثر ما قرأت عذوبة

حنـــــــ وردهـ ـــــــــــــــــان said...

اسمه رائع وياليت جده جدي حلو يكون الاسم مميز
واذا لقيت نيللي اسالها من وين اشترت العصا الكهربائيه لاني ابغى وحده زيها

** القــــلـــب المنـــكـــســر** said...

السلام عليكم

كل سنه وانتي طيبة

و يارب يجعل السنه الجديده خير علينا كلنا

الهم انصر اخوننا في غزه يارب العالمين

و اتمنى زيارتك الي مدونتي المتواضعه
*******************

تحياتي
***************

القلب المنكسر

****************

دمتي بكل خير و سعاده

******************

و السلام عليكم و رحمه الله و براكته

********************************

و موضوع جميل اوووي و مميز

**************************

Anonymous said...

هو ايه علاقة سلمى صلاح متغيرة شوية بالبلوج دى انت بس اللى بتكتب فيها يادكتور ايه دخل سلمى صلاح هنا؟ هى خطيبتك؟

wanna b a bride-no more said...

:)))))

في الجون

أحمد جمال said...

هذا مجنون لدرجة أنه رائع ..
:)

ممتعة لدرجة تفوق الوصف

إبـراهيم ... معـايــا said...

شكرًا يا صديقي المحتـرف
.
.
ممممممممممم


في انتظـار مجموعتك القصصية، بعد الكائنات النظيفة


دمت بإبداع

well said...

بجد قصص رائعة و بودابست كده مش هيعرف يحب تانى بس مش مهم يحب تانى ولا لأ
المهم ان القلم ابدع .. واكيد هيبدع تانى وتالت ورابع ..وهستمتع بإبداعه

Anonymous said...

لأ سلمى صلاح مش خطيبته ولا حاجة بس هيا اللي بطلت تكتب هنا

shicooo said...

salamo 3liko
ana sherif anwar mn alex
kona et2ablna mn yoomeen fe m3rd el ktab.... fakrny wala?!
kont 3aiz adeef el modwana 3ndi bs ms 3arf ezai
plz. add me ok ?

حنـــــــ وردهـ ـــــــــــــــــان said...

انت فعلا قاص وكاتب هل لك كتب او اي اصدارات اذا كان لا يوجد يجب ان تحاول ان تصدر لك ديوان باسم مدونتك سيكون رائع
تقبل مروري
اختك جنا

umzug said...

مشكوووور .. وتسلم ايديك على الموضوع الممتاز
umzug-Transport
Räumung-bookmarks