Tuesday, April 29, 2008



حبيبي دائما




كانت قادمة من بعيد , فكر أنها تمشي بسرعة جوار سور الكورنيش , أسرع من المعتاد , فتصدر الجيبة الضيقة صوتا قريبا من خفقان أشرعة مراكب النيل التي يراقبها منذ ساعة , حين فكر في التشبيه بدا له مناسبا جدا , يكتبه مثلا في مذكراته الخاصة: جيبة دعاء كانت تخفق كأشرعة المراكب , دعاء لن تكون الوحيدة دون شك في مذكرات كهذي, لذلك سيتحدث عن جيبتها بحنين كبير , اقتربت فرنّ صوت الجيبة في أذنه , مثيرا جدا و جذابا جدا .. كان لا يفكر في أي شئ غير أنه الآن على وشك البدء في أول ميعاد له في حياته.. لا يعرف تاريخها العاطفي الكامل بعد..هذا هو اللقاء الأول بعد مناوشات بسيطة..لكنها تبدو له بريئة إلى حد كبير
" إتأخرتي ليه يا دعاء...معادنا كان 2 "
" معلش يا هيثم...أخويا أصرّ يوصلني بعربيته لما قلت له إني رايحة لإيمان "
تأملها قليلا وهو يشعر بالقلق من أخيها..شاب بسيارة...الصورة تكتمل بجسد ضخم و تجهم شديد يليق بأخ أكبر..لا بأس...دعاء مناسبة على كل حال..فتاة الأورمان شيراتون الثانوية بنات..المكافئ المناسب لطالب الأورمان الثانوية بنين...
" أنا حاسة إني دايخة.."
" حنتمشى شوية و بعدين نقعد نشرب حاجة.."
جوار السور كانا يمشيان أسرع من المعتاد كأن عليهما أن يلحقا بشئ ما ...ضايق ذلك هيثم الذي كان يريد أن يتم الأمر كله هذه المرة على أكمل وجه..القصص القديمة كلها إنتهت دون مواعيد و بسيناريوهات مهينة تماما..لكنه هذه المرة يشعر بالسيطرة الكاملة , يشعر أنه يمثل شيئا مهما لدعاء, أو ربما أقنعها هو بذلك بالخبرة التي اكتسبها من سوابقه غير الجديرة بالتذكّر..لذلك لابد أن تتم هذه المرة بشكل كامل..على الأقل يحصل على قصة وحيدة يحكيها لأي أحد..
" أنا حاسة إني دايخة يا هيثم "
ليس هذا الوقت المناسب لعبارات من هذا النوع يا دعاء
" دايخة إزاي يعني ؟ "
" مش عارفة...حاسة إني دايخة..."
" طيب تعالي نروح نقـ..."
رفعت دعاء راحتها على جبهتها و ترنحت للحظة ثم سقطت على الأرض ...
كان هيثم يتابع المشهد من خارج جسده , من مكان بعيد تماما , كأنه عابر في تاكسي مثلا أو من شباك أتوبيس..مال عليها وهو يناديها بهلع : دعاء..دعاء... , رفع رأسها بيده و حاول أن يرفعها من على الأرض وهو يشعر بإهانة بالغة كبصقة مباشرة على وجهه...لا لأن فتاته ممددة الآن على الأرض يتأملها شعب الكورنيش كاملا بما في ذلك راكبي السيارات العابرة و المواصلات العامة ..ما يحدث الآن أكد له أنه سيظل دائما أفشل من أن تكون لديه قصة واحدة...فاشل ببشاعة..لا تتم له حكايات مثل "مرسي " الذي اصطحب الكثيرات للقناطر و قبّل و لمس و ...أفاق هيثم على اليد التي حطت على كتفه ثم أشارت له إلى تاكسي واقف وراءه جوار الرصيف..حمل دعاء مع فتاة ضخمة و وضعاها في الكنبة الخلفية , بعد ذلك كان الجميع ينظرون إليه...لم يكن بذهنه تصور واضح..لذلك قفز جوارها بينما سائق التاكسي يقول له في المراية : متقلقش يا كابتن...القصر العيني قريب من هنا...
...من سيحب أن يسمع قصة كهذي ؟



2


في إستقبال قصر العيني تمددت "دعاء" في قاعة واسعة مفتوحة, و على فراش قذر..وقف بجوارها ينتظر الطبيب الذي كان منهمكا في فحص حالة على السرير المقابل..في التاكسي كانت دعاء قد أفاقت قليلا و بدأت تتأوه...حاول أن يكلمها لتفيق و ينتهي الأمر...إلا إنها كانت تفتح عينيها من حين لآخر و تناديه..ثم تغيب مرة أخرى..
تأملها وهي ممددة على الفراش اللبني الملطخ , أنفها أكبر من اللازم و المساحيق الكثيفة على بشرتها السمراء غير مناسبة تماما , ودّ لو مسحها كلها بمنديل قبل قدوم الطبيب..أي حظ بن كلب حيوان أوقعني فيكِ يا دعاء...ربنا يستر و ينتهي الأمر على خير ...شعر بالورطة الضخمة لو كانت دعاء مريضة بأي شئ خطير...بدأ يجهّز سيناريوهات عدة للخروج من الأمر لو طلبوا منه في المستشفى التوقيع على أي شئ ...عابر سبيل وجد فتاة ملقاة على الأرض...زميل في الدرس و كانا في الطريق لتصوير ملازم...طيب ماذا سيقول لأخيها ؟ ..فكر أن يفرّ الآن من الموضوع كاملا و أكيد سيجدوا أرقام تليفونات أهلها على الموبايل الوردي..
شدت دعاء يده...كانت قد فتحت عينيها
" دعاء...مالك يا دعاء..؟ "
" أنا فين ؟"
" إحنا في القصر العيني ..دختي في الطريق فجيبتك على هنا..إنتي عيانة يا دعاء...عندك حاجة من قبل كده يعني ؟..."
" أنا تعبانة أوي يا هيثم...متسبنيش لوحدي ..."
ارتبك و تحركت عيناه حوله بشكل تلقائي ...كان الطبيب منهمكا لا يزال عند مكتبه في بداية القاعة
"متخافيش يا دعاء...متخافيش "
"أنا مش خايفة يا هيثم " قالت دعاء بخفوت وهي لا تزال ممسكة بيده " أنا بس صعبان عليا لو حصلي حاجة...أكتر حاجة معذباني إنك حتزعل عليا جامد...حتتعذب بسببي "
كان هيثم يميل عليها قليلا , يتأملها بشكل ثابت...صمت للحظة ...لم يفهم ماذا ينبغي أن يقول..
" يا هيثم أنا عايزاك لو حصل لي حاجة تزرع شجرة باسمي في أي مكان...و متزعلش عليا جامد...أنا حكون مبسوطة لو إنت كملت حياتك و لقيت واحدة تستاهلك..إوعدني يا هيثم..إوعدني..لو بتحبني إوعدني "
كان محرجا بعنف أن يسمع أي أحد حوارا كهذا...لكنه في نفس اللحظة كان خجلا من إحراجه ..البنت تحبه..البنت مريضة وربما بشئ خطير....عليه الآن ولو لمرة واحدة أن يتوقف عن تأمل المشاهد كأنها على شاشة عرض..البنت تحبه..وهو لابد أن يكون جديرا بحبها له..على الأقل يبدو نبيلا لو حُكيت القصة لأي أحد..
" أنا مش حسيبك يا دعاء...إن شاء الله حتبقي كويسة و حـ..."
قاطعته وصوتها لايزال خافتا و مبحوحا
" كان نفسي يا هيثم أخليك أسعد راجل في الدنيا...كنت حسعدك بقية حياتي "
شعر هيثم بقلبه يرتج بعنف و دموع كثيفة ضاغطة على عينيه و غصة في حلقه ترتفع ببطء..فتماسك و رفع رأسه و تنفس في قوة ثم مال عليها مرة أخرى...
" دعاء...استريّحي طيب يا حبيبتي...بلاش كلام دلوقتي و إن شاء الله حتبقي كويسة "
أغمضت عينيها في سكينة , في ظروف أخرى كان قد قرر ألا ينطق بـ"حبيبتي " إلا بعد اللقاء الرابع أو الخامس , وضع يدها بين راحتيه , اصطدمت عينه بمؤخرة الممرضة المنحنية تحقن أحدهم على السرير المجاور فشعر بالذنب , أغمض عينيه بنبل , سكت للحظة ثم سألها فجأة
" طيب إنتي عيانة أصلا يا دعاء ؟ "
لم ترد , كان على وشك أن يهزها ليعرف لم سكتت فجأة , لكن الطبيب كان قد وصل و سأله بصبر نافد :
"خير ؟ "
" أغمى عليها فجأة "
"إسمها إيه ؟"
"دعاء بدر "
" عندها السكر أو الضغط ؟ "
"........."
"ها ؟ "
"مش عارف يا دكتور...أصلها كانت ما.."
تنهد الطبيب ثم مال على دعاء وهو يضغط على منتصف صدرها بقبضته و يحركها بشكل دائري..
"دعاء...دعاء....يا ماما "
تأوهت دعاء وهي تبعد يد الدكتور ....
"فوقي يا ماما...مالك ؟ "
" تعبانة..."
"عندك سكر أو ضغط ؟ "
"لأ..."
"طيب فطرتي النهاردة قبل ما تنزلي..."
"لأ..."
" مشيتي في الشمس كتير..."
"آه.."
"قد إيه.."
" من ساعة ما نزلت من بيتنا "
" كان الساعة كام ؟ "
" الساعة 12 "
لم يُفاجأ هيثم ...البنت في الشارع من الساعة 12 و وصلت الساعة 3 , أخوها ليست لديه سيارة , البنت تتجمل و أحرجت أن تخبره أنها ركبت مواصلات طوال الطريق..شعر بنبل مضاعف وهو يسامحها على الفور على كذبة كهذي..
" طيب يا ماما...إنتي عندك ضربة شمس...حنعملك كمادات و حتاخدي دوا و حتخرجي دلوقتي.. "
تحرك طبيب الإستقبال للسرير التالي بسرعة , أغمضت دعاء عينيها مرة أخرى وانتحى هيثم جانبا للممرضة التي وضعت قطعة شاش كبيرة مبللة على رأسها ...





3


قامت دعاء ببطء , سندها هيثم فرفعت ذراعها على الفور و أحاطت رقبته تتسند عليه , أحاط جسدها اللين بذراعه و سارا بهدوء إلى الشارع..كانت تلتفت إليه من حين لآخر فيشعر بأنفاسها على خده..كيف سيحكي طيب حكاية كهذي لأي أحد..."مرسي" لو سمع حكاية كهذي سيضحك عليه سبعة أيام بلياليها...سيشير إليه بيده متوعدا وهو يقول : حفشخك يا هيثم...حفشخك...
لابد ألا يعرف "مرسي "شيئا كهذا , هيثم لفق حكايات كثيرة ليثبت لمرسى أنه منافس مهم , أنقذه خياله الواسع من سطوة "مرسي " النافذة و حكاياته التي لا تنتهي في القناطر و الكورنيش و مولات مدينة نصر..
" أنا تعبتك أوي يا هيثم..."
" ولايهمك يا كوكو..."
ضحكت بإرهاق على تدليله لها ..كان لا يزال يحيطها بذراعه , بينما تلف ذراعها على رقبته , لم يتخيل أن لقاء أول يمكن أن يسفر عن حضن كهذا ..
"إنتي خرجتي مع ولاد قبل كده يا دعاء ؟ "
"لأ.."
توقف ليشتري لها شئ تشربه فهزت رأسها بالنفي...سندها على سور المستشفى و اشترى لها على الرغم زجاجة مياه صغيرة و بسكوت..عندما عاد كانت تتحدث في الموبايل: " إحنا لسه في سيلانترو يا إيمان...هيثم بيحاسب و جاي.."
..عبرا الطريق ثم ابتعدا عن المستشفى كأخين صغيرين يتسنّدان على بعض.
تمت


14 comments:

صفية الجفري said...

لم أفهم لماذا العنوان : حبيبي دائما ، استمتعت بقراءة القصة ، وجعلتني أتأمل في قد ايه الواحد لازم يتانى قبل أن يثق بمشاعره قبل مشاعر الطرف الآخر

شكرا

wael said...

انا قلتهالك من زمان ويارب تفتكرها انت نجم والله
بجد ياحوده انا بتكيف من البوستات بتاعتك
ايه ياواد الجمال ده
صحيح انت رحت فين بعد الباطنه؟

asmaa said...

قدرة على الحكى جبارة_اللهم لا حسد يعنى_الحدوتة هنا متكافئة لا هى ولا هو عاوزين حب التجربة هى الهدف وهم عاشوها يعنى خالصين كدة انا فهمت صح؟؟؟

مصطفى السيد سمير said...

جميلة كالعادة يامحمود
اصرارها على التجمل للنهاية دة اثر فيا جدا
تعرف ان الدكتور غالبا بيبقاله اسلوب مميز جدا
لأنه اكتر واحد بيقرب من الضعف الانساني الرائع

جملة حافشخك - سامحني - أزعجتني وسط الرومانسية دي كلها

خمسة فضفضة said...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

جميله جدا استمتعت جدا بقرائتها

اسلوبك مميز في الحكي

سلام

Zianour said...

اجمل حاجة في السردالجذاب ده هو السخرية المستترة النابعة من تضارب الرغبات مع الظاهر من الاشخاص
الكذب والمبالغة مع الرغبة اظهار البراة
انتظار مغامرة عاطفية مع التعامل مع وضع كارثي
بس اجمل حاجة بقى هو رد فعل الدكتور المعالج الذي انزلنا الى ارض "الواقع" هههههههه
النهاية للطرفين صفر-صفر
زيانور

لا أحد said...

عزيزي محمود :
اتابعك منذ سنوات ولم اترك لك تعليقا واحدا لأني ادرك انك في غني عن كلمات رائع و بهر فانت بالفعل رائع ومبدع

الي مصطفي السيد سمير :
كل من يتابع محمود عزت في كتاباته يدرك جيدا أن الطابع الغالب في الرومانسية له منغمس بواقعية شديدة بمعني الاخر الحصول علي الجمال من وسط اكوام متراكمة من الاسي اقرأ ديوان شغل كاريو وأنصحك بامتلاك نسخة فهو بحق عمل يستحق ذلك
ثانيا الحوار في القصة يكون مبني علي الشخصية وليس علي الاطار العام ( Theme ) غير مقبول أن يتحدث مرسي وهو الديك الاقوي في حلبات النساء بطريقة أخري غير " أفشخك "

عزيزي محمود أعجبني كثيرا السخرية الدرامية ( dramatic Irony ) المبنية عليها القصة لذلك كان عنوان " حبيبي دائما " هو الاصح تأكيدا لوقع هذه السخرية - تعليقا علي تساؤل صفية -

صفية : السخرية الدرامية أحد معانيها أن تكون السخصية ( character ) تحمل بداخلها معني مغاير لما تقوم به في الموقف الدرامي كما في مسرحية ماكبث مثلا عندما تحدث ماكبث في بداية المسرحية عن النبل وهو يضمر نيته لقتل الملك
القصة مليئة بمحاولات التجمل والاقنعة البشرية القصة ببساطة تفضحنا جمبعا بطريقة سلسة و بسيطة

عزيزي محمود عذرا اذا كان تعليقي موجهة لغيرك ولكنني كما قلت سابقا انت اغني من يكون عن كلمات المديح التي بحق تستحقها

تحياتي

M@RV3L said...

حلوة اوي...اسلوب متميز جدا

تحياتي لك ولقلمك المبدع

نبض اسكندرية said...

انا بقالى سنة مدخلتش عندك

ياااااااة من زمان قوى مدخلتش عندك لكن بجد المرة دى شدتنى القصة قوى

اساسا انت فكرتنى بموقف مشابة لية بس متنهتش بمستشفى ولا كان دة اول لقاء

بس اسلوبك رائع فى كتابة الاحداث لدرجة انك عيشتنى اللحظة حسيت انى فعلا واحدة من الناس اللى كانت راكبة الاتوبيس وبتتفرج على الشخص دة

تسلم ايدك وخالص تحياتى

ست المرتفعات said...

عجبتنى
حسيتها صغنونة
وبتحاول تكبر
زى مالأفلام علمتها

حـدوتـة said...

أما حلوة حلاوة يا محمود! :))

ست الحسن said...

أنا قعدت أضحك جامد
دمك خفيف بجد


القصة ممتعة وعميقة

rasha said...

بجد هيثم مستفذ جدا كل اللي همه هيحكي ايه لمرسي ودعاء عبيطه وكدابه
ز.....بس القصه حلو وممتعه بجد

karakib said...

:)) جميلة جميلة اوي