Tuesday, March 11, 2008

Virus c



كان المريض يتأوه خلال الفحص الثقيل لكبده الموجوع بينما اندلعت في غرفة الإستقبال رنة موبايل ابنه الشاب : بحبك كل يوم ...أكتر...من اليوم اللي كان..., انشغلت في مراقبة الإبن و هو يرد على موبايل نوكيا حديث بكاميرا و حلية على شكل جمجمة صغيرة تتأرجح هنا وهناك , يميل بجذعه بعيدا عن السرير كأنه يخرج برأسه من فقاعة , " أيوه يا نهى...بابا بس تعبان..آه بقى كويس الحمد لله...حكلِمِك على طول " , بعد فحص الحالة , التفت إلينا الطبيب المناوب و قال بالإنجليزية:
حالة متأخرة جدا من الإلتهاب الكبدي سي ..حالة منتهية...
ارتبك الإبن حين سمع اللكنة الغريبة , كان لايزال الموبايل على أذنه حين انتبه إلى أني أراقبه بطرف عيني فارتبكت أنا بدوري , نادى الطبيب المناوب: يا دكتور...يا دكتور...يا ريس!...قيس للعيان الضغط , تحركت على الفور عندما انتبهت أنه يعنيني أنا حتى كدت اصطدم به و أنا أمر إلى يسار المريض محاولا فك اشتباك أسلاك جهاز الضغط من سلك السماعة المحمولين جميعا على ذراعي ..
في طريق العودة , كان يدور في الميكروباص دويتو لهاني شاكر و شيرين , رغم إرهاقي كنت أفكر في صاحب هذا الإختيار, في الجمع بين صوت ناعم , خنثى , يتلاشى في الهواء , و صوت مجسّم ينهض بكامل طاقته من الفراغ , أنا لا أريد أكثر من أن أنام , اعذرني يا ابن المريض الذي سيموت خلال ساعات , و رغم ذلك لا يزال يقسّم "حماقي " من جيبك بكل بهجة الدنيا " بحبك كل يوم أكتر من اليوم اللي كان قبله " , تقول الزميلة بعد أن وقّعت في دفتر الحضور :
أنا لا أريد أن أصعد للوحدة...كل يوم أجد أشخاصا جدد على أسرّة كانت بالأمس مطابخ و غرف نوم لآخرين...لا _و لن _أسأل أبدا أين ذهب المرضى القدامى..
هاني شاكر لا يدرك أن شيرين تغتاله في الأغنية , تُلاشي موجات صوته داخل طبقات صوتها المتباعدة والمتشابكة ,
ليس هناك أسوأ من أطباء سنة الإمتياز مرهفي الحس , عذابات البشر أصلا لا تحتمل..


5 comments:

خمسة فضفضة said...
This comment has been removed by the author.
خمسة فضفضة said...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مآسي المرضي كتير لا تعد ولا تحصي واللي بيقرب منهم يا ما بيشوف حاجات تدمي القلب الله يكون في عونك

totaaaa said...

السلام عليكم
اول زيارة للمدونة
اهنيك على هذه المدونة الجميلة قريت اكتر من بوست عجبنى اوى الموضوع اللى فات وحبيت اوى رضوى

اسلوبك جميل اوى وبسيط
تحياتى لك

محمود ماجد said...

محمود عزت كلامك حلو اوي ، مدونة جميلة خالص ، انا كنت بتابع كوبري امبابة من مدة ، بس اول مرة الاحظ المدونة دي ،
احكي يا محمود حكاياتك حلوة اوي بجد يعني ،

سهــى زكــى said...

واخيرا صدقتنى ، يا عمنا قصة رائعة ترصد بالفعل الحس المرهف لبدايات الاطباء وقسوة غير مقصودة من القدامى ومن الزمن الذى يجبر الطيب على ان يكون جزارا دون قصد منه سواء مع البشر او مع انفسهم ، مع الوقت يتحول الآلم لعادة .... دمت قاصا هههههههههها