Wednesday, January 30, 2008


سدًا للذريعة



حسنا
..لنعيد ترتيب الأحداث بهدوء...إهدأ و فكر ببطء...أنا...كنت في التاكسي...في شارع السرايا..بالضبط في الإشارة السابقة لكوبري الجامعة ...سائق التاكسي كان يتابع طالبة طب على الرصيف الأخر من الطريق...كنت مشمئزا منه…لا ...كنت أحتقره...نعم هذا هو الأوقع, لأنني فكرت للحظة أن آمره مباشرة بالتوقف عن التحديق في جسدها بهذه الجرأة في وجودي ثم تراجعت..على يميني كانت فتاة محجبة....آنسة صغيرة...ربما طالبة طب هي الأخرى...سائق التاكسي لازال يتابع المزة التي على الرصيف الآخر ثم يعبث في أنفه بطريقة حيوانية...بينما صول المرور الكهل ينتظر الإشارة عبر الكوبري في لاسلكي ردئ ليفتح الطريقارتفعت أبواق السيارات من الخلف...الفتاة على يميني تلتفت بسرعة إلى الضجة… كانت قريبة جدا من الشباك ..وكنت أتحاشي أن أنظر إليها لكني كنت أتابعها....يسعل سائق التاكسي وهو يردد شئ ما عن المزز ...ينحسر حجاب الفتاة في إلتفاتها المفاجئ عن جزء ضئيل من دائرة العنق...فوق عظمة الترقوة مباشرة... يفتح الصول الطريق...يتحرك السائق فجأة كأنه بوغت ليتحرك...كنت قد مددت يدي من الشباك بالفعل....لماذا مددت يدي ؟...لأعيد الحجاب فوق دائرة العنق لأخفي عظمة الترقوة...لم أكن أتوقع أن يفتح الصول الطريق في هذه اللحظة...من كان سيتوقع ...يدي في اللحظة التي اندفع فيها السائق بالتاكسي كانت اهتزت بعنف...في النهاية...صدر الآنسة الصغيرة ,طالبة الطب ,كان كله في يدي...و كانت تصرخ...حينها كنا نبتعد بالتاكسي بينما السائق يتمتم في ذهول : يا بن الإيه يا صاروخ ؟....عملتها إزاي دي ؟
أنا لا أتذكربالتحديد....كيف يمكن أن أكون قد مددت يدي لأعيد حجابها إلى مكانه....ثم ينتهي الأمر بأن يستقر صدرها في كفي بهذه الطريقة ؟...لم أكن أعي حينها ماذا يمكن أن يحدث...فقط الأبله الذي
كان جواري كان يلتفت إلي ثم إلى الطريق بسرعة محاولا أن يفهم وهو يبتسم في دهشة , استولت عليه روح المغامرة على ما يبدو ,فضغط على المكابح بأقصى ما يملك من طموح في حكاية مسلية في المساء لزملاء المهنة , كأنه يريد أن ننجو سريعا أنا وهو بهذه الغنيمة الصغيرة , لذلك انتهى بنا الأمر فوق الجزيرة الوسطى بين مطلع كوبري الجامعة و المنعطف الأيمن نحو الميريديان , تهشمت مقدمة السيارة تماما و انطلق نفير السيارة يدل علينا بثباب و رتابة...
قليلا و كان السائق يولول أمام السيارة
بينما يحاول أحدهم في غضب عارم أن يفتح بابي...رأيت في المرآة الأمامية حشودا تركض نحوي, لتنضم إلى الواقفين بالفعل حول السيارة ينتظرون فتح الباب ...بينما الآنسة الصغيرة ...طالبة الطب كانت لا تزال هناك في الخلف تبكي و ترتجف بين آخرين , كلهم كانوا ينظرون إليّ….

*****



زنزانة قسم المنيل رطبة قليلا , الإضاءة ليست كافية لترى المساحة حولك كاملة , لذلك جلست مواجها لنافذة الزنزانة الوحيدة , لم اكن مرتاحا للجلوس على الأرض الباردة , فالتفت للجالس بجواري لأرى كيف يتكيف مع الوضع فوجدته بالفعل ينظر إلي ..." إنت هنا ليه ؟ " ...قال بصوت خفيض أقرب للهمس ...لم أكن أدرك في واقع الأمر لأي شئ تحديدا أنا الآن في هذا المكان...اعتقدت أنه من الأهمية بمكان أن أشرح لأحد كل ما حدث...بالتحديد إلى طرف محايد لن يكون مهموما كثيرا بإطلاق أحكام أو إقرار أي مجموعة من القيم على حساب الحقيقةهذا مهم لي بالدرجة الأولى بغض النظر عن أي شئ...ربما رؤية محايدة مفردة تكشف الأمر كاملا حتى و إن كانت من هذا اللص أو النشّال أو سارق الغسيل ذي الشفة المقلوبة إلى أسفل ..بالعكس ..هو أقدر الناس الآن على إصدار حكم نقي و خالص, هو لن يدافع عن أي شئ غير ما يراه حقيقيا , لن يدافع بضراوة عما لا يؤرقه من الأساس...بدأت أشرح بهدوء و دون مقدمات...أنا مهندس إتصالات...أعزب...كنت في التاكسي في شارع السرايا ... بالضبط في الإشارة السابقة لكوبري الجامعة
و بينما كنت أحكي
, كان من حين لآخر يرفع سيجارة نحيلة يضعها على شفته السفلى المقلوبة ثم يعيدها مرة أخرى إلى الأرض..حكيت له الحكاية كاملة و أنا أفكر أنني الآن بجوار نموذج مثالي لموقوف ذي ملامح إجرامية مثالية...لكنه كان هادئا في ثقة كبيرة...لا يعلق و إن كان معروفا أن ذلك عادة يزعج المتحدث..مما يدل على أنه لا يكترث كثيرا بأي شئ آخر غير ما أحكيه , مثل أن يكسب ثقتي مثلا بالإيماء المبالغ فيه أو التحدث من حين لآخر لإشعاري بالأهمية..." أنا فعلا مش عارف إزاي ده حصل ؟..." رفع السيجارة إلى شفته المقلوبة و سحب نفسا صغيرا ., قال ببطء.."يعني إنت عايز تفهمني إنك مديت إيدك تعدل الحجاب للبت رحت ماسك صدرها بالغلط ؟ "...كان هذا تفسيرا وجيها أضاء في رأسي فجأة رغم بديهيته أو رغم أنني ربما كنت أشير لذلك من البداية..." تقريبا...حاجة زي كده , بس أنا مسكت صدرها...يعني قفلت إيدي لما إيدي خبطت ف... "..بدأت أشير له كيف حدث ذلك....لم يبد مقتنعا.. .حركة يدي تعني بكل وضوح أنني فعلا قمت بذلك , أدركت أنا هذا فسحبت يدي ببطء .." طيب الناس ضربتك ؟ " ..." لأ جابوني على القسم هنا على طول "...." حد فيهم يعني قال إنك مكنتش تقصد "...لأ أنا حلفت لهم إني مقصدش و حاولت أحكيلهم الحكاية بس جابوني على هنا "...." إنت كنت متقصدش ؟ "....لم أجب , كنت أتوقع مني جوابا فوريا , لكن لم يحدث., فاكمل هو بهدوء.." بص يا ريس….اللي أنا شايفه إن سواء كنت حتعدل للبت الحجاب أو تمسك صدرها فالإتنين مافيش بينهم أي فرقيعني يا برنس لو تخيلنا إن مخك طالع منه أسلاك ماشية في رقبتك و بعدين في دراعك و رايحة لصوابعك , معايا..فحيبقى أقرب حاجة للمنطقة اللي طالع منها سلك إنك تعدل حجاب البت هي المنطقة اللي طالع منها سلك إنك تمسك صدرها , مفيش حاجة تدعو للذهول في الموضوع" ....تذكرت بوضوح أن المساحة الصغيرة التي ظهرت من عنقها فوق عظمة الترقوة كانت جميلة جداطاغية الجاذبية في الحقيقةفعمّق ذلك شعوري الضخم بالذنب رغم قناعتي الحقيقية أن الموضوع كله ليس أكثر من سوء تفاهم سخيف سينتهي و يتفهم الجميع ما حدث...أنا لايمكن أن أكون قد فعلت ذلك ..." إنت شكلك إبن ناس يا بيه " تابع بنفس النبرة الثابتة ..." و بتصلي و بتعرف ربنا..بس هو يمكن أزمة الطبقة الوسطي...إنت كنت خايف تلاقيك لما الحجاب كشف رقبة البت...من كتر خوفك لتبص عليها , قلت تغطيها عشان متخافش...بس حصل نفس اللي كنت خايف منه...الموضوع مُــعقد و متشابك..بس اللي أقدر أقولك عليه إنك بشكل أو باخر كنت ذكوري في موقفك بغض النظر عن التفاصيل "....بدوت عاجزا عن إبداء أي آراء...أنا في كابوس ..صمتنا معا , كنت أفكر أنه ربما من المفيد أن أعترف أنني قد فعلت ذلك...أنا لا أستطيع تفسير ما حدث...أنا فعلا أغلقت يدي ..أو...أنا يدي أغلقت على صدرها , أنا يدي أغلقها شئ ما ....أنا سأعترف بما يريده أي أحد إن كان ذلك سينهي الموقف...

*****

نادى عليّ صول الزنزانة , كنت انتظر حضور أي من أهلي بمحامي أو ما شابه , لكنه أخبرني أن حضرة الباشا بس اللي عايزني , قمت بهدوء و ودعني رفيقي المجرم بنظرة واحدة مليئة بالتعاطف وهو يرفع السيجارة إلى شفته المقلوبة , الضابط كان خلف مكتبه يرمقني بنظرة قاسية , و أمامه عبر المكتب يجلس رجل أشيب في الخمسينيات تقريبا , أراه للمرة الأولى في حياتي , ينظر لي نظرة عجيبة , كأنه يفحصني في مقابلة لقبول وظيفة , نظرة ثابتة طويلة , أشار الضابط إلى المقعد المواجه للرجل بلهجة آمرة : إتفضل يا باشمهندس.., جلست فقام هو و تبادل و الرجل نظرة إتفاق مسبق ثم غادر , لم أفتح فمي و توقعت أنني أمام محقق آداب أو ما شابه..." بص يا بني , أنا أبو نجلاء..." , كنت مشوش الذهن بدرجة لا توصف .. " نجلاء مين حضرتك ؟ " ...." نجلاء بنتي..اللي إنت يابني آآآآآآ " ...أحسست بالرغبة العارمة في البكاء...أبوها !...أنا الآن أمام أبوها ! " والله حضرتك أنا مكنتش أقـ..." قاطعني بهدوء أبوي " ليه يابني عملت كده....ليه بس " , كنت قد بدأت البكاء بالفعل , " بص يا بني ...بنات الناس مش لعبة ...و حفاظا على سمعتك و سمعتها ...أعتقد إنك تصلح غلطتك بهدوء و من غير شوشرة " ..." غلطة إيه حضرتك " ..." يعني إنت متخيل إن بنتي ممكن حد يتقدم لها بعد ما يعرف إن حد عمل معاها كده ؟؟!! " بدأ يحتدّ فانزعجت جدا ..." بص يابني...إحنا ميرضيناش إن ولاد الناس زيك يتبهدلوا...أي شباب بيغلط..بس برضه لازم تصلح غلطتك " .... لم اكن أعرف تحديدا كيف يمكن أن أعوّض الرجل عما حدث.. " إحنا يابني ناس غلابة...و اللي إنت عملته ده مايرضيش ربنا..و مش حنكلفك كتير...صلح غلطتك و بعدين إعمل اللي إنت عايزه " ....كنت على وشك أن أنطق , لكنه نظر إلى باب الحجرة و نادى بصوت قوي : إتفضل يا شيخ محمد ..., و على الفور كان في الحجرة شيخ معمم بدفتر كبير و خلفه شابين ضخمين ثم الظابط الذي أومأ للرجل : خلاص يا أستاذ فهمي...فأشار له الرجل برأسه أن نعم ....جلس المعمم على كرسي في نصف المسافة بيني و بين الرجل....مد الأخير يده نحوي فمددت يدي تلقائيا, وضع الشيخ على يدينا منديلا كبيرا ثم نظر للرجل الذي قال خلفه بصوت رخيم " زوجتك موكلتي " " زوجتك موكلتي " "البكر الرشيد .." "البكر الرشيد " "نجلاء فهمي عبد الرحيم.... " .


نHأ


8 comments:

karakib said...

:)
بس كده

saadebaid said...

ازاي يعني يعدل الطرحه هو يعرفها ولا حتي يعرفها يقولها اعدلي ام الطرحة ولا هو المخرج عاوز كده
وكل ده عشان مسكها من صدرها وجواز ومأذون اما لو احتك بيها في الاتوبيس ولا اهلها افشوهها معاه تحت الكوبري كان هيتجوزها بالتلاته
معلش بقي
احكي ياعم الامور
اععععع

إبـراهيم ... معـايــا said...

مش حلوة طبعًا .... ، بس أهي ترضي غروري ، ممممممممم ف الأول كانت حلوة، بس قفلتها الكلاسيكية مش مقبولة ، ولا مبلوعة خااااالـــص


حاول تكتبها تاني

تحياتي

واحدة معدية said...

بالعكس بقى القصه حلوة جدا وبتبين ازاي ممكن النية الكويسة في الاول تودي صاحبها في داهية في الاخر
إحنا مش بندور على النهاية الواقعية وإلا بقى نروح نقرا صفحة الحوادث إحنا بندور على الاستمتاع ودا حصل
كمان اعتقد ان القصة سياقها الادبي جميل

spellz said...

:D:D:D:D:D:D:D:D:D:D:D:D:D:D:D:D
انا اذااااااااي مادخلتش عالبلوج ده من زمان
انت رائع!

Anonymous said...

حللللو ه جدا
اسلوبك رائع جدا
والفكرة عجبتني
هيا النهايه صدمتني
بس شغاله والله حلوة

مايا

صفية الجفري said...

سردك الأدبي فعلا مشوق ، ولاقيتني أبتسم بهدوء وأنا أقرأ ، رغم كم الإحباطات التي لدي الليلة ، لكن مش شايف يأستاذ محمود إن المجرم كلامه عميق حبتين من حيث المبنى والمعنى معا ، أما القفلة هي لذيذة بس ممكن كنت تطلع بحاجة أحلى هي ايه ؟ لا أعرف
بس فعلا موفق ماشاء الله ، والعنوان شدني جدا.. كمان حبيت المقابلة بين تصرف سواق التاكسي وتصرف الشاب الذي كان يرى في نفسه التهذيب .. لا فرق .. جميل جدا

عزة مغازى said...

المرة دى بقى عكس الناس كلها الخاتمة عجبتنى جدا
لعبة التقديس الزائد لجسد الانثى اللى بتلعب عليها من الاول وازاى تحويلها لمجرد عورة مخبوءة هو اللى بيضخم الاحساس عندها وعند الرجل بانها فعلا عورة مخبوءة وباباها عاوز يحل ازمة انتهاك العورة بتصليح الغلطة
هههههههه
حلوة جدا ومعبرة جدا

بس مستغربة من كلام الحرامى المثقف بتاع ذكورى ده
كلامه غريب نوعا على الوصف حسيت ان مش ده لسان الشخصية
بس انت حر طبعا يا دكتور