Tuesday, February 20, 2007

الإمام ماركيز



(1)

كان على المنبر عندما لا حظ الأمر , ليس هؤلاء الجالسين أمامه هم هم الذي يجلسون كل جمعة , حاول أن يثيرهم كما يفعل كل مرة أو يعيدهم إليه , ففشل ...شعر بالإنزعاج و توتر و بدا عصبيا , كلهم ينظرون إليه و يحدقون فيه كالعادة, إلا أنه شعر بإختلاف عميق يجبره على أن يرتبك أكثر من مرة أو يخطأ في النحو أو يفقد إنتباهه..
حتى "أشرف "_أقرب سكان الحي ّ إليه _كان مختلفا , يحدق فيه بعينين فارغتين كأنه لا يراه , بعد الصلاة فكّر في ذلك كثيرا , دوّر الأمر في ذهنه و تخيل أشياءا كثيرة , هل صار مملا إلى هذا الحد ؟ , هل فقد تأثيره على أهل الحي ؟ هل بدر منه ما أسقطه في عيونهم ؟ , منذ أسبوع واحد كان فوق هذا المنبر يلقي خطبة عن الهجرة , ورغم أنهم يسمعون خطبة عن موضوع يتكرركل عام إلا أنه كان قادرا على أن يجذب آهاتهم كلما حكى الحكاية أو روى بيتا من الشعر , كان يجذب الخيوط كلها دون أن يفقد واحدا منهم , بعد الصلاة كانوا يلتفون حوله , لا كما يفعلون الآن خاوين من إعجابهم به أو إكبارهم الذي تعوده ...
كان يسكن في حي مجاور للحي الذي عُين في مسجده كإمام و خطيب الأوقاف الرسمي , كان يحب التواجد في هذا الحي أكثر من الحي الذي يسكن فيه , كان له هنا مكانة وهيبة ذات دلالة خاصة , لذلك أزعجه كثيرا ما حدث اليوم..






(2)

في طريق العودة مر على دكان البقالة الذي يقف فيه أشرف , " السلام عليكم ..إزيك يا أشرف؟ " .. "و عليكم السلام و رحمة الله إزيك يا شيخ سيد عامل إيه إتفضل ؟ " كالعادة سحب "أشرف " كرسيين من القهوة المجاورة بـ"قلب جامد " إذ لا يمانع صاحب القهوة في ذلك عندما يكون ضيف أشرف هو الشيخ سيد , جلسا معا و ثرثرا كثيرا , فكر في أن يظل جالسا مع أشرف إلى العصر إذ كان القلق ينهكه أكثر من اللازم , و لم يكن يفهم ماذا يحدث تحديدا ...
إنشغل "أشرف " مع الزبائن فجلس يتأمل الشارع و يرد السلام , التفت إلى الدكان فوجد على طاولة بالداخل كتاب داكن , قام و مر بجوار أشرف المشغول بالناس إلى الداخل و أمسك بالكتاب : " مائة عام من العزلة _ جابريل جارثيا ماركيز " , اندهش جدا ! , "أشرف " يقرأ روايات !! , لم يكن لديه علم أن أشرف يقرأ أكثر من صفحات الرياضة بأهرام الجمعة , ابتسم و أنتظر إلى أن فرغ أشرف من زبائنه فسأله : (إيه ده يا أشرف؟ ) , كان أشرف ينظف يديه من التراب بفوطة صغيرة , ابتسم , قال وهو يلقي بالفوطة : دي رواية لماركيز...تعرفه ؟ , (أسمع عنه ) .."بنقراها عند باشمهندس خالد " ..(بـتـ إيه ؟ ).. "بنقراها ..بنقعد كل أسبوع نقرا جزء " (وِرْد يعني ولا إيه ) قالها بسخرية , فضحك أشرف "يعني..حاجة لذيذة أوي يا شيخ سيد , ما تيجي ! " , (طيب ليه يعني أو بتعملوا إيه بكده ؟ ) "مفيش.. الدكتور عبد الرحمن اللي ساكن على أول الشارع قاللي مرة على الموضوع فـَرُحت , لقيتها حاجة حلوة جدا , بجد ما تيجي ! " , لم يعلق الشيخ , كان شعور مبهم يزعجه من أن هذا سبب كاف لما حدث اليوم , نظر إلى أشرف فأحس به لايزال مختلفا , فأجفل منه ووضع الرواية , قال (ربنا ييسر ) سكت قليلا ثم سأله و هو يتصفح الكتاب (طيب إحكيلي برضه بتعملوا إيه ) , انطلق أشرف يحكي بحماس والزبائن يترددون بين الحين و الآخر , فيواصل الحكي وهو يمد يده بكيس سكر أو يلقي بالنقود في الدرج , أخبره أنهم يصنعون حلقة و يبدأون القراءة من الرواية بالدور , كل واحد صفحة , إلى أن ينتهي الجزء , وأنهم سيختارون رواية أخرى بعدها _ لماركيز أيضا _لقراءتها ( فقط ..قراءة ! ) " أيوه !" (إشمعنى ماركيز ده طيب ) "والله هو الباشمهندس خالد صاحب الموضوع و بنتجمع في بيته و هو اللي إقترح يعني..بس بجد الرواية دي حاجة فظيعة..يعني أنا قريت في ثانوي وفي الكلية شوية روايات لنجيب محفوظ و إحسان عبد القدوس و مش عارف مين , أول مرة أحس بطعم القراية حلو كده " ..(بتتجمعوا إمتى ) .."كل سبت بعد صلاة العشا عند الباشمهندس خالد " ..كان يعرف الباشمهندس خالد , رزين و ذكي ويبدو مستغنيا عن الود الزائد , لذلك تعجب من ذلك النشاط الجماعي الذي يعقده , لم يكن بينه و بين المهندس خالد أكثر من السلام و رده لو تقابلا في الطريق ,و هو أيضا لا يحتفي به كما يفعل أغلب أهل الحي , انفعل " طيب مش تتجمعوا تعملوا حاجة تنفعكم أحسن " ..ارتبك أشرف عندما لاحظ انفعاله و قال "و فيها إيه بس يا شيخ سيد " ( يعني إيه فايدة اللي بتعملوه ده أنا عايز أفهم , ده بدل ما تقرولكوا جزء قرآن أو تسمعوا درس علم ) ..سكت أشرف ثم ناداه زبون متعجّل فانشغل معه , لم ير الشيخ أن لوجوده مبرر , فألقى السلام سريعا و غادر الدكان دون أن ينتظر الرد




(3)


في اليوم التالي و بعد صلاة العشاء , لاحظ أن كثيرين قاموا و خرجوا سريعا , أو ربما بدا له ذلك , كان يفكر في أن يصعد إلى جلسة الباشمنهدس خالد ليرى ما الأمر , إلا أنه تمهّل قليلا, لم َ لم يدعوه "خالد " بنفسه إن كان يروّج للموضوع في الحيّ ؟ , ألم يكن من الأولى أن يدعو إمام مسجد الحي قبل أي أحد..كان قد تحدث في الموضوع مع الدكتور عبد الرحمن الذي أثنى على الأمر و هو يهز رأسه الأصلع اللامع و يقول برزانة طبيب : شئ رائع يا شيخ سيد..رائع ! , شعر بالضيق حين عرف من الطبيب أن عدد حاضري الجلسة يتزايد يوما بعد يوم حتى صاروا يملئون صالة خالد الواسعة , هؤلاء لو دعاهم لمقرأة بعد الصلاة أو لحلقة علم لن يزيد عددهم عن الخمسة على أفضل تقدير , فكر أن هذا حال الدنيا و الناس من تكالبهم على كل ما لا نفع فيه , إلا أنه ظل متوترا و يشعر بالعجب..منذ متى و موظفو الحكومة و البقالون و رواد المقاهي يقرأون الأدب و يصنعون له الحلقات ؟! , شعر بالمسئولية عنهم جميعا , هو لا يعرف تحديدا قصد المهندس خالد الذي لا يبدو له ملتزما بقدر كاف ليقود كل هؤلاء الناس , من سمح له أصلا أن يتخذ هذا الموقع فيقرر ماذا يتم قراءته أو يتم التجمع له؟ , ما هي مؤهلاته أو صلاحياته لذلك ؟؟
اقترب منه الحاج عبد الرحيم , الكهل صاحب البناية المقابلة للمسجد و التي تتم فيها إجتماعات السبت العجيبة , سلم عليه و قطع عليه أفكاره "معلش يا شيخ..قطعت عليك التسابيح " (ولايهمك يا حاج , إنت عامل إيه ) "كويس الحمد لله وإنت ؟ " ( الحمدلله بخير) صمتا كالعادة , سند عبد الرحيم ظهره إلى الجدار و جلس يسبح ( سمعت يا حاج عن موضوع الباشمهندس خالد ؟ ) ابتسم عبد الرحيم " أيوه , إبني علاء بينزل يقعد معاهم "..(وإيه رأيك ) " في إيه؟ " (في الموضوع ده يعني ) " والله الراجل يشكر إنه حيخلي الناس يتثقفوا ! " ( بس إيه الغرض من الموضوع يعني, لازم نعرف برضه..مش جايز يكون وراء الأمور أمور ) لم يكن يريد ان ينقل للكهل تحريضا ما أو ضيقه الشخصي من الموضوع , كان يريد ان يبدو سؤاله نابعا من حكم موقعه الهام كإمام و مرشد لأهالي الحي , " أمور زي إيه ..والله الباشمهندس خالد راجل محترم و زي الفل , ده هو الوحيد اللي بيدفع فلوس السلم قبل معادها كمان " , تماسك رغم رغبته الشديدة في أن يقوم و يترك الكهل , "يا حاج ده مش مقياس برضه , أظن لما كل الناس دي تتجمع و يقعدوا روايات أجنبية منعرفش اللي كاتبها ملته إيه ولا بتقول إيه فده شئ مقلق برضه ..اللي سمعته إن الناس بتزيد كل مرة...فقلت أطمن منك يعني " ألقى بالكرة في عبّ الشيخ عبد الرحيم الذي كان وَقــْع كلمتي "أجنبية " و "ملة " على أذنه محفزّا جدا , " معاك حق بس حنعمل إيه " ( حشوف أنا حعمل إيه بإذن الله أنا فكرتك تعرف يعني ) بدا وجه الحاج عبد الرحيم جادا لبرهة ثم استرخي وجهه و ابتسم و قال و هو يقوم في بطء : " إن شاء الله خير يا شيخ ..ماتشغلش بالك ! ...السلام عليكم " رد عليه السلام و سكت..
الأمور هكذا غير مبشرة على الإطلاق , حتى الحاج الذي لا يحضر حلقات المهندس خالد يبدو مختلفا , قرر أن ينظر في الأمر بجدية , سيحاول أن يحصل على نسخة من هذه الرواية ليقرأها , لعله يصل إلى شئ واحد مفهوم مما يحدث..



(4)


الرواية كانت مملة , مملة جدا بالنسبة للشيخ سيد , كان يقرأها بصعوبة و يتعجب من اللذة التي يتحدث عنها أشرف و الـ"رائع " الذي يصفه الطبيب , بدت له نوعا من الهذيان فضلا عن كثير من الخلط في الغيبيات و ما سواها , الرواية حتى الآن , وهو قد قارب على نصفها , لا تحمل عبرة أو عظة أو درس مستفاد ! , ما الذي يقصده خالد من حلقته الأسبوعية هذي..دروس محو أمية مثلا ؟! ...أما بعد إطلاعه على أكثر من النصف بقليل, صار واثقا أن لديه أسبابا كافية جدا لمراجعة المهندس خالد فيما يحدث , صحيح ليس لديه أي مبرر شرعيّ لهذه المراجعة و لكن كان واثقا من أن خالد لابد ملزم أن يكون لديه مبررات كافية أمامه , الجمعة الثانية قد مرت على علمه بالأمر و لازل ذلك الشعور الغريب يشاغله وهو فوق المنبر من أنه يتحدث إلى مسجد خاوٍ إلا من خادمه النائم تحت المنبر , شعر بالفقد ! , و قرر ألا يخوض في تفاصيل الرواية حين يناقشه كي لا يُستدرج إلى منطقة الأدب و تأويله و ما إلى ذلك , أحس بالفطنة و إن كان لا يزال يعتبر مآخذه على الرواية حجة سيتخلى عنها الآن لحين الحاجة إليها ..
الحقيقي في الأمر , المهم له بدرجة أهم من كل شئ , أنه كان يريد أن يعرف حقا ما الذي تغير في قيعانهم التي تعودها قريبة واضحة , شعر أنه يتمنى بشدة لو عادوا كما كانوا , ولو يوم الجمعة فقط , و ليفعلوا ما يشاءوا بعد ذلك , لكن رفض الفكرة بعنف , سيعودون كما كانوا ..مسئوليته التي عليه أن يواجهها الآن بثبات هي المحافظة على أرواح هؤلاء المنوط بإرشادهم كما كانت ..



(5)

بعد أيام , و قبل صلاة المغرب طلب منه الأستاذ فاضل , مدرس العلوم , أن يسأله منفردا عن شئ ما , انتظر الشيخ بعد الصلاة إلى أن انصرف الناس فاقترب منه الأستاذ فاضل " إزيك يا شيخ سيد ...إمبارح حلمت حلم غريب مش عارف أفسره.. " (خير يا أستاذ فاضل ) " حلمت بماركيز " ( نعم ؟ ) "حلمت بماركيز يا شيخ " ..سكتا لفترة و بدا كأنهما يريان بعضهما للمرة الأولى ( مش فاهم يا أستاذ فاضل , حلمت بيه إزاي يعني ) بلع الأخير ريقه و قال " حلمت بيه يا شيخ...شفته في المنام يعني وهو بيصلي بينا إمام" استفزه ذلك جدا ! " إنت بتروح عند الباشمهندس خالد ؟ " ( أيوه ! ) " أمال جايلي ليه طيب؟...ما تروح تسأله ؟ " ..انزعج الأستاذ فاضل و بدا عليه تعبير بالخوف حين رأى الشيخ غاضبا , "ليه كده بس يا شيخ سيد..."..قام الشيخ و مضى و خلفه الأستاذ فاضل يناديه إلى باب الجامع فأدخل الشيخ قدميه في حذائه و سار مبتعدا عن الباب الذي يقف عنده فاضل حافيا يفكر ماذا فعل ..




(6)


لم يكن يتوقع أن يتطور الأمر على هذا النحو , الآن يأتيه اثنان أو ثلاثة في الأسبوع و من رواد حلقة ماركيز يطلبون منه تفسير نفس الحلم ! , منهم غير المنزعج مطلقا ,الذي يسأل غالبا حين لا يجد شيئا يثرثر به و منهم الذي يشعر بالأمر يضغط على روحه و لابد من التلفظ به على أي وجه كان , كانوا يأتونه بصيغ مختلفة "ما هو تفسير حلم أن يكون أحدهم يؤم أهل الحي في الصلاة ؟ " "هل رؤية ماركيز في الحلم خير أم بلاء " " ما هو تفسير أن يصلي بالناس رجل أجعد الشعر أسمر لين القسمات " ...كان لا يعرف بم يجيب و يفهم على الفور أنهم يرون نفس الحلم , بعد فترة هدأت عصبيته و بدأ يفكر في ردود تكتيكية مثل أن يكثروا من قراءة القرآن و ترك ما يشغلهم عن التقرب إلى الله , أقتربت الجمعة و قرر أن يجعل موضوعها انشغال الناس بكل تافه و غث و تركهم للعلم الشرعي و سير الصالحين..

انتشر موضوع رؤية ماركيز في الحي و تحدث به الناس فأعجبه ذلك , أخبر "أشرف" _ الذي كان قد رأى ماركيز يخطب فيهم الجمعة , و في حضور متولي المكوجي _ الذي لا يحضر الحلقات إلا نادرا و رأي ماركيز و هو يصلي بهم الفجر _ أن هذا ليس شيئا مطمئنا على الإطلاق , إنها إشارة من الله ربما , أن يرى الناس في الحي رجل نصراني يصلي بالناس في بيت الله إماما بل يخطب فيهم , هذا حتما ليس خيرا , شعر أنه قد أثّر على أشرف , و أنه يمضى قدما و بنجاح ,في قضيته في الحي الذي يتولى تدبير أموره الدينية , كان ينتظر أن يقابل المهندس خالد , الذي لا يصلي في جماعة _ و هو الشئ الذي يشجّع الشيخ سيد كثيرا على موقفه _ أما الجمعة الماضية عرف أنه لم يكن في القاهرة هذا الأسبوع , اقترب ميعاد الجمعة لكنه قرر أن يؤجل خطبته التي ستقصم ظهر البعير إلى أن يناقش المهندس وجها لوجه..


(7)


في الأسبوع الذي لم تُعقد فيه جلسة ماركيز لسفر المهندس خالد , سمع أخبارا عن فوزي الحلاق الذي صار صوت فيروز ينبعث على الدوام من دكانه البرّاق , أيضا هلال _ الموظف الحكومي _الذي ترك عمله في المصلحة بحجة أنه لا يناسب "روحه " و قرر أن يبحث عن عمل يحبه و يخلص فيه, أما "علاء " الطالب الفاشل صاحب السكسوكة و الذي كان يأتي به أبوه الحاج عبد الرحيم لينصحه أن يترك التدخين و أن ينتبه لحياته فقد ترك كلية التجارة و ألتحق بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية بإحدى الجامعات الخاصة , أقلع أيضا عن البانجو و إن كان لا يزال يشرب الشيشة على القهوة مع أصحابه الجدد , المثقفين لابسي النظارات , كل الذين يسمع عنهم أخبارا من هذا النوع من حضور جلسات ماركيز , الذي أسسوا ما يشبه الرابطة , يزرعون المربعات الصغيرة أمام البيوت , يغرسون شجر صغير هنا و هناك , ينظفون الشارع و يجمّل كل منهم مدخل بنايته بشكل أو بأخر.. , أشرف أيضا جعل في دكانه ركنا للروايات و القصص و الأدب العالمي , للإستعارة و الشراء , تحتوي أيضا على شرائط لمغنيين غير معروفين يغنون كلاما غريبا بلهجات غريبة , الشيخ سيد يشعر بالحصار , طلب من أشرف لو يضيف الكتيبات و الكتب الدينية لـ "مكتبته " الرائجة من باب البركة على الأقل , لكن أشرف أشار إلى " النصبة " التي يقف فيها خادم المسجد بين الصلاة و الأخرى ليبيع الشرائط الدينية و الكتيبات و السواك للمارة و المصلين قائلا أن بها ما يكفي و يفيض..
كان يعرف أن ضيقه من حلقة ماركيز قد ذاع في الحي ّ , خاصة بعد موضوع الأحلام إياها , التي فسرها أهل الحي بأنها تشبه ما يحدث عندما نشاهد الممثلين في الأحلام بعد مشاهدة فيلم ما أو نذهب للسينما و أحيانا بعدها بفترات طويلة , لم يرق له هذه التفسير السطحي على حد قوله , إلى أن جاء يوم استيقظ فيه الشيخ مفزوعا , قبل الفجر بساعة أو ساعتين , حين بدا له أنه قد رأي ماركيز في الحلم , انتفض و أزاح الغطاء بسرعة و هرع إلى روايات ماركيز الملقاة فوق السفرة بالخارج , حدق في صورة ماركيز على الغلاف الخلفي , نعم هو ! , انقبض قلبه و دق بعنف , لقد رآه يصلي به إماما هو شخصيا..



(8)

عاد المهندس خالد , و بعد صلاة الجمعة ناداه الشيخ سيد و طلب منه الحديث , "اتفضل نتكلم فوق يا شيخ سيد" قالها خالد وهو يشير إلىالخارج , إلا أن الشيخ أخبره ألا داعي لإزعاج أهل الدار و الموضوع بسيط , جلسا بينما يرمقهم الناس الباقون في المسجد بفضول ضخم , كانوا يخمنون دون شك أن الحديث سيكون عن ماركيز , و قد كان إلا أن الشيخ سيد انتظر إلى أن رحل الجميع ..( إزيك يا باشمهندس..حمدالله على السلامة ) " الله يسلمك يا شيخ سيد..خير ؟ " لم يرق له أن يدفعه المهندس هكذا إلى الحديث بسرعة خاصة و أنه قد تعمد أن يسلم عليه بود زائد , ( خير إن شاء الله...كنت عايز بس أسألك على الحلقة اللي بتعملها عندك في البيت ) ابتسم خالد و قال : "مالها؟ " ( يعني...كنت بقول لو تستغلوا الوقت ده في حاجة أحسن...قراءة قرآن ..تفسير آية...حديث ) , قال المهندس : "و إيه المشكلة في إننا نقرا رواية , الناس بتقرا قرآن و أحاديث في بيوتهم و هنا في المسجد" , سكت برهة و أحس بكراهية عميقة تجاه ذقن المهندس النابتة قليلا , ( مفيش مشكلة بس إيه الفايدة من حلقة لقراءة رواية ) "ما سمهاش حلقة , دي قعدة عادية جدا بنقرا فيها كتاب بنحبه , اللي عايز ييجي ييجي اللي مش عايز براحته , " , قال وعيناه مثبتتان على الشعيرات السوداء الصغيرة النابتة على صدغ المهندس و فوق شفتيه : ( برضه إيه الفايدة , الوقت ده بيعدي في طاعة الله ولا لأ ؟ ) "إنت شايف إيه ؟ " ... قاوم بشدة النظر إلى الشعيرات المنمنمة المستفزة ( شايف إنه يبقى أحسن لو تقروا فقه السنة أو رياض الصالحين أو سيرة بن هشـ ..) قاطعه " أمال إنت بتعمل إيه ؟! " لم يتوقع أن يحادثه المهندس بكل هذه قلة الذوق و رفع الكلفة و لكنه حافظ على هدوءه ربما مجاراة لهدوء المهندس ( بما إن الناس بتحب تروح عندك يعني , فتستغل ده في دعوتهم إلى الخير ) " يا شيخ أنا بعمل اللي بحبه , و هما لما عرفوا جم يعملوا اللي هما بيحبوه " ( يعني مثلا عاجبك الأحلام اللي بيحلموها دي ؟! ) "مالها الأحلام..ده حتى رؤية ماركيز في المنام خير ! " ابتسم المهندس ابتسامة واسعة و لاحظ الشيخ أن الخادم كان يكتم ضحكه بالقرب فزجره بنظرة قوية , (طيب يا باشمهندس خالد..أنا عايز بس أطلب منك إننا نعمل جزء من الحلقة ...أقصد القعدة بتاعتكم... للتدبر و العلم الشرعي..ممكن ؟ ) أحس بنفسه هشا وهو يطلب ذلك "والله يا شيخ أنا مش حينفع أجيب الناس تقرا معايا رواية و بعدين أقولهم إن فيه درس علم كمان شوية , إعمل إنت درس في المسجد هنا و اللي عايز حييجي " , (بص يا باشمهندس خالد , صدقني أنا خايف عليك , اللي بتعمله ده مش مظبوط , الناس حالها إتشقلب و أنا حاسس إن إطلاع الناس على الأدب المترجم ده من غير رقابة أو فرز بيعرضهم لأفكار هما مش مستعدين ليها ) " والله كل واحد حر يقرا اللي هو عايزه " (لا طبعا , يعني إنت شايف إن رواية زي مائة عام من العزلة دي ينفع يقراها طالب صغير مثلا ..حيستفيد منها إيه ..أنا قريت تلت تربع روايات الراجل ده من باب الفضول عشان أعرف إيه الميزة يعني..قولي إنت الطالب ولا التلميذ الصغير الأحسن يتعلم فقه ولا يقرا ماركيز ؟) " الأحسن إنه يعمل اللي يحبه ! " (باشمهندس خالد....بعد إذنك توقف قراية ماركيز ..أنا بستأذنك ) " أنا آسف يا شيخ سيد إنت كده بتدخل في اللي مالكش فيه !! " نفد صبره و احمر وجهه من الغضب ( يعني إيه يعني ؟ ) " يعني أنا مش فاهم إيه اللي مضايقك في اللي بنعمله " (لازم تفهم يا باشمهندس إن حياتنا كلها ملك للي خالقها , ولازم كلها تبقى رايحة ليه , الروايات و الكلام ده بيندرج تحت باب اللهو , اللهو ده لازم يكون بمقدار عشان نستعين بيه على طاعة الله , مش كل اللي بتعملوه ده , ماركيز ده حيبقى في حسناتكم ولا سيئاتكم يوم القيامة! ") "الله أعلم بقى , كل واحد و نيته ! " (خلاص يا باشمنهدس أحمد , خلاص...أنا قلت لك و خلاص , اللهم بلغت اللهم فاشهد ) ...لم يكن راض عن أداءه في المناقشة و أحس أنه كان هشا للغاية أمام هدوء المهندس ذو الذقن النابتة المستفزة , عاد غاضبها يومها إلى بيته و هو يلعن آباء المهندس أجمعين , و قرر أن ميعاد الخطبة المرتقبة قد حان , و بالفعل , إلا أنه لم يتغير شيئا , بل بدا له أن أحدا لم يفهمه , ماذا يفعل ؟..يبلغ السلطات ؟ أم يعلن في المسجد صراحة غضبه و عدم رضاه عما يحدث ؟
قابل وهو يخرج من المسجد فوزي الحلاق داخلا يريد أن يلحق صلاة المغرب في الجماعة الثانية , فسلم عليه و سأله عن أحواله , فأخبره أن الحمد لله هاهو يستعد لدخول إمتحانات الثانوية العامة كي يكمل دراسته التي توقفت قبل الثانوي , أثنى عليه الشيخ و ربت على كتفه و سأله عن السبب وهو يتوجس إن كان ماركيز قد ناداه في المنام أن أكمل تعليمك , "مفيش يا شيخ والله , حسيت إن حياتي مملة مفهياش هدف أو بحث عن الذات " بدا له أنه لم يسمعه جيدا "مفيهاش إيه ؟ " "بحث عن الذاااات " " آه , طيب , خش صلي يا فوزي ربنا يهديك " , كان يعرف أن فوزي من المداومين على جلسة ماركيز , لم يناقشه طويلا..



(9)


لم ير هناك أي حل أخر للمهزلة التي تحدث في الحي غير ما اقترحه عليه المهندس خالد نفسه , لم يكن من صلاحياته أن يقيم حلقة للذكر حتى في المسجد الذي يدار بمواعيد ولا يسمح بالتواجد فيه بعد الصلاة لأكثر من نصف ساعة يتم بعدها غلق الباب بالقفل الضخم الصدئ , كما تشير أوامر أمن الدولة الواضحة ,كما كان يعرف أن الناس ملت من دروس الفقه التي تبدأ دائما من أول باب الطهارة و البحث في مادة "مَــوَهَ " أو حكم الاستنجاء بالحجارة ووو , فيفتر عنها أهل الحي و يتركونها بعد أن ينتهي القصور الذاتي للحماس , أما دروس التفسير و ما سواها فليس لديه أفكار واضحة إن كان سيستطيع إلقاءها بشكل ما يدفع الناس لحضورها و ترك حلقات العبث الواضح و روايات ماركيز , يرى المشكلة حساسة و حيوية , لذلك قرر الإعلان عن دروس لحفظ القرآن في منزل الحاج متولي , الذي اتفق معه أن يمنحه مكانا في بنايته فخصص له شقة غير مسكونة , فوق بيت المهندس خالد بالضبط , تولى تهيئتها و فرشها بالحصير خادم المسجد وبواب البناية , و للإخلاص في القضاء على مواضع الشر , حـدد ميعادين للدرس أحدهما هو السبت بعد العشاء , و انتظر ليرى ما يحدث , فحدث أن جاءه أهل الحي بأطفالهم ! , بينما فرغ الميعاد الثاني تماما إلا من الحاج عبد الرحيم الذي كان يحصل إسبوعيا وحده على درس قرآن خصوصي لأنه كما وصف : ليس لديه تقل على ماركيز .. يفضل "ماريا ", و رغم ذلك فلم يكن لدى الشيخ سيد سوى المواصلة ! قانعا من الحي بأطفاله الأنقياء , هؤلاء الذين تشبه ذنوبهم الصغيرة بولة على جلباب نظيف و ليذهب بالغو الحي و كباره إلى أقرب جحيم يقودهم إليه ماركيز , فكر أنه بذلك على الاقل يحافظ على روح الجيل القادم ولذلك أخلص في تعليمهم القرآن بل و في الحديث إليهم عن الحياة و الخير و الشر و أن يكونوا قدوة لمجتمعاتهم و مواقعهم التي سيوجدوا فيها, سأله أحدهم : "إزاي يا شيخ ؟ "..( إتثقف , إتعلم , إشغل نفسك بالبحث عن الذات ) "إزاي برضه يا شيخ ؟ " (فكر و إقرا) "أقرا إيه يا شيخ "...فكر الشيخ قليلا ثم قال : ( إقرا لماركيز )




18 comments:

Stairway to Paradise said...

جميلة جميلة جميلة!
ليه مش بعرف أوقف في نُص قراءتي لكتاباتك؟!

Hany el-Gamal said...

Gamelaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaaa AWYYYYYYYYYYYYYYYYYYYYYYYYYYYYYYYYYY

bani-adam said...

مفيش تعليق.
انت عارف انا عايز اقول ايه.
كل سنه و انت طيب.

Anonymous said...

رائع

ألِف said...

حلوة دي.

ألِف said...
This comment has been removed by the author.
masinga said...

جامدة بجد
شداني طول الفصول كلها
جااامدة

MaMaDo said...

Really nice work of art, I don't know you, but I really like your writings, and feel the freedom of soul U have. God bless U

poet said...

جميل ما قرأت بالفعل

هي المرة الرابعة منذ فترة اقرأ النص في عدة اماكن و كلما قرأت فكرت في البهجة


كن بخير

محبتي
تلك التي لا أملك غيرها
احمد

شغف said...

يا نهاااااااااااااار

أنا مت على نفسي م الضحك

حلووة جدااا

بس معلش يعني

ايه علاقة ماركيز بالبحث عن الذات ؟

يعني ممكن أفهم مثلا الشخصيات اللي " عاشت " الجو ، و بدأت تقرا ، أو يكون لها اهتمامات أو تسمع فيروز

بس جملة " البحث عن الذات " / و المعنى ، و الكلام ده صعب جدا يتماشى مع كتابة سوداوية و موقنة بعبثية الحياة و الكون زي كتابة ماركيز

بس بجد استمتعت

حـدوتـة said...

الله عليك يا محمود.. الله!! إيه الحلاوة دي؟؟ ده موضوع ما يتسكتش عليه...القصة دي بمنتهى السهولة ممكن تبقى فيلم!!

Dina El Hawary (dido's) said...

أنا سعيدة باكتشاف مدونتك يا محمود
القصة ممتعة
:):):)
Chapeau !!!

واحدة معدية said...

صياغتك الادبية رائعة وجذابة مفيش كلام بس المشكلة في الفكرة اللي انت عايز توصلها لينا (شائكة شوية؟ انت بتحط الدين في منافسة مهزومة مع الدنيا بكل مافيها من ثقافة وايجابية وتنتهي القصة باستسلام الشيخ وهو رمز الدين للفكر الاخر مكروها

karakib said...

:)))))))))))))
حلوة اوي اوي اوي
و الاجابة الاخيرة للشيخ
مضحكة جدا !

عزة مغازى said...

انا شايفة الاجابة الاخيرة للشيخ مبالغ فيها شوية
لم احب الخاتمة ولكن هذا لا ينفى اعجابى بالقصة جدا جدا جدا
انت كاتب فيلم روائى قصير رائع يا دكتور
تعيسة جدا لانى اكتشفت هذه المدونة متاخر يلام في هذا الاخين عمرو عزت ورضوى اللذين لم يضعا لينك لها بينما ادخل نور دوما من عندهما
مارس بعض الضغوط العائلية يا دكتور

طارق المبارك said...

لتوي اقرأ القصة..لكن بقيت لساعات مبهور
دمت قلما ساحرا

mostafa 3ezzat said...

eih ya rayyes el hagat el gamda

مجرد مدونة said...

كان نفسى بجد ما تدخلش الدين فى قصة بحيث الناس تتريق على الشيخ اللى هو رمز للدين
فى حين ان فى مشايخ بينصحوا ان الاطفال الصغار يقرأوا روايات إذا كان ده هيوسع مداركهم طبعا مش هتكون روايات إباحية أو كده .. أسلوبك رائع نفسى تستغله صح (من وجهة نظرى) وشكرا :)